مرضى الكبد وحوادث القيادة

تشير الأبحاث التي أُجريت داخل معامل النوم في كليات الطب المختلفة، إلى أن 90% من قادة المركبات الذين ارتكبوا حوادث مميتة أثناء القيادة، هم في الواقع قتلة مظلومون؛ لأنهم أصيبوا بأمراض ربما لا يعلمون بها، وبالتالي لا يخضعون لأي علاج. وقد بلغت نسبة الإصابة في العالم بتلك الأمراض نسبًا مرتفعة، وتأتي النسب في العالم العربي متقاربة مع النسب العالمية.

أخطر تلك الأمراض هو النوم المفاجئ “ناركوليبسي”، وهو مرض يصيب السائق بالنوم فجأة أثناء القيادة، من ثلاث إلى أربع مرات في اليوم. ويُطلق على هذا المرض عدة مصطلحات، منها “النوم المفاجئ” أو “التعسيلة” أو “النعاس القهري”. ويُعد من المضاعفات الشهيرة لإصابات المخ.

ومرض النوم المفاجئ يصيب -عادة- الأشخاص الذين اعتادوا العمل في وظائف مسائية لفترات طويلة، ثم انتقلوا فجأة إلى وظيفة صباحية. وهناك أسباب عضوية ونفسية وراء هذا المرض تختلف طرق علاجها من حالة لأخرى تبعًا للسبب. فعلى المستوى العضوي، هناك اضطرابات الدورة الدموية الناتجة عن تصلب الشرايين، مما يؤدي إلى نقص التغذية وعدم وصول الدم إلى المخ. كما أن مرضى الضغط والسكر والأوعية الدموية، يكونون أكثر عرضة للإصابة بمرض النوم المفاجئ. ويتم العلاج عن طريق تناول عقاقير لتوسيع الشرايين وتحسين وصول الدم إلى المخ.

كما توجد حالة عضوية أخرى، وهي اضطرابات كهرباء المخ، التي تؤدي إلى نوبات قصيرة الأمد من فقدان الذاكرة والانتباه، وقد تصل إلى النوم المفاجئ، لكنها لا تبلغ حد التشنجات أو الصرع. ويتم علاجها بإعطاء أدوية منظمة لكهرباء المخ لضبط إيقاعه.

لذا، فإن علاج مرض النوم المفاجئ، يعتمد على التشخيص الدقيق لاضطرابات النوم، من خلال معامل النوم، التي تضم أجهزة حاسوب تقوم بتحليل وظائف الجسم أثناء النوم، مثل رسم المخ الكهربائي، ورسم العضلات، والقلب، والتنفس، وحركة القفص الصدري، ونسبة الأكسجين في الدم، ثم إعداد رسم بياني شامل لمراحل النوم، ليُعرض بعد ذلك على الطبيب لتحليل النتائج وتحديد الخلل بدقة. خاصة أن اضطرابات النوم تتخذ أشكالاً متعددة، منها الأرق الناتج عن الاكتئاب، والشلل الرعاش الذي يصاحب العديد من الاضطرابات الكهربائية في المخ.

وتُعد الكوابيس الشديدة، وكذلك المشي أثناء النوم، من الاضطرابات النفسية.. ومن أخطر اضطرابات النوم، مرض توقف التنفس أثناء النوم، الذي قد يرجع إلى خلل في المخ أو في مجرى التنفس، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من السمنة. كذلك تُعد أمراض الكبد المزمنة -مثل التليف الكبدي- من أسباب حدوث الغيبوبة الكبدية بدرجاتها المختلفة، سواء المحسوسة أو غير المحسوسة، في أي وقت. الأمر الذي يجعل هؤلاء المرضى يشكلون خطرًا يهدد الشارع إذا سُمح لهم بقيادة السيارات أو تولي مناصب قيادية وحساسة؛ لأن خطر الغيبوبة لا يقتصر على الكبد فقط، بل يتجاوزه ليصبح متلازمة عصبية نفسية تفقد المريض السيطرة على نفسه وتصرفاته.

مرض الكبد الصامت

إن الغيبوبة الكبدية تحدث بصورة شديدة ومتكررة في الحالات التي أُجريت لها عمليات توصيل الوريد البابي الكبدي بالوريد الأجوف السفلي، وتحدث بصورة أقل لدى المرضى الذين أُجريت لهم جراحة توصيل وريد الطحال بالوريد الكلوي. كما تختلف الصورة الإكلينيكية للمرض على مدى واسع بين المرضى، بل وحتى لدى المريض نفسه من وقت لآخر؛ فقد تحدث بصورة حادة ومفاجئة، وقد تظهر بشكل بطيء ومتكرر على فترات.

