المعطيات الحضارية متنوعة ومتعددة الثقافات، ويرجع ذلك إلى المعتقدات والأفكار والعادات والتقاليد التي تحكم كل مجتمع،  ولكن في ظل العولمة التعارفية ومن خلال التقدم التقني في عالم التكنولوجيا، وانتشار وسائل التواصل المتعددة عبر الانترنت أصبح هناك تداخل في الثقافات شاهدنا – وسنشاهد- آثارها على الأفكار والنمط الحياتي في كل التصرفات، وكانت هناك إيجابيات لهذا التواصل لكنها متعسرة بسبب سوء التعامل مع هذه المعطيات الحضارية، وهناك -أيضا- سلبيات ملموسة وواضحة، يظهر تأثيرها بشكل قوي على العقول التي تتسم بالإمعية والتقليد والانهزامية، وكل ذلك تسبب في حدوث إشكالية حضارية، حيث انبهرت طائفة من المثقفين  بالمعطيات الحضارية الغربية، ونادت هذه الطائفة بالانفتاح التام والأخذ الكامل لكل وارد من هذه الحضارات دون رؤية مسبقة ودراسة واعية تتناول الأبعاد المختلفة والنتائج المترتبة على هذا السلوك، وهذا بدوره يؤدي إلى منزلق خطير في سلم التغريب والحداثة الغير منضبطة؛ لأن هذا السلوك في التعامل مع الحضارات الغربية يركز على الشكل دون التركيز على الجوهر.

وعلى الصعيد الآخر نواجه مشكلة أكثر خطورة تسير في تعاملها مع المعطيات الحضارية في اتجاه معاكس، فقد أغلقت هذه الطائفة كل الأبواب وتقوقعت على نفسها وانغلقت فكريًّا وحضاريًّا، واعتبرت كل جديد وحديث يأتي إلينا من الغرب هدفه الاستعمار  والتبعية، وهذا النوع الانغلاقي يجد نفسه سائرًا في ركاب هذه المعطيات الحضارية ويستخدم أدواتها ووسائلها ويعيش في نمطها، فهي تحاصره من كل اتجاه، فهو رافضًا لها قولاً مطبقًا لها عملاً، وهذا النوع الذي يطالب بالانغلاق الحضاري يصاب باضطراب نفسي وفكري يحدث له ردة عنيفة تنعكس بشكل واضح  في مظاهر التشدد والعنف والتعصب والتخبط والانعزال عن قضايا عصره ومجتمعه.

إننا أمام إشكالية حضارية، إشكالية الانفتاح والانغلاق على الحضارات، وهذه الإشكالية تتطلب منا جميعًا أن نتعاون لوضع حل دامغ لفك هذا الاشتباك، وذلك بوضع آليات وضوابط وشروط في التعامل مع المعطيات الحضارية، ومن هذه الآليات والشروط:

– تجنب الانفتاح السلبي الذي يفقدنا التوازن العقدي والفكري والأخلاقي، فهناك أضلاع ثلاثة تكاملية هي أساس كل الحضارات لا بد من الحفاظ عليها، الإيمان، والأخلاق، والثوابت، وعند فقد ضلع من هذه الأضلاع الثلاثة نصبح بقيعة يحسبه الظمآن ماء؛ وذلك لأن كل ضلع من هذه الأضلاع الثلاثة يمثل الذاتية والهوية لأي فرد، وعند فقده نصبح مجرد حبر على ورق.

– تجنب التلاطم الحضاري الفوضوي: الفوضوية والعشوائية داء خطير إذا أصاب الأمم أدى إلى هلاكها؛ لأنه يؤدي إلى التخبط الذي يفقدنا ثرواتنا المادية والمعنوية ويؤخرنا حضاريا ،فعندما يغيب الهدف وتنعدم الرؤية والتخطيط  لا نصل أبدًا إلى نتائج سليمة، كما أننا لا نحقق النجاح، بل سنجني الفشل، وهذا يحدث تماما في عملية التلاقح والتواصل الحضاري الغير منضبط، فعندما يصبح التواصل الحضاري في اتجاهات معاكسة ومضادة لأهداف ومسيرة الحضارات النافعة فإن الانفتاح يكون ضارًا وهدامًا، وهذا يدفعنا إلى تصحيح المسار الحضاري أولاً قبل التعامل معه والاستفادة منه، أو البعد عن هذا التلاطم الفوضوي إذا كان تصحيحه مستحيلاً.

– التوازن في الانفتاح على الحضارات الأخرى: فمع إيماننا  بأن الحضارات تبادلية، والأخذ والعطاء سمة بارزة في الحضارات غير أننا نؤمن -أيضا- أن ليس كل أخذ فيه نفع، وليس كل عطاء فيه بناء، فيجب أن ننفتح على ما ينفعنا ويبني مجتمعاتنا ولا يحطم ثوابتنا، ونغلق كل باب فيه ضرر لنا ولمجتمعاتنا.

– ضرورة النضج العلمي والعقلي والإيماني: لا نستطيع أن ننفتح عل الحضارات إلا من باب العلم والوعي والعقل، فالعلم مفتاح المعرفة الحضارية، والعقل السليم مفتاح الضبط الحضاري، فلا نضج حضاري إلا بالعلم والعقل الممزوج بالإيمان؛ لأن العلم والعقل والإيمان يجعلنا نسير في طريق الحضارة المتوازنة التي تجمع بين المادية والروحية تشبع الروح والجسد، مما يجعلنا نحافظ على البناء الإيماني الأخلاقي السلوكي ،والجانب البدني الحسي، ونحافظ على أساسيات التفاعل الحضاري بين الأمم القائم على التعارف والتألف والتعايش والتسامح.

– الانفتاح المدروس وتزويد الأمة بالأفكار السليمة: إن التبادل الحضاري يجب أن يكون مدروسًا خاصة في ظل الانفتاح الذي اضطررنا إليه واقعيا، فالمشكلة ليست في أننا ننفتح على غيرنا أو لا ننفتح -لأن هذا أصبح أمرا لا مفر منه- ولكن المشكلة في كيفية التعامل مع هذا الانفتاح، وهذا يتطلب منا أن ندرس كل خطوة قبل الإقدام أو الإحجام؛ كي نزود الأمة بالأفكار السليمة  التي تحتاجها ، وحتى لا نذبح بسلاح  الانفتاح ونحن لا نشعر، فنستورد كل شيء ونكون كحاطب ليل ،يدخل يده في جحر الضباب والأفاعي وهو يظن أنه قد  جمع الحطب الذي يستدفئ به وهو في الحقيقة قد جمع الحطب الذي سيحرقه، جمع واستورد القيم والأخلاق والعادات  الفاسدة والسيئة، والانهزامية، والتبعية ودخل جحر الضب  الذي لا مخرج منه.

هذه من أهم الآليات والضوابط في التعامل مع المعطيات الحضارية، وهي تعد بداية خارطة طريق نسترشد بها، وكل واحد منا من الممكن أن يضع بصماته وأفكاره لتكتمل الخريطة ونستكشف الواقع الحضاري ومن ثمة نتعامل مع معطياته معاملة صحيحة.