عزيزي عبد الله… أسند ظهرك للخلف ودعني أمط جسمي قليلاً لأتسع وأملأ جوفي بالهواء. فكلما امتلأتُ بالهواء فإن دماغك سيعمل أحسن، ومن ثم ستعي كلامي بشكل أفضل. وإن سألتني عن العلاقة بينهما أقول، بأن كل عضو في جسمك له علاقة بكل شيء، بل بكل الكائنات. فلكي يعمل دماغك ستحتاج إلى السكر، ولكي تؤمّن الطاقة للخلايا العصبية تحتاج إلى حرق السكر، ولحرق السكر تحتاج إلى أوكسجين، والعضو الذي يؤمّن دخول الأوكسجين هو أنا (الرئة) وسأتحدث لك عن نفسي في هذا العدد.
في الحقيقة إن الحديث عن النفس أمر ليس محموداً، ولكن ما أفعله لا يعد حديثاً عن النفس. فكل ما أبغيه هو الحديث عنه سبحانه وتعالى وبيان جمال قدرته في إبداعي على أكمل وجه. لذا لا يوجد في جنباتي أي موضع للتكبر أو الاغترار، فكل شيء له سبحانه وتعالى؛ كل ما أملكه وكل ما أقوم به وكل ما عليّ من التفاصيل والدقائق والصنعة البديعة التي لا تحيطونها علماً، كلها له جلّت قدرته. ولكي تواصل حياتك فإن الله عز وجل قد وظفني في أعمال ووضعني في بدنك العجيب.
لقد أودعني الله في قفص صدرك الذي أحيط بأضلاعك وعضلات صدرك على شكل كيسين هوائيين أيمن وأيسر، أو بعبارة أدق، على شكل منفاخ. كما أني أرتبط من الأعلى بالقصبة الهوائية والبلعوم، وأنفصل عن الأعضاء الداخلية للبطن الموضوعة في الأسفل بالحجاب الحاجز العضلي.

التنفّس الأول للرئة

إن أول نفس استنشقتُه كان مع اللحظات الأولى لميلادك. ومنذ تلك اللحظة ما زلتُ أتنفّس دون توقف، حتى أثناء نومك فإني أزودك بالأكسجين الذي تحتاج إليه، وذلك بتلقي الأوامر آلياً من “البصلة السيسائية” أي، المركز المحرك الوعائي والمركز التنفسي.
إن قريني في العمل هو القلب الذي بدأ نشاطه قبلي بكثير حين كنتَ في الشهر الأول في رحم أمك. في تلك الفترة كنتُ أستريح ولم يكن تكويني قد اكتمل بعد، أي لم تبرز الحاجة إليّ بعد. إذ كانت أمك -التي تجرح قلبها أحياناً- تزودك بدمها، بكل احتياجاتك من الغذاء والأوكسجين. ولو قمتُ أنا بشيء من هذا القبيل، لَاختنقتُ على الفور، لأنك كنتَ تسبح في مادة سائلة في رحم أمك، ولو حاولتَ التنفس لامتلأتُ بهذا السائل واختنقنا سوية.
إن أول نفس أستنشقه عند الولادة مهم جداً وإنه صعب للغاية، لأن القصبة الهوائية عندك تكون أضيق بكثير من حالتها الاعتيادية، إلا أن عدد الحويصلات الرئوية التي يتم خلالهَا تبادلُ الأكسجين مع شعيراتك الدموية كثيرة جداً بالنسبة إلى حجمي، وهذا ما يعوّض ضيق القصبة الهوائية عندي. عند أول حركة لي، وبعد أن يمتلئ جوفي بالهواء، أقوم بالضغط على الشرايين والأوردة القادمة إلي من القلب، في حين يبقى شرياني المرتبط مباشرة بالشريان الأبهر خارج نطاق العمل، كما ينغلق الصمام بين الأذينين وينفصل عن دورة الأم. وإذا ما بقي الصمام مفتوحاً دون انغلاق، فإن الدم المؤكسج يختلط بالدم الفقير بالأكسجين ويسبب “المرض الأزرق” أو الزرقة القلبية، حيث يرجع لون الطفل الأزرق إلى أن الدم الأزرق لا يجد مفراً من أن يتجه إلى البطين الأيسر، والشريان الأورطي (الأبهر) ويختلط بدمهما الأحمر، ويوزع هذا الدم الممزوج إلى الجسم فيعطيه اللون الأزرق.
وتظهر الزرقة الناتجة عن نقصان الأوكسجين في الأنسجة على المدخنين أيضاً. ولا شك أن أكبر عدو لي هو التبغ الذي يحتوي على مئات المواد السامة والضارة. ومن إحدى هذه المواد، “مونوكسيد الكربون” أو استنشاق منتوجات غازية تتحد مع مادة الهيموغلوبين (خضاب الدم) وتعيق انتشار الأوكسجين في الجسم. ولهذا فإن شفتي المدخنين تبدو مائلة إلى الزرقة. والحق يقال عجزنا -رغم محاولاتنا الكثيفة- عن مقاومة تلوث الهواء الذي بدأ يزداد بسرعة في عصرنا هذا، فإذا بنا نراهم (المدخنين) قد زادوا الطين بلة بتدخينهم، الأمر الذي يجعلني أجن. كيف يمكن لإنسان أن يكون جاهلا لهذه الدرجة!