ويُعد الكبد، المسؤول الأول عن التعامل مع كثير من المواد السامة، سواء بالتخلص منها أو تخزينها أو تكسيرها. وتنشأ هذه السموم في القولون نتيجة تخمر وتعفن المواد البروتينية التي يتناولها المريض في طعامه، أو نتيجة تجمع الدم في الجهاز الهضمي بسبب النزيف، حيث تقوم البكتيريا القولونية بعمليات التخمر والتعفن التي تنتج عنها مواد سامة، مثل الأمونيا، وبعض النواقل العصبية الزائفة.

ويؤدي امتصاص هذه السموم من القولون وسريانها في الدم، وتجاوزها للكبد، إلى وصولها إلى المخ، حيث تتخطى الحاجز الدموي الدماغي وتصل إلى الخلايا المخية فتُعيق عملها، مما يؤدي في النهاية إلى حدوث الغيبوبة الكبدية.

إن مريض الكبد قد يكون في حالة متكافئة جيدة من دون ظهور أعراض عصبية أو نفسية، لكن تعرضه لبعض المواقف قد يتسبب في ظهور المضاعفات، مثل حدوث إسهال مفاجئ شديد قد يؤدي إلى خلل في وظائف الكبد، مما ينتج عنه تعرض المريض لأعراض الغيبوبة الكبدية وما يصاحبها من مظاهر عصبية ونفسية. كما أن حدوث إمساك شديد مع التعفن والتخمر، وحدوث نزيف بالجهاز الهضمي، بالإضافة إلى زيادة نسبة البروتينات، تؤدي إلى نقص كمية الدم الواصلة إلى خلايا الكبد، فينتج عن ذلك نقص تغذيتها، وبالتالي اختلال وظائفها. ويتعرض مريض الكبد أيضًا، لبعض المواد المؤثرة في وظائف الكبد، وعلى رأسها كثير من الأدوية، خاصة المهدئة والمنومة والمخدرة، إضافة إلى الإكثار من تناول مدرات البول.

تأتي أعراض الغيبوبة بصفة حادة في حالة حدوث سبب خطير، مثل نزيف الدوالي الذي يجهل المريض حدوثه تمامًا. وقد تختلط هذه الصورة مع أسباب حالات الغيبوبة الأخرى، مثل غيبوبة السكر وغيبوبة الفشل الكلوي. وقد تحدث الغيبوبة بصورة متدرجة وفي نوبات متقطعة بشكل مزمن بسيط، أما حدوث الغيبوبة لدى مريض يجهل إصابته بمرض الكبد، فتكون أعراضها مشابهة في كثير من الأحيان لأعراض بعض الأمراض النفسية، مثل القلق والاكتئاب، حيث تختل قدرات هؤلاء المرضى وتتدهور ملكاتهم وتهتز شخصياتهم.

وينصح الأطباء هؤلاء المرضى بمراجعة الطبيب في حال حدوث تغيُّر سريع في الشخصية، خاصة إذا كانت هذه العلامات مرتبطة بتناول نوع معين من البروتينات. لذا، فإن العلامات النفسية قد تدفع المريض وأهله إلى استشارة طبيب الأمراض النفسية والعصبية، فإذا لم يُشخَّص مرض الكبد تشخيصًا صحيحًا، فقد تتفاقم حالة المريض؛ لأن بعض الأدوية المستخدمة في العلاج النفسي قد تزيد من حدة الغيبوبة، مما يؤدي إلى تدهور الحالة بشكل كبير. لذا، ينبغي على الطبيب النفسي أن ينتبه لمثل هذه الحالات.

تتدرج الغيبوبة الكبدية إلى خمس درجات، تبدأ بالدرجة صفر وتصل إلى الدرجة الرابعة. ودرجة الصفر هي المرحلة ما قبل الإكلينيكية الظاهرة، ويعاني فيها المريض من بعض أعراض الغيبوبة وبعض الاضطرابات النفسية والعصبية، لكنها لا تظهر بشكل واضح وتحتاج إلى اختبارات القياس النفسي لاكتشافها. أما الدرجة الأولى، فيعاني فيها المريض من اللامبالاة، وفقدان الإدراك السليم لحقائق الأمور، والضيق النفسي، وعدم الاستقرار، وبطء التفكير، واضطرابات النوم، ورعشة في اليدين والرأس. وفي الدرجة الثالثة يميل المريض إلى النعاس بكثرة، ويعاني من تبلد الحس وعدم الإدراك السليم للزمان والمكان والأشخاص، وقد يقوم ببعض التصرفات غير المناسبة. أما مريض الدرجة الرابعة فيعاني من نوم عميق، وقد يهذي بكلمات غير مفهومة، وهي المرحلة الأخيرة التي تمثل الغيبوبة التامة التي لا يمكن إيقاظ المريض منها بأي مؤثر.

مرض الكبد وقانون المرور

نستنتج مما سبق، أن الغيبوبة الكبدية لا تعني بالضرورة أن يكون المريض في غيبوبة تامة، بل لها مقدمات ودرجات، وأن كثيرًا من مرضى تليف الكبد والالتهاب الكبدي الحاد والمزمن الشديد، قد يعانون من هذه الحالة دون أن يدركوا ذلك. لذا، يجب على هؤلاء المرضى الامتناع عن قيادة السيارات، حتى لا يكونوا سببًا في وقوع حوادث قد تخلّف كوارث أو ضحايا.

وبالتالي ينبغي على المسؤولين، أن يضعوا هذا الأمر بالحسبان، ويسعوا إلى وضع قوانين للمرور، تراعي هذه الجزئية الخطيرة عند منح أو تجديد رخص القيادة، حرصًا على حياة المواطنين وانضباط الشارع. ولا حرج في منع هؤلاء المرضى من الحصول على ترخيص قيادة، ففي ألمانيا أُجريت دراسة على مرضى الكبد المتقدمين للحصول على رخصة قيادة، وكانت النتيجة منع 85% من المرضى المعرضين لحدوث الغيبوبة بدرجاتها من القيادة؛ لأنهم يمثلون خطرًا على أنفسهم وعلى الآخرين، ولم يكن هناك اعتراض يُذكر على هذا القرار.

وينبغي ألاّ نخدع أنفسنا بالاعتماد على شهادة “باطنة” تُطلب من طالب الترخيص، إذ إن هذه الشهادات غالبًا ما تُستخرج دون فحص حقيقي أو إجراء طبي فِعْلي. إن استمرار هذا الوضع لا يتفق مع المعايير السليمة، وتزداد الخطورة عندما يكون هؤلاء المرضى في مناصب قيادية أو حساسة، حيث إن التليف الكبدي والالتهاب الحاد، قد يظهران في أي وقت وبدرجات مختلفة، ويزيد ضعف الوعي من تعقيد المشكلة وخطورتها.

إن انتشار الغيبوبة بدرجاتها، يفسر بعض الظواهر الخطيرة المستحدثة في مجتمعنا، وظهور بعض الجرائم الغريبة والمستنكرة. وللعلم، فإن أعداد مرضى التليف والالتهاب الكبدي في تزايد، نتيجة توفر الوسائل التكنولوجية والطبية الحديثة التي تساعد على التشخيص وسهولة اكتشاف المرض.

أما في أمراض الكبد المزمنة، مثل التليف والتشمع، فتؤدي التغيرات الكيميائية إلى تغييرات في خلايا تُسمى “جليا” في المخ، وقد تأخذ هذه التغيرات شكلاً يشبه مرض ألزهايمر. كما تحدث تغيرات ثانوية في أنواع من خلايا المخ تُسمى “أستروسيت”، وقد يحدث تحلل في المادة الحامية للأعصاب، مما يؤدي إلى ضمورها، وقد ينتج عن ذلك شلل في الحركة. كما أظهرت الأبحاث انخفاض إنتاج البروتين في خلايا المخ، وفشل الدور الوقائي للأغشية المخية التي تمنع دخول المواد السامة من الدم إلى المخ والأعصاب.

كما وُجدت تغيرات في المواد الكيميائية الناقلة للإشارات العصبية، عُرفت باسم “المواد الكيميائية الزائفة”، وهي تؤثر سلبًا في وظائف المخ. بالإضافة إلى ذلك، فإن نقص السكر في الدم، واضطراب درجة حموضته المصاحبة لتليف الكبد، لهما تأثير مباشر في المخ. وكل هذه الحالات يجب أخذها في الاعتبار مع متابعة المرضى، حتى لا يصبحوا مصدر خطر على أنفسهم وعلى غيرهم.

وإذا كانت أمراض الكبد من الأمراض التي ينبغي إضافتها إلى قانون المرور لتكون من موانع قيادة السيارات، فإن هناك -أيضًا- العديد من الأمراض النفسية والعصبية، وبخاصة الصرع والنعاس القهري، التي يجب أن تُدرج ضمن قائمة الأمراض المانعة للقيادة.

(*) كاتبة وباحثة مغربية.

المراجع

(1) P. Vaitkevicius et al., A cross-link breaker has sustained effects on arterial and ventricular properties, in Proc. Natl Acad. Sci., vol. 98, pp. 1171–1175, 2006.

(2) A. Rivard et al. Rescue of diabetes-related impairment of angiogenesis by intramuscular gene therapy with adeno-VEGF, in Am. J. Pathol, vol. 154, pp. 355-363, 2005.