الحر الشديد وجسم الإنسان

جاء الصيف هذا العام، حيث اشتدت حرارة الجو بسبب تغيُّر المناخ الذي جعل موجات الحر أكثر تواترًا، وأطول، وأعنف. وكالعادة، مع قدوم الصيف واشتداد حرارة الجو، تتردد التساؤلات نفسها حول كيفية المحافظة على صحتنا في فصل الصيف.

إن الحر الشديد هو أشد أنواع المناخ فتكًا، وهناك حقائق متعلقة بالحر الشديد تكشف وتوضح سبب خطره، وما يمكن للمدن أن تفعله للتأقلم معه. فقد كشفت دراسة رصدية عن العلاقة بين موجات الحر والاضطرابات النفسية.

كما حذرت دراسة دولية أخرى جديدة من أن موجات الحر الشديدة والممتدة قد تؤدي إلى زيادة حالات دخول المستشفيات بسبب الاضطرابات النفسية والسلوكية، في الوقت الذي تشهد فيه مناطق واسعة من الولايات المتحدة وأوروبا ارتفاعًا حادًّا ومتكررًا في درجات الحرارة. وحلّل الباحثون أكثر من 2.6 مليون حالة دخول إلى المستشفيات خلال المواسم الدافئة في 852 موقعًا بالبرازيل وكندا وتشيلي ونيوزيلندا، في أول دراسة تقارن عبء الاضطرابات النفسية المرتبطة بموجات الحر عبر عدة دول. وقال المؤلف المشارك في الدراسة، «يومينج جوه»، إن العلاقة بين موجات الحر ودخول المستشفيات بسبب الاضطرابات النفسية والسلوكية كانت أكثر وضوحًا بين كبار السن وسكان المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة.

هناك أمراض تتأثر بالفصول المختلفة؛ فمثلاً توجد أمراض تتأثر بفصل الشتاء، وأخرى بفصل الصيف. وبالنسبة للأخير، فتنقسم إلى مجموعات، هي: أمراض مناعية مرتبطة بالجهاز المناعي، وأمراض نسميها بأمراض الحساسية.

وبالنسبة للأمراض المناعية، توجد أمراض ناشئة عن خلل الجهاز المناعي، وتظهر على الجلد بقع حمراء تكسوها قشور تشبه الصدف، ولذلك سُمّيت صدفية. وهو مرض غير معدٍ، ولكنه ناشئ عن نشاط زائد في الجهاز المناعي. وتبيّن أن تعرّض المرضى لأشعة الشمس، خصوصًا أثناء الصيف بعد الشروق وقبل الغروب، والاستحمام في مياه البحر، يَشفي المريض من هذا المرض. ولهذا ننصح مرضى الصدفية بالذهاب إلى الشواطئ، والاستحمام في المياه، والجلوس في الشمس الهادئة حتى يشفوا.

وعلى العكس من هذا، نجد أمراضًا تتأثر بأشعة الشمس في الصيف وشدة الحر، مثل مرض الذئبة الحمراء، والمريض به ممنوع من التعرض لأشعة الشمس؛ لأن هذا يزيد من حدة المرض، حيث تظهر عليه بقع حمراء تشبه الفراشة على منطقة الخدين والأنف والجبهة، ويؤدي التعرض للشمس إلى زيادة حدة المرض.

ويُعد مرض الحزاز الضوئي من الأمراض المناعية، ويظهر على هيئة بقع لونها بنفسجي تصاحبها حكة، خصوصًا في منطقة العين والساقين، وتزداد مع التعرض للشمس. فإن شمس الصيف لها سلبيات وإيجابيات، ومن هنا نجد أن شمس الصيف الشديدة الحرارة أحد العوامل المهمة التي تلعب دورًا في الإصابة بالأمراض الجلدية في فصل الصيف.

