استوقفتني قصة قصيرة بعنوان: “مزمار من كرتون” (حراء:75) كتبها الصحافي الأستاذ “أحمد ألتان”. ويسرد فيها معاناة مُكثه أكثر من ثلاث سنوات في زنزانة صغيرة مع اثنين من الأبرياء. وكان “سلمان” أحد رفقائه في الزنزانة، وهو في نفس سنِّ ولده. شاب حديث عهد بزواج عندما قـٌبض عليه. كان متديّنًا، ومهتمًّا بالفلسفة والعلم في آن معاً. لم يزره أحد، ولم يشك قط، فالشكوى نوع من عدم الرضا بمشيئة الله تعالي. وذات يوم وبينما كان “أحمد” يكتب ـ في زنزانته ـ روايته الجديدة “Hayat Hanım” (السيدة حياة) على طاولة بلاستيكية، سمع عزفًا في الفناء.. إنه صوت مزمار!. فخرج مسرعاً، فإذا “سلمان” يستند إلى جدار وبيده مزمار من كرتون (وهب “سلمان” مهارات يدوية بارعة، إذ يمكنه إنجاز أشياء مدهشة بأدوات بسيطة)، ويعزف عليه وهو مغمض العينين. تلاشت – فجأة- ضوضاء الزنازين، وعمّ السكونُ، وأنصت الجميع لعزفه المفاجئ. وبانتهاء العزف دوَّت أصوات قوية من النزلاء تعبيرًا عن مدى إعجابهم، ورغبتهم في الاستزادة من العزف، وقد استجاب “سلمان” فظل يعزف لساعات. لقد كان عزفه فريدا متميزاً لا يضاهيه أي عزف، كانت نغمته ـ الحزينة، والفرحة ـ ذات مذاق خاص.

ما أشبه الليلة بالبارحة

إن أمثال محنة “أحمد ألتان، وسلمان” كثيرة يصعب حصرها، وقلم التعبير عن الاضطهاد المرير مصوراً، والصور لا تنتهي. فأينما رميت ببصرك فيها طالعتك صوراً معتمة مؤلمة. ومع ذلك أنت واجد صوراً مضيئة من صور “التشارك الوجداني”، والإبداع المهاري الذي تظهره الحاجة الملحة، وصور الحنين إلى الحرية التي يوحي بها الأسر الظالم والبطش الغاشم. وصوراً أخرى لا يبلغها الإحصاء وكلها واضحة ناطقة أبلغ النطق، صادقة أنصع الصدق، مؤثرة أبعد التأثير، نطق بليغ، وصدق ناصع، وتأثير شامل.. سمات أدب مُعبر عن تجارب ومواقف وخبرات وقناعات. يضع المعنى في الحياة التي ليس لها معنى، ويغير للنفس حياتها وفقًا لأشواقها وينقلها من حال إلى حال، من حال الآلام إلى إشراق الآمال، ومن عتمة العزلة والأسوار إلي سماء الحرية والأنوار.

وسار ـ عام 1923ـ الأستاذ “بديع الزمان سعيد النورسي” 1877 – 23 آذار 1960) إلى مدينة “وان” واعتزل الناس في جبل “أرَك” القريب من المدينة طوال سنتين متعبداً ومتأملاً. ورغم ذلك لم ينجُ من شرارة الفتن والاضطرابات فنفي مع الكثيرين إلى “بوردور” جنوب غربي الأناضول. ثم نفي وحده إلى “بارلا” ووصل إليها في شتاء 1926. وظُن أنه سيقضى عليه هناك، ويخمد ذكره، ويطويه النسيان، ويجف نبعه الفياض. ومن ثم غدت “بارلا” مصدر إشعاع عظيم لنور القرآن، إذ ألّف الأستاذ “النورسي” هناك معظم “رسائل النور”. وتسربت الرسائل عن طريق الاستنساخ اليدوي وانتشرت من أقصى تركيا إلى أقصاها. إذ ما كان الأستاذ يُساق من منفى إلى آخر، ويُزج في السجون والمعتقلات في عديد من ولايات تركيا طوال ربع قرن من الزمن، إلاّ ويقيض الله من يستنسخ الرسائل وينشر هذا الفيض الإيماني حتى أيقظ هذا الفيض روح الإيمان الراكد وأرسي دعائم علمية ومنطقية في غاية البلاغة بحيث يفهمه العوام ويتزود منه الخواص.

