قيل عن الفن إنه لغة عالمية تتجاوز كل الحدود والحواجز اللغوية والثقافية، وإنه يمسح غبار الحياة اليومية، وإنه أداة أو سلاح سحري في يد الجماعات الإنسانية في صراعها للبقاء، كما قيل أيضًا إن للفن عدوًّا دائمًا ومتربصًا اسمه الجهل.
وأما عن العلم، فقد قيل عنه إنه الخير، وإن الجهل هو الشر، وإنه يضع حدودًا للمعرفة، لكنه لا يضع حدودًا للخيال، وإن من ذاق ظلمة الجهل يدرك أن العلم نور. ورغم أنهما يبدوان وكأنهما مختلفان في تخصصهما، فإن العلاقة بين الفن والعلم تُعد علاقة آسرة ومعقدة، وأكثر ترابطًا مما قد يظنه الكثيرون، ويصعب فصلهما عن بعضهما بعضًا.
ماهية الفن وماهية العلم
يمكن تعريف الفن بأنه تعبير ما عن انفعال في قالب ما، قد يكون في الشكل أو اللفظ أو الحركة أو اللون أو الكتلة أو الصوت… إلخ، وكل تلك القنوات يخرج من خلالها التعبير ويتدفق، محمّلاً بشخصية وأسلوب المبدع أو الفنان، وبالتجربة المميزة التي حركته، والتي أصبحت قادرة، عبر ممارسة الفن، على تحريك آخرين من الناس، دون التقيد بزمان أو مكان. وعلى الدوام يرتبط الفن بالإبداع والخيال والتعبير الجمالي، وقد يشمل الفن مجموعة واسعة من التخصصات وأشكال التعبير التي تظهر التفسيرات الذاتية والعواطف والجماليات والسياقات الثقافية، كالأدب والشعر والرسم والنحت والتمثيل والمسرح.
وكلها في حد ذاتها مساعٍ فنية، تهدف إلى استحضار جملة من الأحاسيس لإثارة الفكر، أو لنقل الأفكار، أو توصيل الخبرات، ما يوفر وسيلة للأفراد لاستكشاف تصوراتهم ووجهات نظرهم للعالم والتعبير عنها.
وعن العلم، فيمكن تعريفه بأنه محاولة لفهم الظواهر وتفسيرها، انطلاقًا من الملاحظة الدقيقة والتجريب والتحليل، وعبر ترجمة عقلانية للعلاقات التي تقوم عليها الأشياء المختبرة وتحديدها من ناحيتي الكم والكيف، لتصبح قادرة بشكل موضوعي على خدمة البشرية.
كما يخضع للتداول بين سائر الناس، والعلم يتضمن أيضًا دراسة بنية العالم المادي الطبيعي وسلوكه وعملياته، معتمدًا في ذلك على منهجيات صارمة في التفكير المنطقي والأساليب العلمية، لصياغة الفرضيات واختبارها وتطوير النظريات، واكتشاف المعرفة حول عمل الكون. وهناك من يرى أن العلم هو الطريقة المثلى للاتفاق على أمرين من الأمور الحياتية التي يختلف فيها البشر، وهو الطريقة التي يمكنها إزالة الشك باليقين، وربط الأسباب بالنتائج، والتعصب بالحياد الموضوعي، وحسم الجدل بالدليل، ومحو الخوف بالطمأنينة.
خوضهما تجربة مميزة
باستعراض ما ورد في التعريفين السابقين، يتضح أن كلًّا من الفن والعلم يبدأ بمثير يحرك الفنان والعالم، وكلاهما يخوض تجربته المميزة، لينتهي بالنتائج المميزة، وكلاهما يمر عبر عملية إبداعية قوامها خبرة إنسانية بكل أبعادها.
فالغرض من الفن الإلهام وإثارة الفكر، واستحضار المشاعر والتواصل بالأفكار، من خلال التعبير الذاتي وتعزيز التأمل الثقافي والتعاطف والتغيير الاجتماعي ومحاولة محو الصعاب، بينما يسعى العلم إلى استكشاف العالم الطبيعي بمنهجية، واكتشاف المعرفة بموضوعية، وتعزيز فهم البشرية للكون، ما يؤدي إلى التقدم التكنولوجي والتطبيقات العلمية والنمو الفكري.
علاقة سليمة دون شوائب
في حديث الرسام البريطاني جون كونستابل (1776–1837م)، عضو الملكية الأكاديمية للفنون، عن وجود علاقات تاريخية وثيقة بين الفن والعلم الحديث، فهو يشير إلى أنها علاقة تبدو سلمية تمامًا، وخالية من أي شوائب أو مهاترات. يقول كونستابل: «إن الرسم علم، وينبغي اعتباره بحثًا في قوانين الطبيعة، فلماذا لا نعد لوحة لمشهد طبيعي فرعًا من فلسفة الطبيعة، تكون فيها الصور تجارب؟».
ومن جانبه، يوافق الكاتب والمؤرخ البريطاني إرنست هانز غومبريتش (1909–2001م) هو الآخر هذا الكلام، إذ يقول: «إن الرسم في التراث الغربي كان يُعد علمًا، تُطبَّق كل أعمال هذا التراث التي نراها معروضة في المجموعات العظيمة، اكتشافات جاءت نتيجة تجريب مستمر».
وغومبريتش هذا أحد أبرز مؤرخي الفن في القرن العشرين، وله كتاب شهير اسمه «قصة الفن»، مقسمًا إلى (27) فصلاً، ونُشر أول مرة عام 1950م، وطُبع (16) مرة، وتُرجم إلى أكثر من (30) لغة، يتناول فيه بالشرح الدقيق تاريخ الفن من أقدم العصور حتى العصر الحديث، وذلك الكتاب عُدَّ أفضل ما يحاكي تاريخ الفن على مر العصور.
أينشتاين: عالم وفنان
يصف عالم النفس التشيكي ماكس فيرتهايمر (1880–1943م) العلاقة بين الفن والعلم بقوله: «إن المعطيات التي تنتهي بالشاعر إلى إبداع القصيدة، وتلك المعطيات التي انتهت بأينشتاين إلى اكتشاف نظرية النسبية، هي معطيات واحدة وذات منهج واحد، وإن اختلف أسلوب الصياغة أو مضمونها، من الصياغة الوجدانية في الشعر إلى الصياغة الرمزية في العلم، فسنجد أن الإبداع في كل منهما مصحوب بتوتر ناتج عن فقدان الاتزان، بسبب وجود عوامل غامضة ومجهولة في المجال، ويؤدي استمرار الرغبة في خفض هذا التوتر إلى بلوغ الفعل لنهايته».
ويتذكر فيرتهايمر أن عملية الإبداع لدى أينشتاين ولدى الفنان، رغم اختلاف وسائل التعبير في كل منهما، من أسلوب التعبير في الفن إلى أسلوب التعبير الرمزي في العلم، هي ثراء لديهما، مشددًا على أن عدم تقيد كليهما بإطار جامد من مراحل مسبقة لعملية الإبداع، واتباعهما منهجًا تكامليًّا، لا يضيّع مظهر الثراء في تلك العملية الحيوية بتفتيتها وتجزئتها.
وانتهى فيرتهايمر إلى نتيجة عامة تؤكد أن فعل الإبداع لا يختلف في النوع عن أنواع النشاط النفسي الإبداعية التي تتصف بالتكامل؛ من حيث إن مجرد بدء أي نشاط من هذه الأنواع من الأنشطة، التي يكون لها مظهر النشاط الكلي أو النشاط المنظم الذي يمضي نحو هدف محدد، يجعل سلوك الفنان والعالم مستمرًّا إلى أن يتم هذا النوع من النشاط؛ لأنه يولد توترًا هو تعبير عن ميل إلى الإكمال، ويستمر ذلك التوتر قائمًا، ولا يزول إلا باكتمال هذا النشاط، واكتمال فعل الإبداع لدى الفنان والعالم.
تفكيرهما خارج الصندوق
من الملاحظ أن رؤية الإنسان العادي لشيء من الأشياء الظاهرة والموجودة من حولنا، مثل الزهرة، هي رؤية عامة ونمطية، أما بالنسبة للفنان التشكيلي، على سبيل المثال، فتكون رؤية مثيرة ومحفزة من نواحي الشكل أو اللون أو الملمس أو الحجم، وعلى قدر الإثارة وعلى نوعيتها قد يتدفق العمل الفني الذي يحمل في طياته نبض الفنان، بل وإظهار أهم الخصائص التي أثارته، ما يدعوه إلى التعبير عنها بصورة بصرية أو رمزية أو تجريبية.
وحالة ما إذا كان هذا الفنان أديبًا أو شاعرًا، عند ذلك تصبح الزهرة مصدرًا من مصادر إلهام خياله أو حلمه أو حبه، وتصبح مدخلاً لمعانٍ ومشاعر إنسانية تربط جمال الطبيعة بالهدوء والراحة النفسية، وذلك يكون عندما يتغزل الشاعر في محبوبته، ويستلهم من تلك الزهرة شبهًا لها، سواء في رقتها ووداعتها وزهوها وعطرها ورحيقها.
وأما بالنسبة للعالم، فعندما يُستثار بالزهرة، فهو يمر بمراحل فكرية، حيث يلاحظ ويحدد، ويشرح ويحصي، ويجرب ويستنتج، ويعمم ويسمي، ويصنف ويفسر. والعالم يعمل على الاستقراء بطريقته، ليستنتج من محل الظواهر المتشابهة الخواص المشتركة ويعممها، أو أنه يستخدم طريقة القياس، ليطبق المعرفة المسبقة والقوانين المعروفة التي تكشف الظواهر الشاملة، ما يعني أن العالم في كل الحالات يعمم، ومدخله في إيجاز الملاحظة والتعميم.
والعالم يبحث في معرفة بذرة الزهرة والدورة التي يتم بها غرسها، ويبحث كذلك عن خصائص التربة التي غُرست فيها، كما يبحث أيضًا عن الخصائص التي تسهّل عملية إنباتها، وفي الوقت نفسه يقارن بين التربة الصالحة للإنبات والتربة غير الصالحة، وهكذا يفعل العالم.
وبذلك ظهر تقاسم الفن والعلم المهارات المشتركة التي تشكل جزءًا لا يتجزأ من عملياتهما الإبداعية، وتلك المهارات تشمل التفكير الإبداعي والتحليلي، وحل المشكلات، والتفكير النقدي، والتصور، والتواصل، وكل هذه المهارات تؤدي إلى سد الفجوة بين الفن والعلم، وتعزيز التعاون بين التخصصات، وفتح إمكانات جديدة للفهم والإلهام والإبداع؛ لذلك يلزم قيام الفنان والعالم بالتفكير خارج الصندوق، وتحدي التقاليد، واستكشاف الإمكانات المبتكرة.
تشابكهما لخلق أجمل الروائع
دائمًا ما يلحظ الفنان التشكيلي كل الأشياء من حوله، كالأرض والسماء والبحار والمخلوقات، فهو يلاحظ أنظمتها الجمالية، ليشرح من أوضاعها الجزئية بعض القيم العامة التي تعبّر عن الجمال. وخير مثال ما جسده ليوناردو دافنشي (1452–1519م)، فنان عصر التنوير، في العديد من لوحاته، من مدى اهتمامه بالتفاصيل الدقيقة، بدءًا من ملامح الكون، وانتهاءً بالتشريح البشري والتعبير، والفنان في تلك الحالات يعمم بقدر ما يجرد، ويدمج المتوافقات ويضبط الحركة إيقاعيًّا.
والملاحظ هنا أن استفسارات دافنشي العلمية، التي تحوي الدراسات التشريحية، قد أثرت بشكل كبير في مبادئ الهندسة، بعد استخدامه المبادئ الرياضية في أعظم أعماله الفنية، وطبّق المهارات الفنية على اختراعاته العلمية المذهلة، وتدوينه لأفكاره في دفاتر ملاحظاته، التي عُدّت فيما بعد مرجعًا للعديد من الاختراعات العلمية، وكان العديد منها بمنزلة مقدمة للأدوات التكنولوجية الحديثة. وأعمال دافنشي أوضحت أن الفن والعلم ليسا مسارين متباعدين، بل يعملان بالتزامن وجنبًا إلى جنب، وأنهما يتشابكان لخلق أجمل الروائع.