آليات حماية الرئة

لقد خلقني ربي عز وجل بطريقة مميزة وفريدة لاستنشاق الهواء وإدخاله إلى الدم بواسطة الضغط العالي، ثم طرحِ فضلات غازِ ثاني أكسيد الكربون الموجود في الدم إلى الخارج قبل أن يرتفع إلى مستوى يؤدي إلى اختناق الجسم. ولأنه سبحانه وتعالى يعلم أن الهواء سيتلوث إلى هذه الدرجة، فقد زودني ببعض الآليات لحماية نفسي. ونتيجة لذلك فإني أمارس عملي دون أي عطل لمدة طويلة. إلا أن ازدياد المواد الصناعية السامة والغازات بشكل كبير، جعلني لا أقدر على مقاومة الأخطار بسهولة. ثم إنهم ينفثون في وجهي دخان التبغ الذي قيل: إن فيه أكثر من أربعة آلاف مادة سامة ومختلفة.
إنهم أدرى بأنفسهم.. فلو أني فقدتُ المقاومة وضعفتُ عنها، لا أدري كم سأفتح عليهم من أبواب المشاكل. كثيراً ما كنت أصاب في الماضي بمرض السل، أما اليوم فإنني أفضّل الإصابة بمرض السرطان تماشياً مع الموضة!.. وكأن في الأمر دعابة أليس كذلك؟ ماذا أفعل؟ وهل يمكن أن أصاب بالسرطان بإرادتي؟ فكما أن هذا المرض المسمى بالسرطان يمكن أن يصيب أي عضو في أي لحظة، فإنه يمكن أن يصيبني أنا أيضاً أكثر من غيري، لأني على تماس مباشر بالهواء دائماً. فلو أني توقفت عن استنشاق الهواء لَلفظتَ أنفاسك الأخيرة على الفور. ولهذا ينبغي عليك أن تنتبه إلى نظافة الهواء في محيطك.
في الحقيقة أن باطن المجاري الهوائية التي تنقل الهواء إلى داخلي والتي تسمونها القصبة الهوائية والشعيبات الهوائية، بُطِّنَ بشعيرات تلتقط وتدفع ذرات الغبار والمفرزات المخاطية نحو الحلق لكي يخرج بعد ذلك بواسطة السعال، حيث تعمل هذه الشعيرات طوال الليل أثناء نومك، وتَدفع الأغشيةَ المخاطية التي التصقت بها ذراتُ الغبار والتي استنشقتها نهاراً نحو حلقك، وتقوم في الصباح بطرح كتلة الغشاء المخاطي الموجودة في حنجرتك وتتخلص من البلغم. أما المدخّنون فيَقتلون ما بين 800-1000 خلية من شعيراتي الرئوية في كل مرة يسحبون فيها الدخان إلى جوفي. وبعد مدة أعجز عن تكنيس جزيئات المواد السامة الواردة مع الهواء، كـذرات الكربون، والكبريت، والرصاص… ذلك لأن خلايا الأهداب أو شعيراتي الرئوية داخل القصبة الهوائية، تموت مع مرور الأيام وتصل إلى حالة لا تُحتَمل فتغير هيكلها وتكوينها. ومن ثم فإن ذرات الغبار الموجودة داخل الهواء المتلوث، تَسُدّ مجرى الهواء كما تُسَد مجاري المدافئ ووصلات المداخن في منازلنا. ولعلي أُصاب نتيجة ذلك بمرض الانسداد الرئوي المزمن أو السرطان.
عزيزي عبد الله… أعرف أنك لا تدخّن، ولكنني أردتُ أن ألمس جوانب الموضوع لتقوم بشرحه لبعض أصدقائك، فأرجو ألاّ تملّ مني.

