لا شك أن للخطاب الدعوي أهمية عظمى في إصلاح الفرد والمجتمع، وتوجيهه إلى ما فيه صلاحه في الدنيا والآخرة.

ويأتي الخطاب الدعوي مُنبعثًا من مشكاة النبوة؛ ليُقَوِمَ السلوك الإنساني، فتنعكس آثارها على سلوك الفرد والمجتمع والأُمة.

ويأتي الخطاب الدعوي التجديدي أيضًا، ليحفز على العمل والإنتاج والإبداع في مجالات الحياة المختلفة؛ لأن العمل عنده بمثابة قيمةٍ عظمى؛ ليحقق بذلك مقصد العمارة والاستخلاف في الأرض الذي أوجده الله تعالى له.

ويأتي الخطاب الدعوي أيضًا، لينشر رُوح المحبة، والتواصل، والتقارب بين أفراد المجتمع، وينهي عن البغضاء والتحاسد والتدابر والتقاطع بين الناس أجمعين؛ ليحقق مقصد: (لتعارفوا).

ويأتي الخطاب الدعوي المعاصر أيضًا، ليجمع القلوب على حُب الأوطان، وغرس الانتماء في نفوس الأبناء، محفزًا الجميع على العطاء لرفعة شأن الوطن ورقيه ومجده وتقدمه.

ومن أهداف الخطاب الدعوي المعاصر أيضًا، تحصين الشباب من الأفكار المنحرفة المتطرفة التي تهدف في الحقيقة إلى إضعاف الدولة وإسقاطها، وذلك عن طريق تخريب عقول الشباب وتوجيههم نحو التوجهات المتطرفة فكريًّا وسلوكيًّا.

والشباب هم قُوة أي أُمة، وهم سواعدها، ومنبع عزها وفخرها وشرفها، فبدل من أن يكون الشباب في بلادنا أداة بناء وعمل وإبداع يكونوا أداة هدم وتخريبٍ وفساد داخل أوطانهم وبلادهم، وذلك عن طريق اعتناقهم للفكر المنحرف المتطرف، كأفكار الجماعات الإرهابية والتكفيرية أو الإلحاد وغير ذلك.

لذلك وجب علينا أن يكون خطابنا الدعوي المعاصر خطابٌ قوي، مؤثر، موجه، يسبقه إعداد قوي يواكب العصر والتقنيات الحديثة؛ ليؤدي وظيفته ورسالته السامية.

يأتي الخطاب الدعوي مُنبعثًا من مشكاة النبوة؛ ليُقَوِمَ السلوك الإنساني، فتنعكس آثارها على سلوك الفرد والمجتمع والأُمة.

وإذا كان خطابنا الدعوي خطابًا تقليديًا فلن يؤتي الثمرة المرجوة منه، ولن يحقق النتائج المستهدفة منه أيضًا.

لذا وجب علينا أن نبحث عن آليات النجاح ونُطورها ونُجددها؛ لتواكب تحديات العصر، واحتياجات الفرد والمجتمع والدولة.

والفئة التي تختص بدارسة العلوم الشرعية المؤصلة في الأزهر الشريف وجامعته العريقة هي في الحقيقة أعدادٌ قليلة بالمقارنة إلى غيرهم في الجامعات الأخرى، الغير معنية بدراسة العلوم الشرعية.

والقطاع الأكبر من عموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها غير متخصصين في دراسة العلوم الشرعية؛ إذ يصل إليهم الخطاب الدعوي، والآداب والمعارف الإسلامية عن طريق الوعظ والإرشاد والدعوة.

لذلك وجب علينا أن نهتم كثيرًا بخطابنا الدعوي؛ وذلك لأسبابٍ كثيرة، منها:

-تعليم المسلمين أمور دينهم.

– تزكية النفوس.

– إصلاح ما فسد واعوج من الأخلاق.