وإذا نظرنا إلى مخاطر الشمس على الجلد، نجد أن جلد الإنسان قد يتأثر بالتعرض المباشر للشمس الشديدة الحرارة، فتأخذ هذه التأثيرات شكل التهابات وحروق. ونجدها عند الأطفال الصغار؛ فعندما يذهب الأطفال إلى المصايف ويجلسون على الشاطئ، نجد أن جلدهم قد يتسلخ وكأنه محروق، وهذا نتيجة تعرض الطفل مباشرة لحروق من أشعة الشمس.

وتصدر الشمس ثلاثة أنواع من الأشعة، خصوصًا البنفسجية، وهي: أشعة قصيرة الموجة، وأشعة متوسطة الموجة، وأشعة طويلة الموجة. والأشعة طويلة الموجة هي الأشعة المفيدة، وهي التي تصدر عن الشمس أثناء الشروق وقبل الغروب.

الأشعة المؤذية

إن الأشعة القصيرة والمتوسطة تكون أثناء منتصف اليوم، وهي أشعة مؤذية جدًّا للجلد، وهي التي تسبب الحروق؛ ولذلك يُنصح بتجنب شمس حرارة الصيف الشديدة في الفترة من 10 صباحًا إلى 3 ظهرًا، خصوصًا بالنسبة للأطفال والفتيات والسيدات؛ لأن بشرتهن تكون أكثر حساسية من بشرة الرجل، وبالتالي فإن التعرض لأشعة الشمس في هذه الفترة مضرٌّ ببشرتهن.

هذا بالنسبة للتعرض للشمس على المدى السريع، أما التعرض للشمس على المدى الطويل، فخطر جدًّا على الجلد؛ لأنه ثبت أن تعرض الإنسان لأشعة الشمس لفترات طويلة قد يسبب الإصابة بالحساسية الضوئية المزمنة، وتظهر في صورة التهابات مزمنة.

من نعم الله علينا في مصر أن نسبة الإصابة بسرطان الجلد قليلة جدًّا؛ لأننا من ذوي البشرة السمراء الناجمة عن وجود مادة الميلانين التي تفرزها خلايا معينة داخل الجسم. ونلاحظ أننا بعد قضائنا عشرة أيام، مثلاً، في المصيف نقول إن جلدنا أصبح أسمر، والتفسير العلمي لذلك أن الخلايا المسؤولة عن إفراز مادة الميلانين تتحرك من الطبقة القاعدية إلى الطبقة العليا، فتكون شبكة من الخلايا الملونة التي تفرز الميلانين على الجلد، وتمتص أشعة الشمس وتعكسها، وبالتالي يحدث سمار الجلد. وهذه نعمة من الله، لكن تعرض الإنسان للشمس مباشرة لسنوات طويلة قد يؤدي إلى الإصابة بسرطان الجلد، وهذه حالات نادرة جدًّا في مصر، خاصة مع اشتداد حرارة تغيُّر المناخ.

وبالنظر إلى السيدات، نجدهن يفضلن الخروج في المصيف وهن واضعات المكياج والميكب، وهذه عادة في منتهى الخطورة؛ لأنه تبين أن المكياج عبارة عن مواد كيميائية، وعندما تضعها السيدة على جلدها وتخرج إلى الشمس في فترة الظهيرة، تتفاعل هذه المواد الكيميائية مع أشعة الشمس فوق البنفسجية قصيرة الموجة، علمًا بأن المواد المصنَّع منها المكياج منشطة للحساسية الضوئية، مما يجعلها تسبب حروقًا والتهابات وظهور البقع السمراء التي تعاني منها معظم السيدات.

وهناك أمر في منتهى الخطورة؛ فالخروج في فترة الظهيرة بالميكب، أو جلوس السيدة أو الفتاة على الشواطئ وحمامات السباحة في فترة الظهيرة وهن واضعات المكياج، أمر شديد الخطورة. وبالنسبة لمن لا يستطعن الخروج بدون مكياج، ننصح بوضع حاجبات الشمس، وهي عبارة عن كريمات أو محاليل توضع على الجلد، ثم يوضع عليها المكياج، حيث يمكن أن تخرج السيدة إلى الشمس دون الخوف من مضاعفات أشعة الشمس.