التكوين المتكامل البديع

وفي هذا الصدد أودّ أن أشرح لك بعض البدائع الفنية في تكويني المتكامل البديع. كما تعرف أنه إذا اجتمعت العناصر الفنية والجمالية والوظيفية في أثر ما، فإنها تعطيه ميزة ذات معنى. وإن تكويني المتكامل -ككل أصدقائي العاملين في بدنك- يهدف إلى التلاؤم مع الوظيفة المهمة التي سأقوم بها. بتعبير آخر، فإنه يستحيل اجتماع الخلايا والجزيئات فيّ عن طريق الصدفة، فإنه يستحيل إيجاد جزيئة واحدة من جزيئات البروتينات المختلفة الداخلة في تركيبتي من تلقاء نفسها ودون إدراك. إن الاحتفاظ بالضغط العالي لأوكسجين الهواء الداخل إلى جوفي، ونفاذ الأكسجين من غشائي أثناء الانتشار، ثم النفاذ من أغشية الشعيرات الدموية العالقة والامتزاج مع جزيئات خضاب الدم، ونفاذ ثاني أوكسيد الكربون ذي الضغط العالي إلى جوفي من نفس الأغشية، وقيامي بطرحه إلى الخارج مع كل زفير وشهيق لك أمر لا يمكن أن يتحقق بسهولة. إنك تتنفس 13-14 مرة في الدقيقة، وفي كل مرة تتحقق هذه العملية. يجب عليّ عند الانتفاخ والانكماش أثناء الشهيق الذي تجريه غالباً دون إدراك، أن أكون في حالة مرنة جداً. وإن أهم خاصية أمتلكها -بالإضافة إلى هذه المرونة- هي إظهار أوسع سطح في أصغر حجم. إن الله عز وجل وضع في صدرك الضيق أغشية تقارب مساحتها 100 متر مربع، أو يقارب خمسين ضعفاً من جلدك الذي يلف جسمك، وبفضل هذا منحك مساحة واسعة تتيح انتشار الغازات. في حين ينبغي على الغازات هذه، من أجل النفاذ من أغشية الجهاز التنفسي، أن تبقى رطبة على الدوام ولا تجف أبداً. إن سطوح أغشية الجهاز النتفسي الرطبة، ممتازة جداً لانتشار الغازات؛ ولكي لا تلتصق الأغشية الرقيقة ببعضها، ولكي لا يتعرض الجهاز التنفسي للخطر بسبب التوتر السطحي والخاصية الشعرية، يفرز إلى داخلي مادة سائلة تحتوي على مواد سطحية. ولو لم تكن هذه المادة السائلة لالتصقت الأغشية الرقيقة ببعضها ولَفشلت عملية الانتشار.

القصبة الهوائية

إن الهواء الداخل إلى جوفي مثل الطرق الثانوية المتفرعة عن الطريق السريع، فهي تضيق وتتفرع وتنتهي بحجيرات مغلقة -تسمى الحويصلات- فتكوّن بذلك شبكة. وإن الهواء الداخل من الفم والأنف يلتقي في الطريق السريع المسمى القصبة الهوائية، حيث يبلغ طول القصبة الهوائية في الشخص العادي حوالي 15 سم. وأودّ ها هنا أن أقول لك شيئاً مهماً بخصوص عمل خاطئ تقوم به في كثير من الأحيان، وكان الأولى أن يتكلم عنه العضو الذي تسمونه الأنف. إلا أني سأتطرق للموضوع بشكل طفيف لعلاقته بي.
إنك يا عبد الله كثيراً ما تخطئ في طريقة التنفس، إذ عليك أن تستنشق الهواء من الأنف وتطرحه من الفم، عندها سيسخن الهواء الوارد من أنفك مباشرة ويترطب، ومن ثم ستتخلص من ذرات الغبار فيه. إذا فعلتَ هذا فإنك لا تعرّضني للضيق ولا تصاب بالزكام أو بالتهابات الجهاز التنفسي العلوي. أما إذا استنشقتَ الهواء البارد والجاف من فمك، فإن ذرات الغبار والجراثيم ستدخل جوفي وستسبب الحساسية، بل قد يصل الأمر إلى الالتهاب الرئوي.
كان أبوك وأمك حين كنت صغيراً يحافظان على بقاء مجرى تنفس أنفك سالكاً، فيقطران فيه المصْل الفيزيولوجي لئلا ينسد. وأعتقد الآن أنك عرفتَ سبب سهولة مرض الأطفال الذين ينامون وفمهم مفتوح بسبب وجود الزوائد اللحمية في أنفهم.
عمّ كنا نتحدث وكيف خضنا هذه المواضيع؟ نعم.. نعم تذكرتُ، كنت أتحدث عن طرق الهواء الوارد إليّ.