– إنارة العقل الإسلامي بالمعارف الصحيحة عن الدين وعن الحياة؛ حتى لا يقع الشباب المسلم فريسة للأفكار المنحرفة كالفكر الإلحادي والجماعات التكفيرية، وداعش وغيرها من جماعات الضلال.

إذا كان خطابنا الدعوي خطابًا تقليديًا فلن يؤتي الثمرة المرجوة منه، ولن يحقق النتائج المستهدفة منه أيضًا.

– تربية النشء المسلم تربية إسلامية صافية صحيحة؛ ليكونوا في المستقبل لبنات صالحة في صرح الأمة الإسلامية الشامخ.

– المشاركة في علاج كثيرٍ من المشكلات والقضايا الهامة التي تخص الأسرة والمجتمع والدولة.

ومن أهم آليات نجاح خطابنا الدعوي المعاصر:

  • بناء الاستراتيجية:

وذلك عن طريق وضع خطة للعمل الدعوي، وتحديد الأهداف، والوسائل المتاحة؛ للوصول للنتائج المستهدفة.

وعمل استكشاف دوري للمشكلات الأسرية والاجتماعية أو القضايا الوطنية، للتعرض لها، والقيام بالدور الفعال والبناء في المشاركة في مواجهتها والمساهمة في وضع الحلول لها.

2- الإعداد الجيد:

فيلزم الداعية أن يقرأ عن المسألة أو القضية التي يريد أن يتكلم عنها، ويُلم بها بكل أبعادها وجوانبها جيدًا؛ ليكون بمثابة الطبيب أو الجراح الذي يعالج المشكلات المجتمعية أو النفسية أو الإنسانية.

فيجد عند ذلك آذانًا صاغية؛ لأنها تسمع كلامًا منمقًا، مُرتبًا، صحيحًا، وليس حشوًا أو تكرارًا لما سبق.

ثم في نهاية عرضه للقضية التي يتحدث عنها يعرض على جمهور المشاهدين أو المستمعين كبسولة العلاج أو الحل لهذه القضية، تتمثل في خطوات محددة.

ويلزم الداعية أن يقرأ في العلوم الإنسانية ويستوعبها جيدًا كعلم النفس وعلم الاجتماع فهذه العلوم هي أدواته التي سيعمل بها في علاج القضايا المجتمعية.

  • اللغة المحببة المنضبطة:

وأعني بذلك: أن تكون لغة الداعية لغة جاذبة، وقريبة وبسيطة، ليست بالمتقعرة أو الغليظة أو الجافية وليست بالعامية الرديئة أو الركيكة بل هي وسط، لغةٌ لا تصنع حواجز بين الداعية والمدعوين، لغة تذيب الحواجز وتخترقها، لغة سهلة يسيرة قريبة إلى أفهام وعقول المستمعين أو المشاهدين.

فعلى الدعاة أن يتكلموا بلغة عصرهم، لا يخاطبون الناس وكأنهم من أزمان وقرون ماضية، كلا!

فهذا هو القرآن الكريم وهو يتحدث عن بعثة الرسل، قال تعالى:  ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم : 4).

فكان من حكمته تعالى أن يرسل الرسول بلغة قومه إن كان عربيًا فعربيًا، وإن كان أعجميًا فعجميًا، وإن كان سريانيًا فسريانيًا؛ ليبين لهم الذي أُرسل إليهم؛ ليتخذ ذلك الحجة عليهم.

والدعوة في العصر الحاضر الذي انشغل فيه كثيرٌ من  الناس بشواغل الحياة الدنيا وأزماتها ومشكلاتها، سواء كانت بسبب العمل أو الأسرة، أو بسبب وسائل الترفيه الحديثة والإنترنت التي أفنت أوقات الناس وأعمارهم، تحتاج الدعوة إلى لغةٍ جذابةٍ، لغةٍ تجذب الذين جرفهم تيار الحياة وشواغلها إلى رحاب وكنف الله عز وجل.

