فلسفة تربوية لبناء الإنسان

هناك نظرة سائدة عن الفلسفة، مفادها أنها نوع من السفسطة اللفظية التي لا يقابلها واقع، وأن الفلاسفة يعيشون في أبراجٍ عاجية ينظرون إلى الواقع من علٍ، ولا يعيشونه كما يعيشه الآخرون، ويفكرون بطرق مختلفة عمّا هو سائد في مجتمعاتهم، ومن ثم يفقدون صلتهم بالواقع والناس. ولا شك أن مثل هذا الادعاء له ما يبرره، خصوصًا في بعض الفلسفات القديمة، لكنه لا ينطبق على جميع الفلسفات أو الفلاسفة. إذ إننا اليوم في حاجة إلى فلسفة أكثر من أي وقت مضى، مع توجهها نحو معالجة قضايا الإنسانية الراهنة وتساؤلات الإنسان المعاصر. ومن ثم فلا محلّ للقول بموت الفلسفة كما ادعى بعض المفكرين المعاصرين، بل ستزداد الحاجة إليها. ومن المتوقع أن تنشأ تحولات نوعية في مناهجها وأساليبها وأفكارها ولغتها، وقد بدأت ملامح ذلك تظهر يومًا بعد يوم.

وقد ارتبطت التربية بالفلسفة عبر مراحل تطورها المختلفة، إذ مثّلت التربية الميدان الذي يستعين بالفلاسفة، لصياغة رؤى الأنظمة التربوية وأهدافها ومؤسساتها، وتحديد التوجهات الفكرية والعقلية لأي نظام تعليمي، بما ينعكس على بنية النظم التربوية، وتحديد أدوار كلٍّ من المعلم والمتعلم، والأنشطة المدرسية، والمؤسسة التعليمية ككل.

ومع ما تشهده البشرية اليوم من موجة تحديات معاصرة، تتراوح بين تأثيرات ثورة الذكاء الاصطناعي، والخوف من سيطرة الآلة على البشر، وظهور وانتشار مجموعة من الاضطرابات والمشكلات النفسية المرتبطة بالإفراط في استخدام شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وحالة السيولة المعرفية التي أوجدتها تلك الوسائل، فضلاً عن التدفق الفكري لعشرات الشائعات والمعلومات الزائفة، والغزو الثقافي والفكري عبر الفضائيات ووسائل الإعلام الجديد، المرتبط بالترويج لأفكار هدامة وغريبة مثل الشذوذ والإلحاد، والتحديات المرتبطة بالصراعات في أنحاء العالم كالحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الإسرائيلية على غزة، والصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، فضلاً عن أزمة التغير المناخي وتأثيراتها على حياة المجتمعات الإنسانية ككل.. تشتد الحاجة إلى تربية قادرة على بناء الإنسان الممتلك لمهارات الحياة ومهارات المستقبل، والقادر على التعامل بوعي مع تلك التحديات، والمتمسك بقيم الانتماء والهوية والمواطنة الصالحة، والمنتمي إلى مجتمعه وثقافته العربية الإسلامية، والمنفتح في الوقت ذاته على الإنسانية، والمشبع بروح التضامن والمسؤولية تجاه القضايا التي تهدد حياة البشر، مثل مشكلات التلوث وأزمة المناخ.

إن واقع التربية اليوم، يشير إلى الحاجة الملحة إلى إيجاد رؤية شاملة تستوعب قيم الثقافة العربية والإسلامية، وفي الوقت نفسه تتعامل مع التطورات المعاصرة، وتدمج بين القديم والمعاصر، ولا تغفل المستقبل، وتعتمد مقاربات تكاملية تراعي مطالب الفرد والمجتمع، وتوظف جميع عناصر المنظومة التربوية من معلم ومدرسة ومنهج وطالب وموارد بشرية وغير بشرية، وذلك لتحقيق أهداف تنبثق من فلسفة المجتمع وثقافته ومتطلباته وحاجاته، وتراعي في الوقت ذاته طبيعة العصر وتحدياته، دون إغفال حاجات الفرد وتطلعاته.

وهنا يأتي دور الفلسفة في التربية، وتبرز أهمية فلسفة التربية بوصفها ميدانًا يبحث عن إجابات لتساؤلات حول طبيعة الإنسان، وطبيعة المجتمع، و”ماذا نعلم؟” و”كيف نعلم؟”، وغيرها من التساؤلات التي ترسم معالم الطريق لصانعي السياسات ومتخذي القرار، وتوجه بوصلة القائمين على الأنظمة التعليمية نحو المسار الصحيح، وتحدد كيف ينبغي أن تكون بنية التربية والتعليم في أي مجتمع.

ويجب أن تكون التربية عاملاً لتحرير الإنسان من تناقضاته الجوهرية، وتحريره من حالة الانفصال بين الموضوع والذات، وبين الإنسان والعالم، وأن تسعى إلى تحقيق الوحدة، وبناء إنسان جديد في داخل كل فرد، وإلى تأسيس علاقات إنسانية جديدة ذات طابع كوني مع العالم، من أجل الإعداد لمستقبل أفضل، من خلال النظر إلى الطالب بوصفه إنسانًا، لا آلةً تتلقى المثيرات لتصدر الاستجابات، وتحويل المدارس إلى بيئة إنسانية نقية تتبنى قيمًا وأخلاقًا ومبادئ، وتسهم في تغيير الواقع وجعله أكثر إنسانية.

