إن سنة الله عز وجل اقتضت أن لا يخلو زمن من الأزمان من مصلحين يرشدون الناس إلى هدي ربهم، ومن هؤلاء الشيخ النورسي رحمه الله تعالى ،وقد ذكر الدكتور الصلابي أن من بين الذين ساروا على نهج رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في تبليغ الرسالة وأداء الأمانة, ومكن الله لهم بين الناس حتى أدوا واجبهم في الدعوة إلى الله في العصر الحديث سعيد النورسى(1).

وقد كان لهذا الرجل العظيم تلاميذ كثر أخذوا عنه مباشرة ،بل إن سمعته الطيبة انتشرت في البلان الإسلامية، فقد ذكر الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في ذكرياته أنه عرف النّورسي بالسماع لا باللقاء(2).

إِن منهج الشيخ النورسي منهج يربط كل تصرفات الإنسان بالبعد العقدي، وهذا الارتباط له أثر عظيم سيتضح خلال الأسطر القادمة.

إن هذا الإِنسَان حسب الشيخ النورسي يمثل أعظم مقصد من المَقَاصِد الإلهية فِي الْكَونْ، وخلق لوظيفة العبادة، التي هي حق الله على العبد، والسر في تخصيصه بهذه الوظيفة لأنه هو المؤهل لإدراك الخطاب الرباني حسب الشيخ النورسي.

وإذا كانت العبادة بين العبد وخالقه لا واسطة فيها، فهذا يدل على أن الإخلاص شرط ضروري من شروط تحقيق العبادة الحقة عنده.

وقد بين الشيخ النورسي حقيقة الإخلاص في العبادة فقال: إن تفعل لأنه أُمر بها، وإن اشتمل كل أمر على حِكَم، كل منها يكون علة للامتثال، الا ان الاخلاص يقتضي ان تكون العلةُ هي الأمر، فإن كانت الحكمةُ علةً فالعبادة باطلة، وان بقيت مرجِّحة فجائزة(3).

فإذا اعتبرنا أن الانسان المسلم له مناسبات ثابتة وارتباط قوي مع كل المسلمين، فإن هذا حسب الشيخ النورسي سبب لأخوة راسخة ومحبة حقيقية بسبب العقائد الايمانية والملكات الاسلامية، إلا أنه ذكر أن سبب ظهور تلك العقائد وتأثيرها وصيرورتها مَلَكة راسخة هي العبادة، ولهذا يمكن اعتبار العبادة عنده هي السبب لانبساط روح الإنسان وجلاء قيمته وبالتالي سعادته الأبدية.

وفي هذا السياق فإن الإنسان الذي يسعى إلى تهذيب ميوله ونزاهتها يحركه البعد العقدي، بل إن العبادة وسيلة لتحقيق آماله وجعلها مثمرة ريانة.

ومن الناحية الفكرية فهي الواسطة لتنظيم أفكاره وربطها، وبالتالي استقامة فكر الإنسان، أما من الناحية النفسية فهي السبب لتحديد قواه وإلجامها، وبالتالي فهي المناعة الطبيعية ضد كل ما يستهدف هذا الانسان.

وبهذا يمكن أن نقول: إن العبادة عند الشيخ النورسي هي موصل البشر إلى شرفه اللائق وكماله المقدر، إذا كانت بالوجدان والعقل والقلب والقالب، ولكل هذا دعا الشيخ النورسي إلى أنه ينبغي أن يرغب فيها لأمرين:

-لأنها نسبة شريفة ومناسبة عالية.

-لأنها شكر وخدمة لمن هو يربيكم وتحتاجون اليه.

الهوامش:

(1) تبصير المؤمنين بفقه النصر والتمكين في القرآن الكريم (أنواعه – شروطه وأسبابه – مراحله وأهدافه): عَلي محمد محمد الصَّلاَّبي،ص48.

(2) ذكريات: علي بن مصطفى الطنطاوي (المتوفى: 1420هـ)ج8،ص80.

(3) إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز، بديع الزمان سعيد النورسي (المتوفى: 1379هـ)ص160.المحقق: إحسان قاسم الصالحي.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.