لغةٍ تحمل بين طياتها الكلمة الطيبة، والبسمة الحانية، والشفقة الصادقة، والأمل في الله –عز وجل- في إجابة الدعاء وتفريج الكربات، وتيسير الأرزاق، والبركة في المال والولد.

4- التيسير والتبسيط:

وأعني بذلك تبسيط وتيسير ما يلقيه الداعية على المدعويين من معارف وعلوم ومواعظ، فيكسب جمهوره من المستمعين أو المشاهدين معرفة جديدة في الدين أو الحياة، ويرغبهم كذلك في متابعة ما يلقيه عليهم والتواصل معه باستمرار.

على الدعاة أن يتكلموا بلغة عصرهم، لا يخاطبون الناس وكأنهم من أزمان وقرون ماضية.

إن الجامعات في البلاد الإسلامية تمتلئ بالأستاذة في شتى العلوم، ولكن ما هو العدد الذي يعرفه الناس من هؤلاء، ويتعلموا منه، ويتابعوا كتاباته أو يشاهدوا حلقاته؟

بالمقارنة إلى مجموع أعداد أستاذة الجامعات تجد أن البون شاسعٌ جدًا، مع أننا في حاجة ماسة إلى علمهم وأفكارهم، وهم يمتلكون من العلوم الكثير في جميع تخصصاتهم.

إذن هنالك مشكلة تتمثل في أن لدينا قطاع من العلماء يمتلكون العلم والمعرفة، وقطاع آخر من المتعلمين أو المدعوين في حاجة إلى علم هؤلاء وفكرهم وإرشادهم، وهم لا ينتفعون بكثيرٍ من علمهم وأفكارهم.

5- المعاصرة:

وأعني بالمعاصرة أن يكون الداعية واحدًا من أفراد المجتمع، يعيش معهم زمنهم، ويتحدث عن القضايا التي تمس حياتهم اليومية، ويساعد في مشكلاتهم بما يعرضه من خطاب دعوي معاصر.

فربما تجد أحدهم يلبس ثياب بلدٍ آخر أو عصرٍ مضى، أو طريقةٍ أفلت، فيصنع بذلك حواجز كثيرة بينه وبين المدعوين، مما يؤثر سلبًا على خطابه الدعوي.

لذا تجد الدعاة الناجحين إعلاميًا في حلقاتهم وبرامجهم يتسمون بالمعاصرة، في عنوان البرنامج أو الديكور أو الثياب التي يلبسونها.

وتجد أن الفقهاء قديمًا يؤصلوا قاعدة العرف: (المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا).

فلا تضع نفسك في معزلٍ عن الناس بلغتك أو ثيابك أو نوعية برنامجك أو طريقتك، كسر كل الحواجز التي بينك وبين الناس لتصل إلى قلوبهم وعقولهم.

 

6- الرؤية الدعوية:

وتتمثل في العمل وفق مقاصد الشريعة والإسلامية، فينطلق الداعية واضعًا نصب عينيه هذه المقاصد، وهي الحفاظ على: (النفس والعقل والدين والعرض والمال).

فتكون دعوته في فحواها وأطروحاتها داعيةً إلى هذه المقاصد، ومفعلةً لها، ومبينة لها؛ وبهذه الطريقة يرى غير المسلمين عظمة الإسلام في دعوته ورسالته، بخلاف ما يرون من الجماعات التكفيرية والإرهابية وما يصدرونه للعالمين من إرهابٍ وفزع.

وكذلك: على الداعية أن يُفعل القواعد الفقهية في أحكامه وموضوعاته، مثلك الضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، وإذا ضاف الأمر اتسع، ويتحمل الضرر الخاص لرفع الضرر العام، وغيرها من القواعد.

تجد الدعاة الناجحين إعلاميًا في حلقاتهم وبرامجهم يتسمون بالمعاصرة، في عنوان البرنامج أو الديكور أو الثياب التي يلبسونها.

