لسنا -المسلمين- مطالبين فقط شرعًا برحمة الإنسان أيًّا كانت عقيدته، بل نحن مطالبون أيضًا باعتقاد مساواته لنا إنسانيًّا، وأحقيته شرعًا في المعاملة الكريمة اللائقة بالإنسان، على القدر الذي يستوي فيه المؤمن وغيره. فإن الإسلام هو رسالة الرحمة، والرحمة فيه للعالمين.
قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(الأنبياء:107).
والآية تدل صراحة على أن الرحمة ليست مقصورة على المسلمين، وإنما تشمل جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، فكيف تنال رحمة الإسلام ورحمة النبي صلى الله عليه وسلم من لم يؤمن بهما؟ هل يجبر على الدخول في الإسلام كي تتحقق له الرحمة وتناله، وفي هذا إكراه وإرغام، وهو معنى يتنافى مع الرحمة، ولا يكون أبدًا طريقًا موصلاً إليها.
والأمر عكس ذلك، فالرحمة في الإسلام هي الحرية والسعة في الاختيار، فرحمة الإسلام تنال الكافرين وهم على أديانهم؛ لأنه رسالة صلاح وجمال في الكون تشمل الإنسان والنبات والحيوان.. فالكافر ينعم في حياته وهو على دينه برحمة الإسلام، يعيش في أمن واطمئنان، يناله البر والخير من كل جانب، إِنْ مباشرة من طريق المسلم، وإن من طريق آخر كان الإسلام سببًا في وجوده.
وفي الآية، أنه يجب على المسلم أن يشيع الرحمة، ويجعلها رسالته في الدنيا، وألا يجعل أي فعل أو قول يصدر منه يكون فيه إيذاء أو ضرر أو فساد يضاد الرحمة، لأن ذلك ينسب إلى دينه وشريعته التي أمر الله بها، وفي الآية أن الإسلام مضمون رسالته الرحمة، وغاية رسالته الرحمة، وأن نبيها رحمة، وأتباعه لا بد أن يكونوا رحمة، وما كانت تلك الرسالة إلا لإيصال الرحمة من الخالق إلى الخلق.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم”، قلنا: يا رسول الله فكلنا رحيم، قال صلى الله عليه وسلم: “ليس الذي يرحم نفسه خاصة، ولكن الذي يرحم الناس عامة”(1).

إن الرحمة ليست مقصورة على المسلمين، وإنما تشمل جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، فكيف تنال رحمة الإسلام ورحمة النبي صلى الله عليه وسلم من لم يؤمن بهما؟

