حكاية البرتغاليون والوصول لرأس الرجاء الصالح

دكتور أكاديمي/أحمد عبدالرازق عبدالعزيز محمد/مصر

وجه سلاطين دولة سلاطين المماليك في الفترة الأولى عنايتهم بالزراعة وطرق تنميتها وقد قام الإقطاع الحربي المنوط به رعاية القوات المملوكية على أساس الزراعة، ولم تكن التجارة تمثل سوى جزء بسيط من الموارد المصرية . ولم تكن عائدات التجارة مهمة سوى في أواخر العصر ولكن بتدهور الإقطاع الحربي وما إنتابة من خلل داخلي إنهارت الزراعة في مصر، ولم يعد الحكام يهتمون بتنميتها كسابق عهد الدولة ومع تفاقم الأزمات الداخلية لم تجد الدولة حلاً سوى الاتجاة لزيادة الضرائب على الواردات التجارية.

لذا تعتبر بداية تلك الأزمة، والتفكير في طريق مختلف غير البحر الأحمر منذ عام 825هـ/1422م ، حيث هجرت سفن الهند التجارية ميناء عدن بسبب المظالم، والمعاملة المجحفة التي تعرض لها التجار في هذا الميناء(عدن) فكان الاتجاه لميناء جدة عام 828هـ/1425م لتزداد أهميته، ويبطل ميناء عدن بعد العديد من المكوس(1) .

وتبدأ الحكاية بتجارة التوابل، واحتكارها، حيث كانت أكثر ربحاً من القروض عن طريق التجار، وهذا ما جعل بعض السلاطين يسيطرون على منافذ تلك التجارة، ففي عام 830هـ/1426م ” كان بداية أمر بيع الفلفل على تجار الإفرنج بالإسكندرية، ولم يعهد هذا قبل ذلك”، وفي عام 833هـ/1429م ألزم تجار الكارم بالإسكندرية بمنع بيع أحدهم شيئاً من أصناف البضائع التي تُجلب من الهند، والسند كالبهار، ومثلهم تجار الفرنج، والهدف احتكار تلك البضائع من جدة، وبيعها في الإسكندرية للتجار لأخذ الربح عند بيعه، بينما في عام 835هـ/1431م أمر بالحوطة على فلفل التجار بمصر كلها ليشتري للسلطان برسباي بخمسين ديناراً الحمل ليباع بتسعين لهم بأول السنة ونفس الوضع لتجار الفرنج، والهند، وتكرر الأمر بعد ذلك بمنع التجار من بيع الفلفل، والفرنج ايضاً، أو يرمي الفلفل عليهم ، الحمل بألف دينار(2) .

وهكذا بعد أن تمَّ تطبيق تلك السياسة الاحتكارية من قِبل سلاطين المماليك بالإضافة لرمي البضائع، وتعدد الضرائب، حيث كان يفرض سلطان مصر على سفن التجار القادمين من البلاد المسيحية عُشر ثمنها عليهم، بل ومنعهم من ممارسة التجارة نهائيّا،ً وأصبحوا مجرد مندوبين يعملون للسلطان في تجارته ليتقلص نفوذهم، وعددهم، ويفقدوا هيبتهم لدرجة تجعلهم قليلي الظهور في عام 860هـ/1455م ليصف ابن إياس ذلك الوضع بالإسكندرية في ذي الحجة 920هـ/يناير1515م بقوله: ” كانت المدينة في غاية الخراب بسبب ظلم النائب، وجور القباض فإنهم صاروا يأخذون من التجار العُشر عشر أمثال”(3)، فقد كان احتكار تلك التجارة، وغيرها من السلع، بل ورفع أسعارها تعويضاً لعجز الموازنة بالدولة، وسد جزء من نفقات الجند سبباً .

إلا أن ذلك تسبب في امتناع تجار الفرنج، وغيرهم من التجار عن الشراء لتلك السلع، ومن ثم البحث عن طريق آخرلجلب تلك السلع إلى بلادهم غير البحر الأحمر التي تتحكم فيه مصر(4)،وكان ذلك سبباً مهماً  لانهيار التجارة نهائيّاً بسبب سوء إدارة رجال الدولة لتلك الأزمة، وهو الوصول إلى طريق رأس الرجاء الصالح.

وقد أشار الأسدى في نهاية القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي لنتائج ذلك الوضع بقوله: ” آل الأمر إلى نقض الهدنة بين الفرنج، وأهل الإسلام، وكذلك الأرمن، والهنود، والروم، وأهل الصين، والحبشان، وبتجديد الحوادث الرديئة، والمظالم على التجار تفرق الاجتماع، وقل المتحصل، ونقص الربح، … وضاقت المعايش، … وانتقصت العشور، … وانقطع الإدراك من نقص فوائد الخفراء”(5) .

فقد كان هدف البرتغاليين الدوران حول أفريقيا والوصول إلى أماكن التوابل والسيطرة عليها دون وساطة المماليك(6) وكان الخطر البرتغالي يطرق البحر الأحمر بعد أن عرفوا طريق رأس الرجاء الصالح عام 1497م بمساعدة الملاح المسلم أحمد بن ماجد ثم وجدوا بأنفسهم قاعدة للتوسع في كلكتا بالهند عام 1500م، وكان هذا خطراً كبيراً يهدد الدور العالمي للتجار المسلمين ولدولة سلاطين المماليك التي كانت تفيد كثيراً من تجارة المرور عبر مصر(7) .

وكان أول وصول البرتغاليين لبلاد الهند عن طريق مليبار عام 904هـ/1498م وسبب ذلك ما يحكي عن البرتغاليين “طلب بلاد الفلفل ليختص تجارته بهم، فإنه ما كانوا يشترونه إلا من الذين يشترونه ممن يجلبونه من مليبار بوسائط” وبعد سنتين عادوا مرة آخرى واشتغلوا بالتجارة، واجتهدوا في منع التجار المسلمين من تجارتهم، ومن السفر للبلاد العربية، بل وأقاموا المنازل، وهدموا المساجد، وكان تتابعهم في كل عام “وصول مراكبهم العديدة من برتكال بالرجال والأموال، وسفر مراكبهم … من مليبار بالفلفل، والزنجبيل، وسائر البضائع إلى البرتكال”(8) . وفي عام908ه/1502م تمكن فاسكو داجاما من إغراق إحدى السفن المحملة بالحجاج والتجارة للسلطان الغوري، وفي العام نفسه تمكن داجاما من الوصول إلى عدن، والسيطرة على بعض السفن الإسلامية المتجهة إلى سلطنة المماليك، وفي عام912هـ/1506م أصبحت شوكة البرتغاليين في الهند من القوة بحيث أنزلوا أفدح الأضرار بحركة التجارة الإسلامية في المحيط الهندي واستولوا على سفن المسلمين غصبا، واستحلوا دماءهم، وأموالهم، بل وامتدجُرمهمإلى مدخل البحر الأحمر، وقطعوا الطريق على السفن التجارية القاصدة لمواني السلطنة المملوكية ببحر الحجاز، أو القادمة منه، وصاروا يعبثون على تجارة مراكب الهند، ويأخذون ما معهم بالقوة(9) لقد كانت الأحداث متلاحقة وسريعة بما يعني أنه مخطط مدروس ونُفذ بشكل جيد .

وعندما راسل حاكم الهند سلاطين المسلمين لم يتصد لذلك الأمر إلا السلطان الغوري الذي أرسل الأسطول المصري لمساعدتهم حيث أحرز نصراً على البرتغاليين في عام 913ه/1508م ، ولم يدم النصر طويلا، حيث اشتبك الفريقان، وأنزلوا الهزيمة بالأسطول المملوكي في موقعة ديو عام 914هـ/1509م ، وفي نفس العام تمكن البوكرك من السيطرة على بعض جزر الهند، والتي تعتبر مصدر تمويل سلطنة المماليك بالتوابل(10) .

وبتحول طريق التجارة العالمي إلى رأس الرجاء الصالح تم القضاء نهائياً على التجارة الخارجية لمصر رغم أن هذا لم يكن السبب المباشر في سقوط الدولة ولكن لا نستطيع أن ننفي أن تلك التجارة كانت تمثل جزءاً من اقتصاد هذه الدولة مما تسبب ضياع جزء من مواردها.

وقد ذكر زين الدين الميلباري عن قوة البرتغاليين إنهم بعد عام 915ه/1509م صارت تزداد عام بعد عام حتى عام 920ه/1915م وبعد ذلك بعام صار يصدر منهم الإيذاء، والظلم للمسلمين وتجارهم بسواحل الهند(11) .ويكفي الإشارة إلى أنه بغروب دولة سلاطين المماليك كانت مواني مصر التجارية معطلة، وتعاني الخراب، ففي أثناء زيارة الغوري للإسكندرية في شهر ذي القعدة 920ه/يناير1515م لم يكن بالمدينة “أحد من أعيان التجار لا من المسلمين، ولا من الفرنج” والسبب الرسوم، والضرائب المجحفة، وغيرها من الممارسات، فامتنع التجار المسلمون، والأوروبيون عن دخول الثغر(12) لقد كانت آثار البرتغاليين في أكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح مدمرة للأقتصار المصري بشكل خاص، ولدولة سلاطين المماليك بشكل عام.

وتواكب تدهور التجارة الداخلية مع التجارة الخارجية مما ادى إلى مزيد من الضغط على موارد البلاد الداخلية حتى تخلخلت وضعفت موارد الدولة، وقلت الموارد بالخزينة مما سبب تمرد المماليك، أما ضعف الموارد فكان لانهيار الاقتصاد بالداخل والخارج لضعف التجارة؛ بسبب الاحتكارات، والمصادرات، وطرح البضائع، ومع انهيار نظام الإقطاع قلَّ إنتاج الأراضي الزراعية، مما أدى لقصور في الصناعة وبالتالي التجارة بالإضافة لتذبذب منسوب النيل الذي سبب المجاعات، والأوبئة لعدم الإهتمام بالجسور تطهيرها وغير ذلك دوراً في إنتشار آثارها؛ وكان له الأثر الواضح على الزراعة؛ وكل ذلك بسبب فشل السلطة الحاكمة في إدارة الأزمات؛ بالإضافة لأسباب آخرى ليصبح كل ذلك متشابكاً، ومعقداً ليؤدي في النهاية لسقوط الدولة.

الهوامش

  • المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك،(تحقيق محمد مصطفى زيادة،ج1،ج2، سعيد عبد الفتاح عاشور ج3،ج4، ط3، دار الكتب، القاهرة، 2009م)،ج4 ق2، ص680،681.
  • المقريزي، المصدر السابق،ج4ق2، ص647؛ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، (تحقيق محمد فهيم شلتوت، ط2، دار الكتب المصرية، القاهرة،2006م)،ج16، ص260؛ ابن الصيرفي، نزهة النفوس والأبدان في تواريخ الزمان،(تحقيق حسن حبشي، ط2، القاهرة،2010م)،ج3، ص185،235،341،346،379؛ السيوطي، كوكب الروضة في تاريخ النيل وجزيرة الروضة،(تحقيق محمد الششتاوي، دار ألافاق العربية، القاهرة،2002م)، ص226؛ ابن إياس، بدائع الزهور في وقائع الدهور،(تحقيق محمد مصطفى العجمي، ط2، دار الكتب، القاهرة، 2008م)،ج2، ص111.
  • ابن إياس، المصدر السابق،ج4، ص424؛ انظر عثمان محمد عطا، الأزمات الاقتصادية في مصر في العصر المملوكي وأثرها السياسي والاقتصادي والاجتماعي،(تاريخ المصريين،ع213، الهيئة العامة للكتاب،القاهرة،2002م)، ص142؛

Fabir, F. Voyage en egypte de felixFabri, Vol (2), (ed) masson.j, (Paris), 1975, P. 43 ؛

Harff, the pilgrimage of Arnold Von Harff, 1496–1499 (ledon), 1946, P. 93

  • عطية القوصي،(المتجر السلطاني في العصر المملوكي)، المجتمع المصري في العصرين المملوكي والعثماني،(ضمن كتاب المجتمع المصري في العصرين المملوكي والعثماني، تحرير عبادة كحيلة، ط1، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2007م)، ص204، بتصرف .
  • الأسدي، التيسير والاعتبار والتحرير والاختبار فيما يجب من حسن التدبير والتصرف والاختيار،(تحقيق عبد القادر أحمد طليمات، دار الفكر العربي، القاهرة،1967م)، ص84 .
  • A, le mer rouge l’ Abyssine et l’ Arabiedepuis l’ antiaqite (memoires de la societe Royale de Geographie j, Egyptye) tome2, Vol2, 1935 P.9
  • قاسم عبده قاسم، عصر سلاطين المماليك التاريخ الساسي والإجتماعي،(عين، القاهرة،2007م)، ص153 .
  • زين الدين الميلباري، تحفة المجاهدين في أحوال البرتغاليين،(تحقيق محمد سعيد الطريحي، ط1، مؤسسة الوفاء-دائرة المعارف الهندية،ع1، بيروت–لبنان، 1985م)، ص245-250، لمزيد من التفاصيل عن العديد من الاكتشافات حول أفريقيا التي قام بها البرتغاليون للوصول للهند ودور هنري الملاح، وابن ماجد، وفاسكودي جاما، انظرمقدمة المحقق، ص149-167 .
  • ابن إياس، المصدر السابق،ج4، ص109؛ Kammerer, OP. cit, Vol,2, P.97-98
  • الميلباري، المصدر السابق،ص250-253؛ ابن إياس، المصدر السابق،ج4، ص142؛ Kammerer, op. cit , Vol.2. P.117
  • الميلباري، المصدر السابق،ص262، 265 .
  • ابن إياس، المصدر السابق،ج4، ص359، 424 .