الإنذار المبكر

إن أطراف القصبة الهوائية التي تُوصِل الهواء إلي -كما هو الحال تماماً في المِدخنة- تتكوّن من 16-20 حلقة غضروفية على شكل أنبوب أسطواني. ولئلا تظهر مشكلة بسبب وجود البلعوم والقصبة الهوائية جنباً إلى جنب، فإن آخر حلقة من الحلقات الغضروفية المبنية على بعضها البعض، أكملت بحلقة نسيجية مرنة بدل الغضروف القاسي. ومن ثم فإن غضاريف القصبة الهوائية لن تعيق ابتلاع اللقيمات أثناء الطعام، إذ توجد فوق وبجوار الحلقات الغضروفية ألياف عضلية، حيث توسع أثناء شهيقي القصبات الهوائية بتمدد الحلقات الغضروفية وتضيِّقها.
مرت عليك أوقاتٌ نبّهتك فيها عن طريق السعال. ربما أزعجتك بذلك، ولكن لو أنني لم أضيق قُطر القصبة الهوائية وأقلص أحزمتي العضلية حتى تصل إلى ما تحت السدُس، ولم أتسرع بالتنفس من خلال القصبة الهوائية الضيقة هذه، لما استطعت لا أستطيع طرح بعض الأجسام الغريبة التي تدخل جوفي فجأة (كذرات الغبار وبعض القطع الصغيرة)، عندها ينسد جوفي ويؤدي ذلك إلى انعدام الهواء وبالتالي إلى موتك في آن واحد. ولهذا السبب فإن الانفجار السريع الذي تسمونه السعال، يعني التخلص من ذرات الغبار الضارة في داخلي. وقد وضع ربي عز وجل جهازاً صوتيا في الطرف الأمامي لقصبتي الهوائية العريضة جداً والتي تشبه الطريق السريع، وهو جهاز رائع مذهل! ولو قمتُ بالحديث عنه لما كفتني الصفحات. فالهواء الوارد إلي والهواء الفاسد الصادر عني، يحرك الحبال الصوتية عندما يمر من خلال هذا الصندوق الصوتي، ويصدر النغمات الجميلة والأناشيد الرائعة والأحاديث التي تبهج الحياة.

الشعبة الهوائية

إن الهواء الوارد من القصبة الهوائية ينقسم إلى فرعين هما الشعبتان الهوائيتان التوأمتان يمنى ويسرى. وفي الأصل لا نُعتبر توأماً، لأن التي تقيم في الطرف الأيمن تتكون من ثلاث قطع، أما التي تقيم في الطرف الأيسر فتتكون من قطعتين. وكأني أسمع سؤالك، وما الحكمة من ذلك؟ أستطيع أن نقول لك: إن شقيقتي الشعبة اليسرى خلقت لتتيح مجالاً للقلب وليتخذ مكاناً أوسع ويعمل براحة أكثر، بالإضافة إلى أنه عندما يبدأ السرطان في أي قسم، فيمكن إزالة القسم المصاب فقط بعملية جراحية وبالتالي أستطيع أن أواصل حياتي. وربما هناك حكم كثيرة لا يعلمها إلا ربي سبحانه. وتنقسم الشعبتان الهوائيتان اللتان تدخلان إلى جوفنا إلى 8-10 طرق فرعية دقيقة -كما هو الحال في الطرق السريعة- وكل واحدة من هذه تنقسم إلى فروع أكثر دقة بقطر واحد سم. إن نظام التفرع هذا يشبه منظر شجرة رأسها نحو الأسفل. أما في نهاية هذه الفروع الدقيقة فتوجد شعيبات النظام التنفسي التي تشبه عنقود العنب.