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة العامة التي تشمل جميع المخلوقات فقال: “الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمْكم من في السماء”(2).
قال الطيبي: لأن الرحمة في الخلق رقة القلب، والرقة في القلب علامة الإيمان، فمن لا رقة له لا إيمان له، ومن لا إيمان له شقي، فمن لا يرزق الرقة شقي.
“مَن في الأرض” بصيغة العموم يشمل جميع أصناف الخلائق، فيرحم البر والفاجر، والناطق والمبهم، والوحش والطير(3).
وقال ابن بطال المغربي (ت: 449هـ): فيه الحض على استعمال الرحمة للخلق كلهم، كافرهم ومؤمنهم، ولجميع البهائم -المملوك منها وغير المملوك- والرفق بها. وأن ذلك مما يغفر الله به الذنوب ويكفر به الخطايا، فينبغي لكل مؤمن عاقل أن يرغب في الأخذ بحظه من الرحمة، ويستعملها في أبناء جنسه وفي كل حيوان، فلم يخلقه الله عبثًا. ويدخل في الرحمة التعاهد بالإطعام والسقي والتخفيف في الحمل وترك التعدي بالضرب(4).
وقال العارف البوني: فإن كان لك شوق إلى رحمة من الله فكن رحيمًا لنفسك ولغيرك، ولا تستبد بخيرك، فارحم الجاهل بعلمك، والذليل بجاهك، والفقير بمالك، والكبير والصغير بشفقتك ورأفتك، والعصاة بدعوتك، والبهائم بعطفك ورفع غضبك، فأقرب الناس من رحمة الله أرحمهم لخلقه، فكل ما يفعله من خير دق أو جل فهو صادر عن صفة الرحمة(5).
وقال : “ارْحموا تُرْحموا، واغفروا يُغفر لكم؛ ويلٌ لأقماع القول، ويلٌ للمصرّين الذين يصرّون على ما فعلوا وهم يعلمون”(6).
“ارْحموا تُرْحموا” لأن الرحمة من صفات الحق التي شمل بها عباده، فلذا كانت أعلامًا اتصف بها البشر، فندب إليها الشارع في كل شيء حتى في قتال الكفار والذبح وإقامة الحجج وغير ذلك. “واغفروا يُغْفرْ لكم” لأنه صلى الله عليه وسلم يحب أسماءه وصفاته التي منها الرحمة والعفو، ويحب من خلقه من تخلّق بها. “ويلٌ لأقماع القول”؛ أيْ شِدَّة هَلَكَةِ من لا يعي أوامر الشرع ولم يتأدب بآدابه، والأقماعُ جمع قِمَعٍ، وهو الإناء الذي يجعل في رأس الظرف ليملأ بالمائع، شَبَّهَ استماعَ الذين يستمعون القول ولا يَعُونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تَعِي شيئًا مما يُفْرَغ فيها(7).
والمسلم في حالة الحرب والقتال لا يخلو فعله من الرحمة والإنسانية، فقد أهدى النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم أبا سفيان تمر عجوة، وبعث إليه بخمسمائة دينار ليوزعها على أهل مكة حين تولاهم القحط، كما أنه أمر ثمامة بن أثال أن يسمح بالميرة لقريش، فبعد أن منعها عنهم ثمامة بعد إسلامه كتبوا إلى رسول الله  إنك تأمر بصلة الرحم وإنك قد قطعتَ أرحامَنا، وقد قتلتَ الآباء بالسيف والأبناء بالجوع. فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه أن يخلّيَ بينهم وبين الحمْل(8).
مما يبيّن رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعدائه من المشركين المحاربين.
وقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “إن آلَ أبي ليسوا بأوليائي، إنما وليّيَ اللهُ وصالحُ المؤمنين، ولكنْ لهم رَحِمٌ أَبُلُّها بِبَلالِها”. يعني أَصِلُهَا بِصِلَتِها(9).
وقَالَ رَسُولُ اللهِ عليه الصلاة والسلام: “ما من مسلم يَغْرِس غرْسًا إلا كان ما أُكِلَ منه له صدقةٌ، وما سُرِق منه له صدقةٌ، وما أَكَلَ السَّبُعُ منه فهو له صدقةٌ، وما أَكَلَتِ الطيرُ فهو له صدقة، ولا يرْزَؤُهُ أحدٌ إلا كان له صدقة”(10).
وفيه الأمر بعمل الخير، وأن حصول الثواب مترتب عليه، وإن كان المستفيد بهذا الخير غير مسلم أو غير إنسان أصلاً.

(*) عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف / مصر.
الهوامش
(1) البيهقي، شعب الإيمان، 13/408، تحقيق: مختار أحمد الندوي، مكتبة الرشد، ط1/2003م.
(2) سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، باب رحمة المسلمين. سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في الرحمة.
(3) المباركفوري: تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، 6/51، (تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الفكر).
(4) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، 9/219، (تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد).
(5) المناوي: فيض القدير شرح الجامع الصغير، 4/56.
(6) مسند الإمام أحمد، (مسند عبد الله بن عمرو)؛ السيوطي: الجامع الصغير؛ الألباني في صحيح الجامع، رقم: 897؛ السلسلة الصحيحة، رقم: 897.
(7) المناوي: فيض القدير شرح الجامع الصغير، 1/607.
(8) ابن هشام: السيرة النبوية، 2/638.
(9) صحيح البخاري، كتاب الأدب – باب يَبُلُّ الرَّحِمَ بِبَلَالِهَا.
(10) صحيح البخاري، كتاب الأدب – باب رَحْمَةِ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ.