لا شك أن الزهرة كي تنمو وتزدهر براعمها، علينا أن نلقي بذورها في وقتها المناسب لها، كما علينا أيضًا أن نغرسها بطريقة صحيحة، وبالتالي نقطف زهرة تشع جمالاً وجلالاً، ذات رائحة طيبة زكية. وعلى نقيض ذلك، إن ألقيتَ البذور بطريقة عشوائية وأهملت في رعايتها ومراقبتها؛ لا ريب أن هذه الزهرة ستذبل لا محال قبل أوانها. وهكذا هو الحال بالنسبة لغرس القيم داخل نفوس الآخرين. إذن ما هي القيم وأين تتجلى أهميتها؟ وما هي ضوابط غرسها بالشكل الصحيح؟
تعريف القيم وأهميتها
تعتبر كلمة “القيم” من المصطلحات الشائعة في الاستخدام، كما أنها كثيرة الجريان على ألسنة التربويين والمصلحين، وهذا يوحي لأهمية ما ينطوي تحت لواء هاته الكلمة من معان سامية ومضامين راقية. ومعنى “القيم” في اللغة القيمة: والقيمة جمع قِيم بكسر القاف، وهي الاستقامة والاعتدال.
أمّا اصطلاحًا، فقد تعددت التعريفات جراء الاهتمام البالغ الذي حظيت به هذه الكلمة من لدن المتخصصين، وتنوعت بتنوع الفلسفات والمنطلقات التي يبنى عليها المفهوم. وما يهمنا هنا، هو التعريف المرتبط بالشأن التربوي والديني. فقد ذكر الدكتور “جابر قميحة” كتابه “المدخل إلى القيم الإسلامية”: “إن القيم هي مجموعة من الأخلاق التي تصنع نسيج الشخصية الإسلامية، وتجعلها متكاملة وقادرة على التفاعل الحي مع المجتمع وعلى التوافق مع أعضائه، والعمل من أجل النفس والأسرة والعقيدة”.
وبتعريف أيسر يفهمه العموم نقول: إن القيم هي مجموعة من الأخلاق الفاضلة التي اعتمدت على التربية الإسلامية في توجيه السلوك البشري، للقيام بكل عمل أو قول يدلّ على الخير. بحيث تتضمن هذه القيم أهمية كبرى في حياة الفرد والمجتمع.
القيم في حياة الفرد
القيم تسهم في إنتاج أفراد يتسمون بالسلوكيات والصفات الجيّدة مثل المثابرة على العمل والتميز، والنجاح بعيداً عن الصفات السلبية وغير الجيدة.
القيم تهيئ للأفراد اختيارات معينة تحدد السلوك الصادر عنهم، وبمعنى آخر شكل الاستجابات، وبالتالي تلعب القيم دورًا هامًا في تكوين الشخصية الفردية ورسم أهم معالمها وفق معيار صحيح.
القيم تثير في نفوس الآخرين الإعجاب والمحبة التي تتـهيج معها دوافع الاتباع والتنافس المحمود فيتولد لديهم حوافز قوية لأن يتمثلوا أخلاقها السامية وقيمها الراقية. القيم تعطي للفرد إمكانية أداء ما هو مطلوب منه، وتمنحه القدرة على التكيف والتوافق الإيجابيين، وتحقق الرضا عن النفس للتجاوب مع الجماعة في مبادئها وعقائدها.
القيم في حياة المجتمع
كما أن للقيم دورًا هامًّا في حياة الأفراد، فلها أيضًا دور أهم في حياة الأمم والشعوب. ولا ريب أن المجتمع الإنساني، مجتمع تحكمه معايير في تعاملـــــه وعلاقاته مع الآخرين، بحيث تشكل هذه المعايير مجموعة من القيم الناظمة للأقوال والأفعال والمواقف والقرارات، والتي تظهر أهميتها من خلال:
• أن القيم تساعد المجتمع على مواجهة التغيرات التي تحدث فيه بتحديد الاختيارات الصحيحة والسليمة التي تسهل على الناس حياتهم.
• القيم تحفظ للمجتمع بقاءه واستمراريته وتماسكه فتحدد له الأهداف ومثله الأعلى ومبادءه الثابتة والمستمرة.
• القيم تربط أجزاء الثقافة المتناثرة ببعضها البعض حتى تبدوا متناسقة، كما تحفظ للمجتمع هويته وتميزه.
• القيم تسهم في بناء مجتمع متماسك وقوي يستطيع مواجهة التهديدات الخارجية.
• القيم تعمل على إعطاء النظم الاجتماعية أساسًا إيمانيًّا وعقليًّا يصعب زعزعته أو اقتلاعه.
• القيم تقي المجتمع من الأنانيات المفرطة والنزاعات والأهواء والشهوات الطائشة التي تضرب في عمق وحدته.