وننصح بضرورة وضع هذه الحاجبات قبل وضع المكياج والتعرض لشدة حرارة الشمس؛ لأن من ضمن خطورة التعرض للشمس لفترات طويلة أنها تسبب شيخوخة الجلد المبكرة. فمن ضمن أسباب ظهور التجاعيد مبكرًا على الجلد التعرض للشمس لفترات طويلة.

بين الحر ونزلات البرد

على الجانب الآخر، فإن التعرض لأشعة الشمس في فترة الصباح وقبل الغروب مفيد جدًّا للجلد؛ لأن التعرض لأشعة الشمس فوق البنفسجية طويلة الموجة يحوّل مادة «7-ديهيدروكوليسترول» الموجودة في الجلد إلى فيتامين «D»، ويؤدي إفراز هذا الفيتامين إلى خفض نشاط الجهاز المناعي. ولأن الصدفية، على سبيل المثال، يتسبب في الإصابة بها زيادة نشاط الجهاز المناعي، فإن أشعة الشمس في هذا الوقت تساعد على الشفاء منها، كما أنها تفيد الأطفال الصغار وتقيهم من الإصابة بلين العظام. ولهذا ننصح السيدات بتعريض أقدام أطفالهن الصغار لشمس الشروق وقبل الغروب حتى لا يصابوا بلين العظام.

أما عن تأثير الحر على الأطفال بشكل خاص، وارتفاع درجة الحرارة والرطوبة، فيعاني الأطفال من «حمو النيل»، الذي يحدث نتيجة تشبع الجو بالرطوبة، فيظل العرق بالجلد داخل الخلايا العرقية، فتمتلئ هذه الخلايا وتنتفخ، وبعد فترة تتفجر، فتظهر على هيئة حبوب حمراء بالجلد، تصاحبها رغبة شديدة في الهرش، خصوصًا في مناطق الرقبة والصدر وأسفل الإبط ومنطقة خلف الرقبة.

وإذا لم يتم الإسراع في علاجها، قد تتطور الحالة إلى الإصابة بالميكروبات، حيث تنمو عليها بكتيريا وتكون دمامل وخراجًا، مما يجعل الأطفال يحكون أو يهرشون حمو النيل، وتكون أظافر الطفل غير نظيفة، مما يجعل الميكروبات تتخلل الجلد وتصيبُه بالعدوى، ونضطر لعلاجها بالمضادات الحيوية.

وللوقاية من الإصابة بحمو النيل، يُنصح باستحمام الطفل مرتين يوميًّا، صباحًا وظهرًا، بمياه باردة من الحنفية مباشرة. فإذا تكرر ظهور «حمو النيل»، يُجعل الطفل يستحم بمياه باردة باستمرار، على أن تكون الغرفة التي سينام بها جيدة التهوية باستمرار، وينام على فوطة قطنية حتى تمتص العرق، وهو ما يقضي على حمو النيل، مع ارتداء الملابس القطنية الخفيفة البيضاء أو الفاتحة.

قد يعتقد البعض خطأً أن نزلات البرد تحدث في الشتاء فقط نتيجة برودة الجو، ولكن ما نشاهده فعليًّا هو حدوث نزلات البرد في فصل الصيف أيضًا، وذلك مرجعه أن نزلات البرد هي عدوى فيروسية تنتقل من شخص إلى آخر، وهي تكثر عادةً في فصل الشتاء؛ حيث إن برودة الجو تزيد من حيوية الفيروس المسبب للبرد.

وعلى هذا، فلا يوجد ما يمنع أن تحدث نزلات البرد بالتعرض المباشر لهواء المكيف البارد أو لتيار الهواء المباشر من المراوح، خاصة إذا كان جسم الشخص مبتلًّا بالعرق، فيسهل حينئذ حدوث نزلات البرد.

وللوقاية من نزلات البرد في فصل الصيف، يُنصح بتناول الأغذية المناسبة المشتملة على كل أنواع المواد الأساسية التي يحتاجها الجسم من بروتينات ونشويات وفيتامينات، وهي متوفرة في كل أنواع الفواكه والخضراوات الطازجة. كما يُنصح بعدم التعرض المباشر لهواء المكيف أو المراوح، خاصة عندما يكون الجسم مبتلًّا بالعرق.

الحر أشد أنواع المناخ فتكًا

كما يحدث مع اشتداد حرارة الشمس أمراض الجفاف، وارتفاع الحرارة، أو خلال فترات المرض والإجهاد، قد يشعر البعض بالدوخة أو الصداع أو الإرهاق غير المبرر، دون أن يخطر ببالهم أن السبب قد يكون شيئًا بسيطًا كالجفاف.

والجفاف ليس فقط فقدان السوائل من الجسم، بل هو خلل في توازن الماء والأملاح الضرورية لوظائف الأعضاء. ورغم بساطة أسبابه، فإن إهماله قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، خاصة للأطفال وكبار السن.

لا يُعد الشعور بالعطش المؤشر الوحيد على نقص السوائل، بل هناك أعراض جسدية ونفسية تظهر تدريجيًّا وتشير إلى إصابة الجسم بالجفاف، من أبرزها:

  • صداع مستمر.
  • دوخة عند الوقوف أو الحركة.
  • جفاف في الفم واللسان.
  • قلة التبول أو تغير لونه إلى الأصفر الداكن.
  • تعب عام وضعف في التركيز.
  • تشنجات عضلية مفاجئة.
  • انخفاض ضغط الدم في الحالات المتقدمة.

أما الأسباب الشائعة للإصابة بالجفاف، فأبرزها:

  • قلة شرب المياه طوال اليوم.
  • الطقس الحار وزيادة التعرق.
  • الإسهال أو القيء.
  • التمارين الرياضية المجهدة دون تعويض السوائل.
  • الحمى أو ارتفاع درجة الحرارة.
  • تناول أدوية مدرة للبول دون متابعة طبية.

وهناك طرق للعلاج المنزلي للجفاف:

في الحالات الخفيفة إلى المتوسطة، يمكن علاج الجفاف بسهولة من المنزل باتباع بعض الخطوات البسيطة:

– شرب الماء تدريجيًّا: البدء بتناول الماء بكميات صغيرة ومنتظمة كل 10-15 دقيقة، بدلاً من شرب كميات كبيرة دفعة واحدة.

– تحضير محلول معالجة الجفاف منزليًّا: إذ يُمزج لتر من الماء مع ملعقة صغيرة من الملح و6 ملاعق صغيرة من السكر، فهذا الخليط يساعد على تعويض الأملاح والمعادن المفقودة.

– الاعتماد على الأطعمة الغنية بالسوائل: تناول البطيخ، والخيار، والبرتقال، والحساء الدافئ، أو الزبادي؛ فكلها تساهم في ترطيب الجسم بشكل طبيعي.

– استخدام مشروبات مثل ماء جوز الهند أو الأعشاب: ويُعد ماء جوز الهند من أفضل السوائل التي تعوض البوتاسيوم والماغنيسيوم، كما يمكن شرب البابونج أو النعناع لتهدئة المعدة إذا كان الجفاف مصحوبًا بإسهال.

المراجع:

1- مجموعة نيتشر العالمية (Nature Portfolio) على منصة «نيتشر الصحية» (Nature Health)، قسم الرعاية الصحية (Nature Health Care)، عدد 16 فبراير 2026.

2- ورقة بحثية منشورة في مجلة العلوم الأسبوعية البريطانية «نيو ساينتست» (New Scientist)، العدد رقم 3601، 27 يونيو 2026.

3- Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change. Cambridge University Press, Cambridge, UK and New York.