وكذلك: على الداعية أن يكون ملمًا بأصول الفقه، فيبدأ في موضوعاته بالأصول قبل الفروع، والواجبات ثم المندوبات، وأن يأخذ بالراجح ويترك المرجوح، ويميز بين العام والخاص، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك من الأحكام الهامة في هذا الباب.

7- الكفاية الكريمة:

وأعني بذلك كفاية الداعية علميًّا وماديًّا، فتقدم للداعية الدورات المتخصصة المستمرة ليواكب العصر، وليطلع على القضايا الهامة التي تخص المجتمع في كل المجالات.

وكذلك الكفاية المادية: فيجب أن يعطى راتبًا يكفيه، فلن يؤدي داعية رسالة سامية ذو تأثير، وهو شارد الذهن والفكر في مشكلاته الخاصة، فربما يكون مدينٌ أو لا يجد ما يسد رمق أولاده ومصروفات تعليمهم وعلاجهم، أو يمد يده للمحسنين من المدعوين، فهذا لا يليق أبدًا بأصحاب الرسالات السامية.

لذلك أوقف الآباء والأجداد الأوقاف على المساجد والمدارس العلمية وغيرها لهذا الأمر.

8- مفاتيح النجاح:

فكل شيءٍ مُغلق كالباب مثلاً له مفتاح يفتح به قطعًا، فهل للنجاح من مفاتيح؟

نعم… للنجاح مفاتيح؛ لذلك يجب على الدعاة أن يبحثوا عنها ويمتلكوها.

  • المفتاح الأول النية الطيبة والعمل الصالح

فرق كبير بين داعية يحمل في قلبه نية طيبة لإرشاد الناس وموعظتهم ونجاتهم من مهالك الحياة الدنيا، وداعية آخر كل همه جمع المال، أو الشهرة أو الوصول لمنصبٍ مهم.

  • المفتاح الثاني الصدق

فلابد قبل أن يدعوا الناس إلى خُلق ما، يجب عليه أن يتجسد فيه هذا الخُلق؛ ليرى الناس صدقة فيتأثروا ويتفاعلوا مع كلماته وأقواله.

– المفتاح الثالث طريقةُ العرض ووقته

هناك فرق بين أن تتحدث بين جمهور من المدعوين من قلب الريف أو الصعيد، أو الأحياء الراقية، أو أن تتحدث بين جمهور من طلاب الجامعة، أو بين مجموعة من الحرفيين أو المزارعين والفلاحين، فكل فئةٍ لها خطابها ونوعية الموضوعات التي تهمها، والأسلوب الذي يجذب انتباهها.

يأتي الخطاب الدعوي أيضًا، لينشر رُوح المحبة، والتواصل، والتقارب بين أفراد المجتمع، وينهي عن البغضاء والتحاسد والتدابر والتقاطع بين الناس أجمعين؛ ليحقق مقصد: (لتعارفوا).

وكذلك اختيار وقت العرض ومراعاة المناسبات الدينية والاجتماعية والوطنية، فيغتنم الداعية هذا الوقت حيث يجد من القبول وحسن الاستماع وسرعة الاستجابة أفضل ما يكون في غيره من الأوقات.

  • المفتاح الرابع الاستفادة من التجارب السابقة

للدعاة الناجين كالشيخ الشعراوي رحمه الله، والدكتور أحمد عمر هاشم، والدكتور علي جمعه، وغيرهم الكثير من أعلام الأزهر الشريف، الذين ملئوا الساحة الدعوية علمًا ودعوة وحبًا.

وأخيرًا: هذه بعض الآليات وهي كثيرة ومتنوعة؛ لذلك يجب علينا أن ندرك أهمية العمل الدعوي وأثره في حياتنا؛ ليقوم الدعاة بالدور التنويري والإرشادي والإصلاحي في مجتمعاتهم، فيعم السلام والأمن الاجتماعي والفكري بلادنا إن شاء الله.

 

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.