ضوابط غرس القيم
إن عملية غرس القيم تحتاج إلى تربة خصبة تنمو بها بذرة القيم الصالحة التي يتعهدها المربي لمتابعة نمو وبناء القيمة بوسائل شتى وعناية فائقة. ولكي ننجح في غرس القيم، لا بد أن نضع أمام أعيننا أولويات وضوابط يجب استحضارها وتمثلها ونحن نغرس القيم في النفوس:
1- وعي المربي:
وهنا لا بد من توافر أمرين، أولهما امتثال المربي للقيمة المراد غرسها حتى يكون قدوة حسنة للمُرَبَّى، لأن القدوة توفر الكثير من الوقت على المربين أثناء غرس القيم، وخصوصًا لدى الآباء في تربية الأبناء ومحاولة غرس السلوكيات الجيدة فيهم، فعندما يختار الطفل القدوة الجيدة فإنه يقلدها في كل شيء.
والأمر الثاني هو أن يعي جوانب القيمة، ويمتلك المهارة الكافية لغرس القيم بالوسائل المبتكرة، وهذا لا يتأتى إلا بالعلم والتعلم والقراءة بالتحديد؛ فهي تزيد من وعي المربي، وتكسبه خبرات الآخرين وتجاربهم. وبما أننا مسؤولون عمن ولينا أمرهم من أبنائنا أو تلامذتنا وجميع فلذات أكبادنا، كان لزامًا علينا أن نعي ونمتلك مهارة غرس القيم فيهم ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وتحضيرهم للحياة.. لذلك يجب علينا أن نزيد من وعينا القيمي والتربوي كدعاة ومربين وأساتذة وآباء وأمهات.. فالشأن التربوي والقيمي علم يتعلم ومهارة تكتسب بطرق شتى، فليس هناك غرس قيم بالفطرة في خضم هذه التحولات والمستجدات والتهديدات التي ترغب زعزعت ثوابتنا.
2- مناسبة القيمة للمرحلة العمرية:
فالإنسان بتطوره ونموه تختلف أولوياته كما يختلف البناء الجسماني له، وكلما كانت القيم المستهدف غرسها مناسبة لعمره وأولوياته كان ذلك أنجح في البناء وأيسر في الغرس. وبالتالي يجب على المربي أن يميز بين كل مرحلة عمرية وأخرى من حيث أولوية غرس القيم؛ حيث كل مرحلة عمرية لها منظومة قيم تتناسب معها، فالمرحلة ما قبلة ولوج المدرسة تعدّ في غرس القيم اللبنة الأولى والبناء الأساسي، التي تحدد فيه معالم الشخصية. والشخصية التي تُبنى على القيم والمعايير الجيدة، تكون في المراحل التالية سوية سهلة التعامل والتوجيه والتقويم والإرشاد. ويُفضل في هذه المرحلة غرس القيم الأساسية والمهمة التي يتوقف عليها بناء القيم الأخرى، حيث تعد هذه المرحلة مرحلة مركزية وجوهرية، ومن أهم القيم التي تحتاجها هاته المرحلة الصدق، والأمانة، والنظام، وغيرها من القيم.
ثم تأتي المرحلة الابتدائية التي تحتاج أيضًا قيم تتناسب معها، وهي القيم التي توثق علاقاتهم بالمجتمع الخارجي، وتوفر لهم الوسائل الجيدة والمهارات التي بها يتعاملون مع الإنسان والحيوان وكل ما في المجتمع، تعاملاً جيدًا. ومن أهم هاته القيم على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، بر الوالدين، وصلة الرحم، والصداقة والتفوق والتميز.
إن عملية اكتساب القيم والتعامل معها في مراحلها العمرية المحدد لها، جدير بأن يعطي ثمارًا متميزة، ولكن تجدر الإشارة، أن عملية الغرس تكاد تنتهي في المراحل العمرية الأولى من التربية، أما الطبيعة الإنسانية فتظل تتعلم وتكتسب حتى إلى آخر اللحظات. دليله من الواقع حين ترتبط ترتبط عملية العودة إلى القيم والتحلي بها إلى موقف أو حادث بسبب توبة شخص أو هدايته، فتتحول كل سلوكياته السيئة إلى أخلاق وقيم. وبالتالي فالقيم يمكن اكتسابها في أي مرحلة عمرية، أما الغرس السهل الذي يكون له الأثر الجيد على حياة الشخص فيما بعد، فيكون في مراحل العمرية الأولى حيث من شب على شيء شاب عليه.
3- تعدد الوسائل:
ولما بينا آنفا أن عملية غرس القيم تحتاج إلى وعي المربي بالدرجة الأولى ثم مناسبة القيمة للمرحلة العمرية، كذلك يحتاج غرس القيم إلى تعدد الوسائل أثناء التربية والغرس، فيحتاج المربي أيضًا إلى وسائل متنوعة ليخاطب ثلاثية الوعي البشري من المعارف والوجدان والسلوك، لا أن يخاطب المُرَبَّى بوسائل تنمي لديه الجانب المعرفي -مثلاً- فيتضخم ذلك الجانب عن أخويه، وبالتالي لا ينتج قناعة وجدانية أو سلوكًا عمليًّا للقيمة فتشوه أبعادها، ونجد أن الله  قد ربط بين القيم والعبادات، ونوّع في العبادات لتتنوع وسائل تلقي القيم وغرسها.
فمثلاً، الصلاة تنهي عن الفحشاء، فإذا نجح المربي في غرس المعرفة العقلية وهذا الربط التعبدي القيمي، ثم تولد لدى المُرَبَّى الاستشعار بالصلة بين العبد وربه، وأن اللسان الذي يخاطب رب العزة في الصلاة، لا بد وأن يتنزه عن الفحش في القول والسلوك، فينتج عن ذلك دافعًا قويًّا للتمسك بالقيمة، وكذلك الحال في التقوى في الصوم، والتكافل في الزكاة، وغيرها من العبادات التي راع فيها الشارع الحكيم، الأبعاد الثلاثة للجنس البشري.
4- البيئة:
إن الوسط المحيطي الذي يعيش فيه المُرَبَّى، هو الأهم في هاته العملية، إذ البيئة هي بمثابة التربة التي تغرس فيها بذرة القيم، بحيث نرى -والواقع أعظم الشهود- أن للبيئة تأثيرًا كبيرًا في بلورة سلوكه وبناء الشخصية، لأن المُرَبَّى سرعان ما يتطبّع بطابع تلك الأوساط التي يتردد إليها بين الفينة والأخرى، ويكتسب صفاته ومقوّماته من عقائد وسلوكيات وأعراف وثقافات وما إلى ذلك. فكلما كانت البيئة صالحة كان ذلك أفضل للنمو السليم وبناء القيمة بشكل أيسر. ويمكن حصر أهم البيئات التي تسهم في غرس القيم بشكل فعّال فيما يلي:
أ- الأسرة: حيث إن الأسرة، هي المحضن الأساسي الذي يتلقى فيها المُرَبَّى أهم الفضائل والقيم والآداب في جو من التربية الإسلامية من الأب والأم والإخوة.
بـ- المسجد: إن مكانة المسجد في المجتمع الإسلامي أوضح بكثير من أن يشار إليها بحديث مثل ما نعرض له، وما سأتطرق له هو من باب معرفة ولو جزء بسيط جدًّا من أثره في غرس القيم الفاضلة، والحماية من الشهوات والإغراءات الزائفة.
وما أقصد بالمسجد هنا في هذا المقال، هو المكان المخصص للأذان وإقامة الصلوات الخمس، وإلقاء الدروس والمحاضرات والندوات والحلقات العلمية والمعرفة، وما جرى مجراها ودار في فلكها. وقد وضع المسجد باعتباره اللبنة الأولى، ونواة المجتمع الإسلامي وأهم ركائزه الثابتة على مر العصور، بحث لا يقتصر دوره على أداء الشعائر التعبدية المحضة فقط، كالصلاة والذكر والدعاء، بل يمكنه أيضًا غرس القيم في نفوس الناشئة.
جـ- المدرسة: تعتبر المدرسة مؤسسة اجتماعية أنشأها المجتمع قصد تعليم أبنائه وتربيتهم، وتزويدهم بالثقافات والتراث العلمي المعرفي. والتربية في المدرسة ليست من أجل منطلق ومنطق حر لا ضابط له، ولكن من أجل دعم نظرية الحياة للأمة، ذلك أن الأمة صاحبة الرسالة الإسلامية التي يجب أن تقوم على الصغار بالتربية والتعليم، ليكونوا ورثة صالحين ومصلحين، لهدف حياتها ولنظام مجتمعها.
وقد تطورت المدرسة الحديثة تطورًا ملحوظًا ساعدها على تأدية المهام المنوطة بها بكفاءة عالية، فهي كأداة مهمة من أدوات التربية وإحدى وسائطها، ذات وظائف محددة.
وقد لخصها عبد الرحمن النحلاوي فقال: وظائف المدرسة اليوم في توسيع آفاق الناشئ وزيادة خبراته، بنقل التراث الثقافي، والتوجيه المتعلمين، وتنسيق الجهود التربوية المختلفة، وتكملة مهمة المنزل التربوية.
ويمكن للمدرسة أن تؤدي دورها التربوي التعليمي في غرس القيم، من خلال الوظائف التي تقوم بها الجهات المسؤولة وذات الصلة المباشرة بالمتعلم (المُرَبَّى)، وهي مديرية المناهج، والإدارة التربوية، والعنصر الفعال والقلب النابض للعملية التعليمية التعلمية، ألا وهو الأستاذ.
إن معرفة أهمية القيم، ومراعاة ضوابط غرسها والتي تتمثل في وعي المربي، ومراعاة المرحلة العمرية، وتنويع الوسائل والطرق، ومراعاة البيئة، مع إعطاء كل ضابط حقه ومستحقه.. سيجعلنا أمام نظام تربوي قيمي متكامل المبنى، كفيل بضمان الطريق السليم إلى مستقبل زاهر وزاخر يحفظ عقول الناشئة وقيمهم ودينهم، فتهذب الأفراد وترقى بهم، كما تجعل المجتمع وحدة مترابطة عقائديًّا ووجدانيًّا واجتماعيًّا.