الشعيرات الدموية

وإن آخر نقطة في الطريق هي الكريات التي تشبه الحبات التي تكوّن العناقيد، إذ هي الأجزاء الحياتية الأساسية. كما أن هذه الكريات الصغيرة التي تسمى الحويصلات صنعت من أغشية رقيقة جداً أحيطت بشبكة الشعيرات الدموية. قسمِي الوظيفي الأساسي الذي يتم فيه تبادل الغازات موجود هنا. وإن شبكة الشعيرات الدموية التي تلف الحويصلات الرئوية، هي أقسام متفرعة عن شرياني الحامل الدم الفاسد والقادم من القلب (فقير الأوكسجين) وشرياني الذي يجمع الدم النظيف مني (غني الأوكسجين) ويوصله إلى القلب.
توجد طبقتان غشائيتان رقيقتان تحيطان بي وتحميانني؛ إحدى هاتين الطبقتين ملتصقة بي تماماً، والأخرى ملتصقة بالأضلاع الصدرية، وبينهما في الكيس الفراغي مادة سائلة لزجة رقيقة جداً. وأثناء انتفاخي وانكماشي تمنع هذه المادة السائلة اللزجة احتمال كشطي عند احتكاكي بفراغ جدران القفص الصدري. ولولا هذه المادة السائلة لكشط سطحي وانفتح فيَّ ثقب بعد مدة قصيرة جداً. ينبغي على فراغ القفص الصدري أن يتوسع ليفسح لي مجالاً أثناء انتفاخي عند التنفس. فلو لم أجد مكاناً أتسع فيه لما استطعتُ التنفس، ولمتَّ أنت بسرعة. فالشكر للخالق عز وجل الذي صنع قفصاً من الأضلاع لحمايتي، والذي صنع مفاصل مرنة جزئياً تلتوي على الأضلاع، وبالتالي يتوسع فراغ القفص جزئياً ويفسح لي مكاناً. إضافة إلى أن الحجاب الحاجز العضلي الذي يفصلني عن المعدة والأمعاء، يقلل انحناءه ويضغط على الأعضاء الموجودة في البطن نحو الأسفل، مما ينفخ جدار البطن نحو الخارج ويفسح لي مكاناً لأنزل فيه. وبفضل حركة الأضلاع والحجاب الحاجز أتوسع في المكان الذي فسح لي من خلال انتفاخي بملء جوفي بالهواء. إن وجودي معلق في الفراغ الصدري ويتحقق من خلال القصبة الهوائية التابعة لي والشرايين والأوردة.
إن احتمال إصابتي بالأمراض عال جداً نظراً لارتباطي بالعالم الخارجي. ويأتي السعال على رأس القائمة التي أرسل فيها إشارة تحذيرية لإصابتي بالمرض. فأحياناً أُخرج بلغماً مختلطاً بالدم، إضافة إلى أنني أجد صعوبة في التنفس، وأُشعرك بألم في صدرك. عندما ترى هذه الإشارات التحذيرية، ينبغي عليك أن تكون يقظاً جداً، لأن البكتريات والجراثيم إذا ثبتت أقدامها في داخلي، فإنها تتكاثر في الحويصلات الهوائية وتتصلب وتسبب التهابات.
إنني حساسة جداً تجاه الإضرابات التحسسية، فعندما تتلامس جدران العضلات المستوية المتوضعة على جدار الشعبة الهوائية بالمواد الغريبة كغبار الطلع فإنها تتقلص بتأثير إفرازات الهيستامين. إضافة إلى أن الأمراض التحسسية التي تصيب العروق الدموية، تؤثر عليّ جداً لكوني عضواً من أكثر الأعضاء الحاملة للدم. كما تظهر حالة القوة التنفسية عند تقلص عضلات الشعبة الرئوية وعدم إخراج الإفرازات المخاطية التي أفرزها ضد الحساسية، وإنكم تسمونها بمرض الربو. فعندما يمتلئ داخلي بهذه الإفرازات المخاطية التي أُصدرها لحماية نفسي ولا أستطيع إخراجها، أعاني صعوبة في التنفس.
وبمعزل عن هذا، فإنني كثيراً ما أصاب بالأمراض الحادة المزمنة والتهاب الشعب الهوائية وانتفاخ الرئة، حتى إن عصبيتك وانفعالك يؤثر عليّ، إذ أعاني صعوبة في التنفس مباشرة.
لا تؤاخذني يا عبد الله! فمساحتي ضيقة جداً، إذ لا يمكن أن أختصر الحديث عن عمل فني مذهل مثلي في أربع صفحات أو خمس. ولهذا أحيل الباقي إليك، ففي فهمك كفاية. لكن يا قرة عيني، ابتعد عن أماكن التدخين والغازات السامة وأدخنة السيارات. استنشق الهواء بعمق في الأماكن النظيفة وأرسل إليّ أوكسيجيناً كثيفاً، ثم فكر بتمعّن في كل شهقة بصوت “هو” الذي أُصدره وأذكر به خالقنا، وتذكر أنني يمكن أن أتوقف في أي لحظة، فاشكر ربنا العظيم الذي لا نهاية لقدرته.
ــــــــــــــ
(*) الترجمة عن التركية: محمد ماهر قفص.

About The Author

أستاذ محاضر في البيولوجيا بجامعة 19 أيلول بمدينة إزمير. تركيا

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.