الأشجار ليست مجرد نباتات حية تعيش على كوكبنا، بل هي مصدر مهم من مصادر الحياة على وجه الأرض، فإضافة إلى أنها تمدنا بالغذاء، تقوم أيضًا بعملية التمثيل الضوئي السبب الرئيس في ضخ الأوكسجين على كوكبنا، كما أنها تنقي الهواء وتمنحنا مظهرًا جماليًّا رائعًا، والأمر الأكثر أهمية أن الأشجار صحبت الإنسان منذ وجوده على ظهر الأرض، حتى قيل عنها أنها أعرق رفيق للإنسان، أستظل بظلها صنع من أخشابها المنازل والأثاث، ومع تقدم العلم أهمل الإنسان دور هذا الرفيق، ومع هذا الإهمال تُنسى بعض عجائبها وأسرارها، فهي عالم ملئي بالعديد من العجائب والأسرار التي لم يكشف عنها العلم إلا مؤخرًا، هذا ما سوف نتناوله عبر هذه السطور.

أشجار حمراء

كلنا يعرف أن الأشجار مشهورة بلونها الأخضر، هذا اللون الذي يبهج النفس ويجعل العيون والقلوب تنشرح لهذا الجمال الرباني، ولكن هناك أنواع أخرى منها تشذ عن ذلك، أطلق عليها العلماء الأشجار الحمراء، حيث تتمتع هذه النوعية منها بلحاء ناعم، بحيث إذا لكمه أحد لا يؤذي يده، وهي تنمو من بذرة لا يتعدى وزنها 250/ 1 من الغرام، ورغم ذلك يصل ارتفاعها من 100 إلى 300 قدم فوق سطح البحر، وأن البعض منها يجاوز طوله امتداد ملعب لكرة القدم أو ارتفاع بناية من ثلاثين طابقًا، أما عن سبب تسميتها بالشجرة الحمراء، فذلك يرجع إلى جذعها الشديد الحمرة، حيث يطلق عليها أيضًا أشجار الخشب الأحمر أو الأشجار الحمراء، وهي تنمو في شمال كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، ويصل متوسط عمرها ما بين 500 إلى 700 عام، كما أنها تنمو في ظروف سيئة جدًا من قلة التهوية والضوء، من حيث كونها لها قدرة عجيبة على مقاومة التغيرات الحادة للطقس، ومن عجائب هذه الشجرة أيضًا طريقة تكاثرها، فبعد عشرين عامًا من النمو الجيد والضوء الكافي، تنتج الشجرة الواحدة مخروطات مذكرة ومؤنثة في شكل عنقودي، تصل عند تمام نضجها في أوائل الخريف إلى حجم قطف العنب، حيث تهوي البذرة صغيرة في حجم بذرة الطماطم باتجاه القاع، وتنتج الشجرة الواحدة ألاف المخروطات تحوي الواحدة منها 60 بذرة، والأمر الذي يبعث على الدهشة في ذلك أن نبتة واحدة فقط تستمر من كل مليون بذرة، وهذه النسبة بالرغم من تدنيها الشديد كافية لحفظ النوع.

أشجار طويلة الأعمار

ومن عجائب الأشجار أن هناك أنواع منها تجاوز عمرها جميع الأرقام القياسية، التي سجلتها مختلف الكائنات الحية التي عاشت على وجه الأرض، ومن أشهر ذلك شجرة “السيكا” التي تنمو في أستراليا والتي تعد من المتحجرات الحية، وصاحبة الرقم القياسي في العمر الطويل، حيث توصلت الأبحاث العلمية إلى أن عمرها يتراوح ما بين 12 :15 ألف سنة، ومن عجائب هذه الشجرة أنها تنمو ببطء قياسي بالغ، بحيث لا تكاد تحقق نموًا بطول متر واحد خلال قرن كامل من الزمان، ومن أشجار الأعمار الطويلة التي رصدها العلماء، شجرة يبلغ عمرها 4900 عام، وقدر بأنها قد بلغت أول ألف عام في العهد الذي عاصر حياة نبي الله إبراهيم عليه السلام، ثم ما لبثت أن دخلت مرحلة الشيخوخة في زمن المسيح عليه السلام، إلا أن الأبحاث العلمية قد أظهرت لهذه الشجرة، شجرة يابانية منافسة هي شجرة أرز تم تقدير عمرها بحوالي 5200 سنة بالاعتماد على معطيات القياس بعنصر الكربون.

