الانبعاث الحضاري يأتي نتيجة تجليات مادية ومعنوية؛ تبدأ بالثقة في الذات والشعور العميق بالإرادة في تقرير منهج الحياة، ثم استثمار هذين العنصرين في تحدي الظروف المعيقة والمقيدة، والتفاعل مع الظروف المشجعة بهدف الانفكاك من ربقة الركود والسبات ومن قيود التبعية إلى فضاء الحرية والاستقلال.
إن الأمة الإسلامية مثل سائر الأمم مرَّت في مسيرتها التاريخية بمحطات صعود وتجلٍّ، وهبوط وانطواء، ومما لا شك فيه أن هناك أسبابًاتقف خلف الحالتين، منها الالتزام بالقيم التي قامت عليها وعدمه، ومواجهة التحديات أو الاستسلام إليها، وغيرها.
إن الحضارات والأمم تسير بين قطبي الكُمُون والظهور، فتكمن وتختفي فترة من الزمن ثم تعود لتنبعث من جديد في فترة أخرى، ولكل انبعاث حضاري أصول وضوابط أذكر منها:يسبق عادة حالة الانبعاث أمران أساسيان:

انبعاث الأمم هو عمل تراكمي متصل الحلقات، يتولد منه انبعاث في لحظة تجتمع فيها عوامل النهوض بالظروف الزمانية والمكانية المناسبة لذلك.

الأول: العودة إلى القيم والأخلاق والسلوكيات الحميدة السائدة في مرحلة ما قبل مرحلة الركود، أي مرحلة النهوض السابقة؛ لأنها المسؤولة عن صياغة الإنسان والأمة صياغة تمكنهما من النهوض والبناء والتقدم.
فالإنسان هو ذاته لم يختلف قبل وبعد الرسالة الإسلامية إلا في صياغة إنسانيته وشخصيته، فتحول إلى المتمسك بالحق والعدل والخير، والعامل على نشره بين الناس، والمضحي بدمه وماله في هذا السبيل، والبار بوالديه وبأهله ومجتمعه وأمته التي ينتمي إليها، فيقدم مصلحتهم على مصلحته ويؤثر حاجاتهم على حاجاته فيرتب أولوياته في الحياة على ما هو المطلوب والأهم على مستوى المجتمع والأمة، متجاوزًا بذلك الثغرات التي تعوق انبعاثه الحضاري.
الثاني: الإبداع أو على الأقل محاولات الإبداع الجادة في الفكر والثقافة والأبعاد العلمية المختلفة بما يتناسب والقيم التي بُنيت الأمة على أساسها، والانعتاق من حالة التبعية، وذلك لأن لكل أمة وحضارة خصوصيات تتميز بها عن غيرها،قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)(النحل:36)،وهذه القواعد يمكن أن تطبق إلا بضوابط أذكر منها:
– المحافظة على قيم الأمة وأهدافها ورسالتها، والرباط المؤلف لعلاقاتها بعضها مع بعض ومع الآخرين أيضًا، وتستمر على ذلك إلى حين توافر أدوات وظروف مواتية للانبعاث وهذه محافظة تكليف.
– عمومية المسؤولية بحماية الشريعة لهذه الفئة المحافظة على قيم الأمة وحضارتها، وهذه قواعد شرعية عامة، فقد عَمَدَ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في تأسيسه لحضارة هذه الأمة على تركيز المسؤولية على الأمة بمجموع أفرادها ومؤسساتها، ولكن من دون إعفاء أحد عن المسؤولية، بل تتوزع المسؤولية على كل واحد منهم بغض النظر عن الموقع الذي يكون فيه حاكمًا أو محكومًا، عالمــًا أو عاملاً، كبيرًا أو صغيرًا، رجلاً أو امرأة، فالمسؤولية تجاه البناء أو الانحراف هي عامة تشمل الجميعقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:71) والولاية هنا نوع من أنواع الرعاية المتبادلة بين المؤمنين والمؤمنات، بحيث يكون لكل واحد منهم على الآخر رعاية فيما يرتبط بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه هي عين المسؤولية التي لا تقف عند أحد بل تشمل جميع المنتسبين لهذه الأمة.
وهذه الرعاية الممنوحة لأبناء الأمة تمثلها سلطة الدولة المتمثلة في أميرها. فالأمة بمجموعها وبأفرادها يجب عليهم النصح والتقويم، وقد بسط العلماء الحديث عن هذه القضايا في المظان الفقهية.
فإذا كان بنيان الأمة على هذا النحو فمن الطبيعي إذا دخلت في مرحلة ما يسمى بالسبات، وهي الفترة الواقعة بين مرحلة وأخرى، أن تجد فيها من يحتفظ بقيمها ويحافظ على مخزونها الحضاري، ويتأهب إلى الانبعاث من جديد.
– التخطيط للعمل بعد تقويم المرحلة وإعداد المستلزمات، واختيار الظرف المناسب.

إن الحضارات والأمم تسير بين قطبي الكُمُون والظهور، فتكمن وتختفي فترة من الزمن ثم تعود لتنبعث من جديد في فترة أخرى.

– الوعي بالسنن الكونية في انبعاث الحضارات في البدء ينبغي أن ننظر إلى أن ما يجري من حراك حضاري على أنه حلقة تتصل بسابقاتها وترتبط بما يليها، فانبعاث الأمم هو عمل تراكمي متصل الحلقات، يتولد منه انبعاث في لحظة تجتمع فيها عوامل النهوض بالظروف الزمانية والمكانية المناسبة لذلك.
– توخي الصلاح والإصلاح انطلاقًا من المسؤولية الملقاة على كل فرد من أبناء هذه الأمة علينا جميعاً أن نعمل وأن نخطط لما نعمل، ولكن ليسبالضرورة أن نحصد ما نعمل، فكما أن ما ننعم به اليوم من هامش بسيط في مجال الحريات مثلا إنما جاء نتيجة لتضحيات السابقين، كذلك علينا أن نقوم بواجبنا، فربما حصدناه أو حصده أبناؤنا والأجيال القادمة من أبناء هذه الأمة.
المهم هو تراكم المبادرات والاستمرار والاجتهاد في العمل الذي يؤدي إلى نهوض الأمة، وبنهوضها يكون نهوض أبنائها والمنتمين إليها، وحينها تكون النتيجة لصالح الأمة الصالحة، خصوصًا وأن الله سبحانه وتعالى قد خصَّ وراثة الأرض بعباده الصالحين.قال تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ*إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ) (الأنبياء: 106،105)
– الالتزام بخصوصية الفكر الإسلاميالوحي هو من أهم الخصوصيات التي تميز حضارة الإسلام عن غيرها، وهذا ما يجعلها خالدة بخلود المبادئ والقيم والتعاليم السماوية التي نزل بها الوحي على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
– العمل على إيجاد البدائل الفكرية والمنهجية المنسجمة مع العقيدة والواقع والذات، والمستلهمة من تاريخ وتراث وثقافة الأمة، للخروج من حالة التبعية والتخلف والوصول إلى الاستقلال والتحرر الشاملين.
والحاصل أن قواعد وضوابط الانبعاث الحضاري تنضبط في الشق المتعلق بهوية الحضارة، ولا تنضبط في الشق المتعلق بالوسائل لأنها تجمع بين فكر يتجدد، ووسائل تتاح وتمضي، وجهود تتراكم، ومناهج تبتكر، ووجهات نظر تختلف. فهي بين الثابت والمتغير.

Leave a Reply

Your email address will not be published.