وهكذا استمر الأستاذ “النُوْرْسي” على تأليف رسائل النور حتى سنة 1950م وهو يُنقل من سجن إلى آخر ومن محكمة إلى أخرى.. هكذا طوال ربع قرن من الزمان. ولم يتوقف خلاله من التأليف والتبليغ حتى أصبحت في أكثر من (130) رسالة، جمعت تحت عنوان “كليات رسائل النور” التي لم تتيسر لها أن ترى طريقها إلى المطابع إلا بعد سنة 1954م. “إن رسائل النور ليست طريقة صوفية بل حقيقة، وهي نور مفاض من الآيات القرآنية ولم تستق من علوم الشرق ولا من فنون الغرب، بل هي معجزة معنوية للقرآن الكريم خاص لهذا الزمان (الملاحق – قسطموني، ص: 202). “إن رسائل النور برهان باهر للقرآن الكريم، وتفسير قيم له، وهي لمعة براقة من لعمات إعجازه المعنوي، ورشحة من رشحات ذلك البحر، وشعاع من تلك الشمس، وحقيقة ملهمة من كنز علم الحقيقة، وترجمة معنوية نابعة من فيوضاته”.

ولقد سار على درب الألمعي “النورسي”، ومتأثراً بمؤلفاته وبخاصة “رسائل النور”.. الأستاذ العلامة “محمد فتح الله كولن” (ولد عام 1938) المنتسب لعائلة من أهل العلم والأدب والدِّين. ففي صدر شبابه.. عُيّن “كولن” إمامًا في جامع “الشُّرُفات الثلاث” في مدينة “أدرنة” حيث قضى فيه مدة سنتين وستة أشهر في جو من الاعتكاف والزهد المتواصل. وواصل نشأته في هذا الجو الإيماني، واجتهدَ في تحصيل العلوم الشرعية والعصرية. فلنحو عقدين من الزمن أشع “كولن” ـ من “معتكفه وخلوته” في المجمع السكني بولاية “بنسلفانيا”ـ أدباًًُ وإشراقات ودروساً ومقالات وكتابات وكتباُ. وأنتجت قريحته نحو سبعين كتاباًًً بعضها مترجم من التركية لنحو خمسين لغة أخرى.

أدب العزلة: نماذج عربية

حجّ العالم اللغوي “أبو منصور محمد بن أحمد الهروي الأزهري” (عاش في العصر العباسي فيما بين 282-370هـ/895ـ980م)، وغادر المدينة مع قوافل أهل العراق. فلمّا وصلت قافلتهم إلى الهبير، سقط عليهم القرامطة، في 18 من المحرّم سنة 312 ه ‍(26-4-924 م) فقتلوا جماعة منهم وأسروا أخري. ووقع “الأزهري” في أسر مجموعة من البدو. فمكث فيه بضع سنوات جمع في خلالها كثيراً من ألفاظ اللغة من قبائل لم يكن قد تطرّق إلى كلامها لحن كثير. مما شكل أكبر معينٍ له في كتابه “تهذيب اللغة”، وأخرج في عزلته مسائل لغوية هامة أضافها لكتابه، وصنفه في عشرة مجلدات، واعتبر أكبر موسوعة موثقة شملت ألفاظ العربية.