أشجار مراهقة

وبالرغم من هذه الأعمار الطويلة لبعض الأشجار، فهناك أنواع منها تخطى عمرها أكثر من ألف عام، من أشهرها أشجار صنوبر كاليفورنيا، التي من خصائصها أنها تنمو على علو مرتفع يتراوح بين 3000: 3600 متر في جبال “هوايت ما ونتنز” وتتميز أضخم هذه الأشجار ويطلق عليها لقب “البطريرك” بقطر يبلغ 12 متراً عند القاعدة، ومع ذلك فأنها تعتبر حسب أراء العلماء والباحثين أنها في مرحلة المراهقة لأن عمرها لا يتجاوز 1500 عام.

أشجار بطيئة النمو وأخرى عظيمة الحجم

ثمة ظاهرة متناقضة ومعروفة في عالم الأشجار، أن أشجار مناطق البيئات القاحلة، تضرب الرقم القياسي في بطْء النمو، فعلى سبيل المثال نجد أشجار الكاكتوس “الشوكيات التشيلية” المعروفة باسم “كوبيابوا” تؤلف دغله كثيفة ضخمة عندما تبلغ 500 سنة من العمر، ومع ذلك فإن قطرها لا يزيد على 60 سم، وثمة أشجار تنمو في أميركا اللاتينية تدعى أشجار “أناكانتيردبوس” لا تنمو أكثر من 10 سم في القرن الواحد، وعلى الرغم من هذا النمو البطيء لهذه النوعية من الأشجار، إلا أننا نجد أن هناك أشجار تضرب الرقم القياسي في الطول والحجم، ومن أشهر هذه الأشجار شجرة “الزنرلخت” الاسترالية التي يزيد ارتفاعها الوسطي على 100 متر، ويزيد محيطها عند قاعدة الساق على 20 متراً، أما الرقم القياسي في طول محيط القاعدة، تضربه شجرة من الفصيلة الصنوبرية يمكن مشاهدتها في مدينة “سانتا ماريا دي توليه” في المكسيك إذ يبلغ طول محيطها 50 متراً عند القاعدة و34 متراً على ارتفاع متر ونصف من القاعدة، وهي ولا شك أضخم شجرة في العالم، وتلي هذه الشجرة في ضخامة الجذع والقاعدة شجرة من نوع “سكوايا” في حديقة سكوايا العامة في كاليفورنيا وتلقب هذه الشجرة باسم “الجنرال شيرمان” إذ يبلغ طول محيطها  23,30 متراً على ارتفاع متر ونصف من القاعدة، وتقول الدراسات العلمية أن هذه الشجرة تستطيع أن تنتج 5 مليارات عود ثقاب، وتتميز بلحاء بني قاتم كثيف ولين، وهي تعد أول شجرة منذ نشوء الحياة على وجه الأرض لا تؤلم من يضربها بقبضته، ويقدر وزنها حالياً بأكثر من 2000 طن، والغريب أن البذرة التي تنبت منها هذه الفصيلة العملاقة من هذه الأشجار، لا يزيد متوسط وزنها على 4,7 ملغ، وبالتالي فإن البذرة الواحدة يتضاعف وزنها 250 مليار مرة من أجل أن تقدم لنا شجرة راشدة.

أشجار تشعر بالحياء

من الظواهر المدهشة التي اكتشفها العلماء حول عالم الأشجار، أنها لديها حياء وترعي حقوق الجيرة، إذ لا تمد أغصانها في وجه أصدقائها فيما يعرف بظاهرة “تاج الحياه” وهي ظاهرة تندر حدوثها، وفيها تتجنب أنواع معينة من الأشجار المرتفعة أن تتلامس، وتلتزم بحد معين من النمو، وقد لاحظ العلماء هذه الظاهرة للمرة الأولى سنة 1920م، دون أن يؤكدوا سببًا واضحًا ومباشرًا لها، وبمرور الوقت وفهم طبيعة النباتات مع اجتهاد واضح من العلماء، ظهر أكثر من تفسير علمي لهذه الظاهرة، فهناك من رأى أنه كما أن البشر يعترفون أن هناك اختلافاً في الطبقات بينهم فإن الأشجار هي الأخرى تتعامل فيما بينها على نحو تميزي، ولكن ليس بنظام الطبقات وإنما وفقاً لدرجة الصلة أو ربما العاطفة التي تحدد مدى تعاون الأشجار معًا، فالشجرة المتوسطة تلامس أغصانها أطراف أغصان الشجرة المجاورة التي تساويها في الطول ولا تتمدد أكثر من ذلك فهي تكتفي بتعزيز أغصانها القائمة وكأنها تزاحم الشجرة الأخرى، أما في حالة كونهما صديقتين فستحرص كل منهما إلا تمد أغصانها في مواجهة الأخرى، لأن كل منهما تحرص على عدم حرمان الأخرى من أي شيء، وهناك من أرجع هذه الظاهرة إلى تبادل الأشجار لإشارات كيميائية أو مركبات عضوية متطايرة تسمى (Vocs) أي أن هناك تواصلاً اجتماعياً بين الأشجار، يظهر بوضوح عند هبوب رياح قوية حيث تصطدم الأشجار ببعضها، ولذلك يفترض بعض العلماء أن المسافات بين الأشجار تمنع حدوث أي ضرر عند هبوب الرياح القوية، ولذلك تتوقف التيجان عن النمو في محاولة من الأشجار لحماية فروع بعضها لبعض من التصدع والكسر، وعندما قام باحثون بمنع الأشجار من الاصطدام ببعضها أثناء هبوب الرياح لا حظو نمو التيجان وتلامسها، وهناك من قدم فرضية أخرى، تسمى فرضية التنافس، وأشار إلى ان ذلك يحدث بحيث تتمكن الأشجار من أن تحسن فرصة تعرضها للضوء من أجل تحسين عملية التمثيل الضوئي، كما يرى البعض أن الأشجار لا تقترب من بعضها منعاً لانتشار الحشرات أكلة الأوراق واليرقات.

أشجار تبيض

ونختم هذه الجولة في عالم الأشجار، مع شجرة “جينكوبيلويا” اليابانية التي موضع عناية ودراسة عميقة من قبل علماء النبات في مختلف دول العالم، حيث تميزت هذه الشجرة بكونها الوحيدة التي صمدت لجحيم القنبلة الذرية التي ألقيت على مدينة هيروشيما، فهي أقدم أشجار هيروشيما عمراً، ويبدو أنها تتحدى حركة مرور الزمن في معركة البقاء للأقوى حيث صمد هذا النوع من الأشجار زهاء ثلاثة ملايين سنة منذ نشأته وبقي حياً حتى الآن، كما احتل هذا النوع من الأشجار اهتماماً خاصاً لدى داروين الذي قال عنها ” إنها تشبه متحجرة حية ” وانها عايشت عصور الديناصورات واجتازت بنجاح الأزمات الجيولوجية العظمى وشهدت بلا شك مولد الجنس البشري، كما يتميز هذا النوع أيضاً بأنه يقاوم بنجاح التلوث الصناعي والتلوث الناجم عن التكاثف السكاني، وبالتالي فهي أفضل شجرة لتزيين الشوارع في المدن التي تعاني من أزمة تلوث الجو والهواء حيث أنها تتكيف بسرعة مع مختلف أنواع المناخ، أضف إلى ذلك أنها تتمتع بحصانة مدهشة ضد الطفليات المألوفة فنادراً ما تقطنها الحشرات والفطريات، والأمر المدهش والعجيب حقاً في هذا النوع من الأشجار أنها تخلوا من البراعم والبذور، وإن كانت تنتج شيئاً ما بين البرعم والبذرة، يطلق عليه علماء النبات “بويضة” الأمر الذي دفعهم إلى القول إن الجينكو هي فعلاً شجرة تبيض، فسبحان الخالق العظيم.

المصادر:

  • الإنسان والبيئة صراع وتوافق، كتاب العربي، العدد 26، يناير عام 1990م
  • الأشجار رفيق الجنس البشري، بدور عبد الكريم، مجلة العربي العدد رقم 336
  • الأشجار الديناصورات الخضراء، مجلة الفيصل، العدد 172
  • موقع هافينغتون بوست، مصدر إلكتروني