إن من أبرز مظاهر أزمة التربية العربية غياب الفلسفة التربوية الواضحة، التي يقع على عاتقها نقد وتحليل وتنسيق وتوجيه العمل التربوي من جوانبه كافة، إذ أدى عدم وضوح هذه الفلسفة في معظم البلدان العربية، إلى انخفاض كفاءة وفعالية الأنظمة التعليمية العربية.

ويرى البعض أن أوضاع التعليم اليوم، شديدة التشابه مع أوضاع التعليم والتربية في العصور القديمة في أوروبا، وهناك عوامل مشتركة بين المرحلتين تتمثل في شكلية التعليم ونصِّيته وغياب البعد الإنساني في مختلف المظاهر التربوية، سواء في التربية الأسرية كما هو الحال في التربية المؤسسية. فالأجيال العربية تعيش أكثر حالات الاغتراب التربوي التي تتمثل في إسقاط مطالب الروح والجوهر الإنساني، فلا هي تمسكت بتراثها العربي والإسلامي، ولا استطاعت في الوقت نفسه تجسير الفجوة الحضارية بينها وبين بلدان العالم المتقدم.

إننا في الواقع، نحتاج إلى أن نُغيِّر مفهوم “التعليم” ونجعله أكثر إنسانية، بمعنى أن نحوِّله إلى معنى محسوس، ونجعله شيئًا يولد وينمو ويتعالى، أي يسهم في ديناميكية الحياة ويجعلها أكثر جمالاً.. ذلك المفهوم الذي تتحول من خلاله المدارس إلى بيئة إنسانية تبني في داخل النشء، القيمَ والمبادئ والألفة والتعاطف والرفاهية والعيش المشترك الآمن، الذي يضمن للمتعلمين والمعلمين الاحترام والاستدامة الجمالية في بيئة إنسانية بحتة.. تجعل من المعلم أبًا أو أمًّا يطوِّع الحياة المستقبلية لأبنائه، فيجعلهم أكثر تركيزًا على ما في دواخلهم وأنماط أحلامهم المختلفة.

ويجب التمسك بالثقافة العربية، وغرس القيم العربية الأصيلة في نفوس الأطفال والناشئة منذ المراحل الأولى، والسعي إلى التركيز على تنمية شخصية الطالب من جميع جوانبها، دون التركيز على الجانب العقلي أو الجسدي على حساب الجانب الروحي والديني والأخلاقي.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تبنِّي فلسفة تربوية تؤسس للرؤى والأهداف، وترسم المسار المطلوب للقائمين على السياسات التعليمية وصانعي القرار، ويتحدد على أساسها الآليات والوسائل المطلوبة.. كما تُصاغ -وفقًا لها- البنية التربوية لأي نظام تربوي من أهداف ومناهج ومتعلمين وطلبة ومدارس، وتتشكل الأدوار. ولا بد أن تُشتق تلك الفلسفة من ثقافة المجتمع الإسلامية والعربية، وأن تراعي في الوقت نفسه متطلبات العصر وتحدياته، وتتوافق مع الاتجاهات والنظريات التربوية المعاصرة.

وما أحوجنا اليوم، إلى إيجاد رؤية فلسفية للتربية العربية تشمل بنية التعليم في كافة مراحله، وعلى كل مستويات منظومة التعليم؛ لأن الاستثمار في الإنسان هو الأساس. وعلينا أن نسعى إلى تعليم يحافظ لنا على هذا الإنسان الذي هو أثمن ما نملك. نُعلِّمه إنسانيته لكي يحافظ على إنسانية الآخر، ونكرِّس فيه الشعور بالكرامة لكي يحافظ على كرامة الآخر، ونُعلِّمه كيف يدافع عن حقه لكي يحافظ على حقوق الآخرين.

إننا بحاجة إلى صناعة ثقافة تعليمية مغايرة للثقافة الحالية، إلى صناعة ثقافة تستطيع أن تُربي الإنسان من إنسانٍ لغيره إلى إنسانٍ لنفسه ولغيره.. إنسانٍ نُربيه على الحرية لا على الخوف منها، وعلى المسؤولية لا على الهروب منها، وعلينا أن نزرع الثقة في طلابنا لكي يكونوا عظامًا، ولا يمكن أن تتحرك هذه الثقافة المضادة إلا حين يكون النقد أحد أدواتها، لأن ذلك يساعد على الفهم الحقيقي، ويساعد على تحقيق الانطلاقة. إن لم نقف ونفكر في الممارسات الحالية، سيظل الإنسان مسلوبًا من نفسه، ومسلوبًا من الآخرين، والمجتمعات التي يُسلب منها الإنسان يُسلب منها كل شيء.

(*) كلية التربية، جامعة الإسكندرية / مصر.

المراجع

(١) الأنسنة والتربية.. دراسة تحليلية نقدية، مجلة الدليل، عدد:2، مؤسسة الدليل للدراسات والبحوث العقدية، العراق.

(٢) لماذا فشلت التربية في بناء الإنسان العربي؟ صابر جيدوري (2022)، مركز نقد وتنوير، https://tanwair.com، تم الاطلاع في 17/8/2022م.

(٣) الجمود والتجديد في العقلية العربية.. مكاشفات نقدية، وطفة علي أسعد، وزارة الثقافة، الهيئة السورية العامة للكتاب، 2007م.