الرقمية وتوسيع الإمكانات الفنية
في العصر الحديث، استمرت العلاقة بين الفن والعلم في التطور، فقد أدى ظهور التصوير الفوتوغرافي والأفلام والوسائط الرقمية إلى توسيع الإمكانات الفنية، ومزج التعبير الفني بالتقدم التكنولوجي، حيث استوحى الفنانون بصورة متزايدة الإلهام من المفاهيم والنظريات والاكتشافات العلمية، وقاموا بدمجها بأعمالهم.
وعبر استكشاف المفاهيم المجردة كالفيزياء الكمومية، إلى فحص القضايا البيئية والتقدم التكنولوجي، بات الفن وسيلة لمعالجة التطورات العلمية والمجتمعية والتأمل فيها. فنرى أن اختراع القلم علم، لكن الكتابة أو الرسم به هو الفن، واختراع الكاميرا علم، لكن استخدامها في الصورة هو الفن ذاته، واختراع التلفاز علم، لكن برامجه المتعددة هي الفن.
وفي القرن العشرين والحادي والعشرين، أحدث اختراع الوسائط الرقمية ثورة كبرى في الممارسات الفنية، التي ساعدت نفرًا من الفنانين على استكشاف المفاهيم العلمية، بل وأعانتهم كثيرًا على التفاعل مع البحوث المتطورة، وأوجدت لهم أسباب معالجة القضايا الاجتماعية والبيئية الملحّة بفضل أعمالهم الفنية.
والتقنية الرقمية المتمثلة في الشاشة والحاسوب فتحت آفاقًا جديدة للفنانين، مكّنتهم من التواصل مع العالم عبر الشاشة، التي أظهرت الواقع الاجتماعي بصياغة معاصرة، وشكّلت رؤية الفنان الحديثة، ما أدى إلى زوال أساسيات دخول عالم الفن، التي كان أهمها دراسة تاريخ الحركات الفنية، والتدريب على أعمال الفنانين الكبار. وبمجيء عصر المعلوماتية، اكتفى الفن بالانزواء والعمل بدور فرعي، ومن ثم باتت طريقة مجنّدة تعمل لمصلحة التقنية والرقمية، لتختفي معها الذات الإنسانية في مواجهة التقنية، وذلك عُدَّ انتصارًا على الذات الإنسانية.
خلاصة القول:
رغم تقاطعهما واختلاف تخصصهما، فإن الفن والعلم مترابطان بطرق مختلفة، ويلتقيان معًا داخل ائتلاف واحد، ويشتركان بخيوط مشتركة توضّح تأثيرهما المتبادل واعتمادهما على بعضهما البعض. فالفنانون يستلهمون المفاهيم العلمية ليدمجوها بتعبيراتهم الفنية، بينما العلماء يلاحظون ويحددون، ويطبقون المعرفة والقوانين الطبيعية، ما يعني أن الفنانين والعلماء يتقاسمون التركيز على الملاحظة والإدراك، لالتقاط التفاصيل وفهم العالم بصورة أوضح.
وكلما زاد ترابط الفن والعلم كان العالم أكثر إنسانية، ولأن الفن أكثر موضوعية، فحين يلتقي الاثنان معًا، فإن خيرهما يقع على البشرية، لإسعادها وإمتاعها في الحياة.
الهوامش
(1) أسرار الفن التشكيلي، (طـبعة: 2)، د. محمود البسيوني، عالم الكتب، (القاهرة)، 1994م.
(2) العوالم الرمزية، الفن والعلم واللغة والطقوس، تعريب: عبد المقصود عبد الكريم، مؤسسة هنداوي، (القاهرة)، 2024م.
(3) الإبداع في الفن والعلم، د. حسن أحمد عيسى، عالم المعرفة (24)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، (الكويت)، 1979م.