ومن العلوم التي أبصرتها العقول والإفهام وانبثقت عن العزلة بمصر: “رسالة العمل في الإسطرلاب”، وإتمام “كتاب الأدوية المفردة”، (ترجمه إلى اللاتينية آرنولد الفيلانوفي، منه نسخٌ في المكتبات العربية في دمشق والمغرب وبعض مدن أوروبا)، و”كتاب الحديقة” استعرض فيه ما شاهده في مصر، وعما لقيه في عزلته. إنها رسائل وكتب أنتجها الأديب والشاعر والطبيب والمهندس والرياضي والطبيعي “أبو الصلت، أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الداني الأشبيلي الأندلسي”(1067-1134). ولد في بلدة “دانية” شرقي الأندلس، ونشأ فيها وأخذ علوم اللغة والنحو. ثم انتقل إلى إشبيلية فنسب إليها واستقر فيها إلى حين سقوط طليطلة سنة 1094. فهاجر منها سنة 1096 متجهاً إلى ميناء المهدية التونسي شرقي القيروان. فدخل في خدمة صاحبها ابن باديس الصنهاجي، الذي أرسله في سفارة لمصر يحمل منه رسالة إلى الملك “الأفضل بن بدر الجمالي” أمير الجيوش في زمن “المستعلي بالله أحمد بن معد الفاطمي”. وبقي مدة مقرباً عنده لحسن معشره وفصاحة لسانه. لكنّ الأفضل تغير عليه فسجنه بفرية افتراها عليه بعض حاسديه من حاشية “الأفضل”، ووضعه في خزانة للكتب فقضى في عزلته ثلاث سنوات ونيفاً، ولكن إقامته في المكتبة عادت عليه بفوائد جمة فقد نهل في أثنائها من مختلف العلوم والفنون من مخطوطاتها، وألف كتاب «الحديقة» الذي نهج فيه نهج الثعالبي في “يتيمة الدهر”. ثم خرج بشفاعة بعض الوجهاء ومتوسلاً بقصيدة مدح بها الأفضل. وزار الإسكندرية واستقر فيها مدة من الزمن، ثم سجن مرة ثانية لإخفاقه في انتشال مركب كان محملاً بكمية من النحاس. إذ ابتكر رافعة استطاع بوساطتها رفع المركب الذي طفا ووصل إلى سطح الماء، ولكن تقطعت الحبال المركبة على بكرات دوارة، فغرق ثانية. لأن “أبا الصلت” لم يحسب ثقل المركب ولا الماء في جوفه ولا وزن النحاس والماء وضغط الهواء. فغضب عليه “الأفضل”. ثم خرج من سجنه بقصيدة تشفع فيها إليه. توفي “أمية” بالمهدية في أول المحرم في نحو السبعين من عمره ودفن ببلدة “المنستير” غربي تونس.

وكذلك في عزلته بقلعة “فردجان”.. فعل الشيخ الرئيس “ابن سينا” (980-1037) الشيء ذاته حيث انبعثت أنوار علم من كتابه “الهدايات”، و”رسالة حي بن يقظان”. فلم يكن “ابن طفيل الأندلسي” (1110ـ1185) أوّل من ألفه، فابن سينا له أيضاً “حيُّ بن يقظان”. وأما “إسحاق بن خلف” (توفي 844) المعروف بـ “ابن الطبيب” فقد تعلم نظم الشعر في عزلته فصار مشتهراً به. وما يزال “أبو العلاء المعرّي” (رهين المحبسين) يطربنا من موسيقى عصره بإيقاعاته الهادئة عن مفتاح الصبر وقت العزلة ووقت تحاصرنا الخطوب فيقول:

ولما تجهمني مرادي              جريت مع الزمان كما  أرادا

وهوّنت الخطوب عليّ حتى      كأني صرت أمنحها الودادا

أسس مع شقيقه “علي أمين” صحيفة “أخبار اليوم”.  ولمّا تداعت عليه حاجته الكِتابيّة.. بدأ بالكتابة عن كل ما يجري حوله وما عاينه وعاناه أثناء سني إقامته التّسع في السّجن. وبمساعدة آخرين تكفّلوا بتهريب الورق والقلم ورسائل الصحافي المصري الأستاذ “مصطفى أمين” (1914- 1997) التي كتبها لأخيه وأصحابه، ففي غضون تسعة أعوام تمكّن من تهريب تسعة آلاف رسالة أُحرق بعضها وبقي أغلبها فكان كِتابه “سنة أولي سجن”. ودخل الكاتب الساخر “محمود السعدني” (1928- 2010) السجن ثلاث مرات وحكى في كتبه شيئًا مما كان يدور خلف الأسوار، وفي كتابه: “الولد الشقي في السجن” اختزل معاناة ما خلف القُضبان – بأسلوب ساخر- في ستّ شخصيات صادفها حين كان نزيلًا في سجن القناطر ، فلقد جمعته بهم أسوار واحدة- رغم اختلاف قضايا دخولهم فهم ما بين نشّال ومهرّب وقاتل ، وقد أفرد الكاتب لكل شخصيّة فصلًا باسمه يوضّح فيه ما وعته ذاكرته من ملامح تلك الشخصيات النفسية.

