تتنوع عمليات نقل وزراعة الأنسجة والأعضاء، حيث يتم نقل جزء من جسم المريض إلى موضع آخر في جسده، وقد يُستبدل عضو تالف بآخر من شخص حي أو متوفٍّ دماغيًّا كطعم مغاير. وتندرج أغلب عمليات الزراعة ضمن الطعوم المغايرة، لكن للاختلاف الجيني بين العضو المزروع وجسد المتلقي دوره الهام، حيث تبدأ رحلة الجهاز المناعي للمتلقي مع العضو المزروع، كجسم غريب يرفضه ويتصارع معه للقضاء عليه، لذا يتم تناول المثبطات المناعية، مما يجعل الجسم عرضة لغزو عوامل ممرضة أخرى، لكن عندما يتم الاستزراع المغاير بين متطابقين وراثيًّا كالتوائم المتماثلة، لا يحدث غالبًا ردة فعل مناعية كسابقه.

أما زراعة طُعم أجنبي (Xenograft)، فيحدث عند النقل من سلالة إلى سلالة مغايرة، كزراعة صمام قلب خنزير في جسد إنسان -من العمليات الشائعة والناجحة- حيث تعتبر الخنازير من أهم مصادر إنتاج الأعضاء المهندسة بيولوجيًّا، لتشابه حجم أعضائها مع مثيلاتها البشرية، فضلاً عن سهولة تربيتها، وسرعة نموها، وقصر فترة حملها، وكثرة أعداد إنجابها، وعدم تعرضها للانقراض كالشمبانزي، أو للنقد المجتمعي كما في القرود. وتجري الآن محاولات لزراعة أنسجة البنكرياس أو المعزولة من أسماك إلى كائنات غير بشرية من فصيلة الرئيسيات، وحال نجاحها ستمهد الطريق لتطبيقها على الإنسان.

إن زراعة الطعوم الأجنبية تنطوي على قدر من المخاطر الطبية، لتزايد احتمالات عدم التوافق والرفض المناعي، والإصابة بعدوى مرضية، لكن في العموم وفي ظل توفر مهارات جراحية وتقنية، تراكمت نجاحات هذه العمليات، إلى جانب القدرة على التحكم في الرفض المناعي، والآثار الجانبية لإنقاص المناعة.

أعضاء وأنسجة تحت الطلب

تشمل الأعضاء التي يمكن زراعتها؛ الكلى، والقلب، والكبد، والرئتين، والبنكرياس، والأمعاء، والغدة الزعترية. وتشمل الأنسجة كلاًّ من العظام، والعضلات، والأوتار، والقرنية، والجلد، وصمامات القلب، والأوردة. وتعد زراعة الكلى من أكثر العمليات شيوعًا على مستوى العالم، وتفوقها عمليات زراعة العضلات والعظام بأكثر من عشرة أضعاف، ويمكن الحصول على أنسجة المتبرعين المتوفين بأزمات قلبية في غضون ٢٤ ساعة من توقف القلب. وعلى عكس الأعضاء، يمكن حفظ معظم الأنسجة -باستثناء القرنية- وتخزينها في “بنوك” لفترة تصل إلى خمس سنوات.

وتسمح أبحاث الطب التجديدي، بإعادة تكوين أعضاء من الخلايا الخاصة بالمريض نفسه، كالخلايا الجذعية، أو خلايا مستخرجة من أعضاء مصابة بقصور.. ففي عام ٢٠٠٧ تمكن فريق بقيادة “دوريس تايلور” مديرة مركز أبحاث الطب التجديدي بمعهد “تكساس” لطب القلب في “هيوستن”، بعزل قلب فأر وإزالة خلاياه “بمنظفات حيوية”، لتكوين هيكل داعم/سقالة (Scaffold)، وتم عليه استنبات خلايا قلب فأر جديدة لمدة ٢٨ يومًا في “مفاعل حيوي” (Bioreactor) وخفق القلب في اليوم الرابع لهذا الاستنبات، وبلغت قدرته على الضخ في اليوم الثامن نحو ٢٪ من قدرة قلب فأر ناضج. وفتحت هذه المبادرة الباب واسعًا، لتعميم التجربة على الأعضاء الأخرى -كالكلي والرئة والكبد- ولسد الفجوة بين المتبرعين وقوائم الانتظار الطويلة.

محطات تاريخية

تشير كتابات إلى أن الجراح الهندي “سوشروتا” (عاش في القرن الثاني ق.م) قد أجرى زراعة جلد “بطعم ذاتي” لتجميل الأنف، لكنه لم يُوثق نجاح أو فشل محاولته. وبعد مضي قرون، أجرى الجراح الإيطالي “جاسبارو تاجلياكوزي” زراعة جلد ناجحة بطريقة الترقيع الذاتي، وفشل في الطعم المغاير لرفض الجسم لها. وأرجع ذلك إلى القوة والسلطة الفردية، ذكر ذلك عام ١٥٩٦ في كتابه “DeCurtorum Chirurgia per Insitionem”، وكانت فترة الحرب العالمية الأولى قد شهدت خطوات بارزة في زراعة الجلد، ولا سيما ما أجراه النيوزيلاندي السير “هارولد جيليز” في “إلدرشوت” التابعة لبريطانيا العظمى.

وكان “إدوارد زيرم” قد أجرى عام ١٩٠٥، أول زراعة قرنية ناجحة في عين إنسان في “أولوموك” بجمهورية التشيك. ولكل من “أليكسيس كاريل”، و”تشارلز جوثري” ريادة ناجحة في عمليات زراعة الشرايين والأوردة في بدايات القرن العشرين. وأدت مهارات توصيل الأوعية الدموية إلى جانب تقنيات الخياطة الجراحية، لتمهيد الطريق لجراحات زراعة الأعضاء لاحقًا.. وأسهم ذلك في حصول “كاريل” على جائزة نوبل ١٩١٢، وهو الذي بدأ منذ عام ١٩٠٢، بتجارب لزراعة الأعضاء في الكلاب، مع نجاحه في نقل الكلي والقلب والطحال، وهو من أوائل الذين تنبهوا لمشكلة رفض الجسم للعضو المزروع.

وثمة محطات تاريخية أخرى لعمليات ناجحة ورائدة في زراعة الأعضاء؛ فأول زراعة كلية كانت عام ١٩٥٤، قام بها “جوزيف موراي” (بوسطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وفي عام ١٩٦٦ زرع أول بنكرياس قام به “ريتشارد ليلهاي” و”وليام كيلي” (مينيسوتا، الولايات المتحدة الأمريكية). وأجريت أول زراعة كبد عام ١٩٦٧ على يد “توماس ستارزل” (دينفر، الولايات المتحدة الأمريكية). وفي نفس العام تم زراعة قلب أجراها “كريستيان برنارد” (كيب تاون، جنوب أفريقيا).

أما عام ١٩٨١ فكانت أول زراعة رئة ناجحة قام بها “بروس ريتز” (ستانفورد، الولايات المتحدة الأمريكية)، وبعد عامين تمت زراعة أحد فصي الرئة أجراها “جويل كوبر” (تورنتو، كندا). وقام نفس الجراح عام ١٩٨٦ بزرع رئتين للسيدة “آن هاريسون”. أما أول استئصال كلية بالمنظار من أحد المتبرعين الأحياء، فكانت عام ١٩٩٥م على يد “لويد راتنر”، و”لويس كافوسي” (بالتيمور، الولايات المتحدة الأمريكية). وبعد ثلاث سنوات أجريت زراعة بنكرياس جزئية من أحد المتبرعين الأحياء قام بها “ديفيد ساذرلاند” (مينيسوتا، الولايات المتحدة الأمريكية). وفي فرنسا عام ١٩٩٨ تمت أول زراعة يد ناجحة. وبعد عام كانت زراعة مثانة ذات أنسجة معدَّلة وراثيًّا أجراها “أنتوني عطا الله” (في بوسطن، الولايات المتحدة الأمريكية).

وفي ٢٠٠٥ تم زرع وجه جزئي، وبعد عام كانت أول زراعة فك باستخدام النخاع العظمي للمريض، أجراها “إريك إم. جيندين” (مستشفى ماونت سيناي في نيويورك)، أما أول زراعة ذراعين كاملين فكانت عام ٢٠٠٨ على يد “إدجار بيمار” و”كريستوف هانكه” و”مانفريد ستانجل” (ميونيخ، ألمانيا). وفي عام ٢٠٠٨ ولد أول طفل من امرأة زرع لها مبيض. وفي نفس العام زرعت قصبة هوائية باستخدام الخلايا الجذعية للمريض نفسه أجراها “باولو ماتشياريني” (برشلونة، أسبانيا). وفي عام ٢٠١٠ تمت أول زراعة وجه بالكامل، على يد “جوان بيري باريت” وفريقه (برشلونة، أسبانيا). كما منحت المنظمة الوطنية الإسبانية لزراعة الأعضاء تصريحًا لمستشفى“La Fe” في فالينسيا لإجراء أول عملية لزراعة ساقين كاملين.

نحو السيبورغ

بناء على هذه الخبرات السابقة، يمضي قطار الطموح العلمي والمشتغلين بالبحث العلمي سريعًا وصولاً للسيبورغ (Cyborg)، أو نظم إلكترونية-حيوية (Bionic systems)، أو آلات حيوية (Vital machines) كل ما هو اصطناعي تتم إضافته إلى الجسد البشري ليصبح نصف بشري، تشمل جميع الإضافات الخارجية من أدوات وأجهزة تمكّن الإنسان من التكيف مع البيئة المحيطة، بحيث يكمن الهدف في تحسين أداء الفرد وتطوير قدراته على القيام بعمله على أكمل وجه، ويأتي تخليقه ضمن البحوث الإحيائية والسيبرنية، وهي مجالات تهتم بآليات الاتصالات والسيطرة لدى الكائنات الحية ولدى الآلات.

وتتخذ تقنيات السيبورغ أشكالاً مختلفة فمنها ما هو ترميمي (Restorative)، حيث يتم التعويض عن الوظائف والأعضاء والأطراف التي تمت خسارتها مسبقًا، وتطبيعي (Normalizing) فيتم استعادة الشكل الطبيعي عند حدوث تغيرات فيها، ثم إعادة تشكيل (Reconfiguring) بتكوين كائنات شبيهة بالبشر لكنها تختلف كليًّا عنهم.

وعلى غرار ما يتم من تعامل مع مخلوقات عبر الفضاء الإلكتروني، ومستقبلاً مع أنواع بشرية معدلة تناسب العيش في الفضاء أو تحت سطح البحر، وهناك تقنية تعزيزية (Enhancing) وهي هدف أغلب الأبحاث الصناعية والعسكرية. وعمومًا سيستطيع هذا السيبورغ -رغم احتفاظه بما للعقل البشري من مرونة وقدرة على التخيل- العيش في جو غير معتاد عليه، جو خال من الأكسجين، ودرجات حرارة وضغوط عالية. كما سيتميز بحيوية كبيرة، وطول عمر مديد مُتكيفًا مع التغييرات البيئية. ويطمح العلماء لإيجاد “سيبورغ فضائي” لا يتنفس، وذي دم بارد صناعيًّا وبدون أعضاء حس، لكنه مطعم بإلكترونيات الهدف منها الحفاظ على التوازن الأيضي، وترميم الأعضاء العليا والسفلي، والتغذية عن طريق الحقن، مع إعادة استخدام الفضلات.

وأخيرًا إجراء عمليات النقل عن طريق نبضات إلكترونية مستقبلة ومبعوثة بواسطة جهاز مثبت بالدماغ. وهذا الكائن سيتحرك بسهولة في أوساط فضائية بين الكواكب أو فوقها مع تباين في الجاذبية. ولعل رواد كائنات “السيبورج” هم من أجريت لهم عمليات جراحية، ويعيشون بأجهزة معقدة خارج وداخل أجسامهم. ومع دقة واستمرارية وتطور عمليات زرع الأعضاء، والمواد الاصطناعية، قد يصبح من الممكن إزالة أكبر قدر من الفوارق بين الأجهزة الطبيعية والاصطناعية للكائنات البشرية.

ولا شك أن الطموح العلمي والبحثي ليس له حدود، ولعله قريبًا تُحل مشكلة نقص الأعضاء والأنسجة المعروضة وقوائم الانتظار الطويلة، وتُـنشر لافتات وإعلانات في المراكز والمستشفيات وفي الصحف والمجلات عنوانها “أعضاء تحت الطلب”.

لوائح وقوانين منظمة

يثير موضوع زراعة الأعضاء العديد من القضايا المهنية والأخلاقية والقانونية، بما في ذلك تعريف “الوفاة”. وتوقيت وكيفية التصريح بزراعة الأعضاء، و”التبرع الخيّر”، و”التبرع مدفوع الأجر”، والتبرع الموجه (الإجباري)، والسياحة القائمة على زراعة الأعضاء، والسياق الاجتماعي والاقتصادي الذي تُجرى في إطاره عمليات نقل أو زراعة الأعضاء.. وتعاني معظم الدول من عجز في عدد الأعضاء المتوفرة للزرع، مع قوائم انتظار طويلة. وقد ساهمت شبكة الإنترنت والإعلانات الشخصية، والإغراءات المالية من قبل المنتظرين، إلى زيادة الاهتمام بمخاطر بيع الأعضاء.. وفي الولايات المتحدة تختص إدارة الأغذية والأدوية الأمريكية (FDA) بتنظيم وتأمين عمليات زراعة الأنسجة فقط. وتهدف للوقاية من انتشار الأمراض المعدية، وفحص المتبرع، وتجهيز وتوزيع طعوم الأنسجة. وقد حظر القانون الوطني لزراعة الأعضاء عام ١٩٨٤ بيع الأعضاء. وفي المملكة المتحدة، صدر قانون مماثل عام ١٩٨٩، لكن حل محله قانون الأنسجة البشرية عام ٢٠٠٤. وفي عام ٢٠٠٧، صدرت توصيات مناهضة لبيع الأعضاء عن اثنين من أكبر المؤتمرات الأوروبية.

إن زراعة الأعضاء والأنسجة واحدة من أكثر مجالات الطب والجراحة أهمية، لما لها من جوانب مهنية، وأخلاقية، وقانونية، واستشرافية في آن واحد. فعبر عقود شهد ويشهد هذا المجال تراكمًا مهنيًّا وتقنيًّا باهرًا ومتلاحقًا ومتطورًا، لذا فمن المحتمل قريبًا، أن يكون هناك الإنسان الأعلى (السوبرمان) المتكامل وراثيًّا وإحيائيًّا، والإنسان الآلي (الفائق الذكاء والثقافة والأداء)، والسيبورغ الخليط من العقل البشري والأعضاء الطبيعية والأجهزة الصناعية.

(*) كاتب وأكاديمي مصري.