الأعاجم وأدب العزلة

في محنة عزلته.. قال “سقراط”: “إذا جمعت نوائب الناس إلى محل واحد ليتقاسموها بالتساوي فالذين يحسبون أشقى الناس، واتعسهم حظاً يفضلون نصيبهم الأول على ما ينالونه من هذه القسمة”. وعرض عليه أحد تلاميذه مساعدته من أجل الفرار لكنه أبى وفضل تجرع السم ليذهب لحضن الموت قائلاً: “أرشدوني إلى مكان لا موت فيه فأفر إليه”. أما “غاليليو غاليلي” (1564- 1642) فعانى العزلة جراء مقولته بـ”دوران الأرض حول الشمس”. وبقي سنوات لا يأكل سوى الخبز اليابس، وكتب العديد من أفكاره وآرائه وقد تجاوز الخامسة والسبعين، فضيق عليه وأجبر على التلفظ بعبارة: “الأرض لا تدور”. فأجابهم بدون خوف: “كيف أنكر تحركها وأنا أشعر باهتزازها تحت قدمي؟”، وزاد عناده بقوله: “وفوق كل ذلك إنها تدور”.

وامتدت محنة العزلة، فحركت بنات أفكارهم وشعلة إبداعاتهم فألفوا الكتب المفيدة، فالفيلسوف الفرنسي “فولتير” (1694- 1778) عاش منفياً أكثر من ثلاثين سنة قبل السماح له بالعودة إلى باريس، مسقط رأسه. فقد دخل سجن الباستيل، وفيه، اتخذ اسم “فولتير”، وكتب عددا من أعماله المميزة منها ملحمته “هنرياديه: التى تروى فى الظاهر، قصة حصار “هنرى الثالث” لباريس عام 1589، لكنها بين سطورها تنتقد كهنوت عصره، وكان لا يسمح له بورق داخل سجنه. فكان يخط بين سطور أحد الكتب المطبوعة، كما كتب مسرحية “أوديب”. وأفرج عنه فى أبريل 1718، عندما قرر الوصى على العرش أن سنة كاملة فى الباستيل تعتبر “جزاء عادلاً” لكتابته أغنية ساخرة. وكان “فرانسوا ماري أرويه” الشهير ﺑ «فولتير» قد ولد في باريس عامَ ١٦٩٤، وتلقَّى تعليمَه في إحدى مدارس اليسوعيين، وتعلَّمَ اللغة اللاتينية، ثم أتقَنَ الإسبانية والإنجليزية. وبعد نهاية دراسته أراد أن يصبح كاتبًا، على عكسِ رغبةِ أبيه الذي أراد له دراسة القانونَ ليتماشى مع الطبقة الأرستقراطية الباريسية، فأرسَلَه والِدُه لدراسة القانون، ونجح في إلحاقه بوظيفة سكرتير السفير الفَرنسي بالجمهورية الهولندية، غير أن «فولتير» لم يَنتهِ عن الكتابة، وبسببها دخل في مشكلات بسبب كتاباته اللَّاذِعة.

وفي منفاه.. نظم الشاعر الإيطالي “دانتي أليغييري”Dante Alighieri  (1265-1321)  ملحمته “الكوميديا الإلهية”  المشابهة ـ فكرة ومضموناًـ لـ”رسالة الغفران” لأبي العلاء المعري (973 -1057)، والتي تعد من أجمل ما كتبه المعري في النثر. ويذكر أن الكاتب والشاعر الإيطالي “توركواتو تاسـّـو” Torquato Tasso) (1595 – 1544) نظم يومياً ـ في عزلته ـ خمسمائة بيت من الشعر الحماسي، وأهم أعماله وأشهرها ملحمة “تحرير أورشليم” (1575)، يصف فيها المواجهات في نهاية الحملة الصليبية الأولى، أثناء حصار القدس. وليس من باب المصادفة أن تكون انطلاقة الرواية الحديثة برواية ولدت من رحم تجربة السجن التي عاشها الإسباني “ميغيل دي سيرفانتس” – صاحب “دون كيخوته”- أثناء اعتقاله من قبل القراصنة لمدة خمس سنوات بالجزائر سنة 1575. والخلاصة: من بين رحم العزلة والغربة وترهل عقارب الزمن، يولد أدب ذي ألق يفتح باب النور والأمل. ومن بين جدران صامتة تضم عقولا مفكرة، ونفوساً حائرة، وقلوباً فياضة، ومشاعر وقادة.. تتحوّل محن “العزلة” إلى منح يقودها القلم والقرطاس، فتثمر إبداعاُ جنياً يتذوق حلاوته الكثيرون.