لم تعد إثارة مسألة التلوث البيئي من نافلة القول في هذه المرحلة بالذات، لا سيما في المدن الكبرى العالمية. فقد بلغت درجة هذا التلوث حدًّا لا ينبغي السكوت أمامه، أو الصمت حياله؛ بل إن أحد أشكال هذا التلوث -وهو التلوث الرصاصي- قد بات يهدد حياتنا بشكل مباشر، وعلى وجه الخصوص حياة شريحة هامة من سكان هذه المدن تمثل المستقبل وهم أطفالنا.
لماذا الأطفال؟
لكن السؤال الذي يلح علينا الآن هو: لماذا تتضاعف خطورة التلوث الرصاصي لدى الأطفال بالذات؟
ثمة دلائل علمية تشير إلى أن أجسام الأطفال والصغار تمتص الرصاص بكفاءة عالية، تفوق مثيلتها في أجسام البالغين. ومن ناحية أخرى، فإن العمليات الكيميوحيوية التي تسهم بقدر كبير في التخلص من السموم والملوثات -ومن بينها عنصر الرصاص- لم تقوَ وتتدعَّم بعدُ لدى الأطفال والصغار مقارنة بالبالغين، ومن ثم تتراكم لديهم كميات كبيرة من هذا العنصر السام الخطير.
ومن ناحية ثالثة، فإن الأطفال، بطبيعة تكوينهم الجسماني ورِقَّة أنسجتهم وخلاياهم ونشاطها الكبير في الوقت ذاته، كل ذلك يجعل أجسامهم أكثر حساسية للتأثير التسممي للرصاص. هذا فضلاً عن أن التسمم بهذا العنصر، يؤثر في معدل النمو الذي تتميز به بنية الأطفال أكثر من غيرهم، وذلك لتقليله الملحوظ للاستهلاك الغذائي بشكل مباشر.
سمية الرصاص
حينما تتعرض الكائنات الحية الثديية -ومنها الإنسان- للتلوث الرصاصي، فإن عملية امتصاصه تتم بشكل أساسي في كل من المعدة والأمعاء، حيث يتم امتصاص نحو 50% من الطعام والشراب الملوثين بالرصاص. وهنا نحذر من أرغفة الرصيف التي تتعرض للتلوث الرصاصي المنبعث من وسائل المواصلات بشكل كبير في المدن الكبيرة المزدحمة، ومن مواسير مياه الشرب ووصلاتها المصنَّعة من الرصاص. ويمتص الجسم أيضًا نحو 30% من الرصاص الذي يحمله الغبار المتطاير -سواء في هواء الشارع أو المنزل- على هيئة جسيمات دقيقة في الهواء، كما أن الهواء قد يحتوي أيضًا على نسبة من الرصاص على هيئة أبخرة، وكل ذلك نتلقاه عن طريق الجهاز التنفسي.
ولا بد هنا من التحذير من عوادم السيارات التي تستخدم الجازولين (البنزين) المرصَّص، الذي يُعَد مصدرًا خطيرًا للتلوث الرصاصي؛ حيث يشكل نحو 86% من مجمل الرصاص الذي يتسرب في الهواء، لا سيما في المدن الكبرى المزدحمة.
إن قدرًا كبيرًا من هذا الرصاص، يتجه إلى التخزين في العظم والأسنان والشعر، وتكمن خطورة ذلك في أن هذا المخزون قد يستمر لمدة قد تصل إلى ثلاثين عامًا، خاصة في العظم. وعلى الرغم من أنه يكون خاملاً من الناحية الفسيولوجية في هذه التراكيب والأعضاء، إلا أنه بإزاحته للكالسيوم واحتلاله موقعه في التركيب الكيميائي للعظم، يؤدي إلى ما يُعرف بـ”هشاشة العظام” (Osteoporosis)، ومن ثم تتعرض هذه العظام للتلف والكسر، بمعدلات أعلى من غيرها من العظام السليمة التي لم يتعرض أصحابها للتلوث الرصاصي.
ومن جهة أخرى، يعمل هذا الخزان، كمصدر لتلويث بقية أجزاء الجسم بهذا الرصاص، لا سيما أنه قد يمكث في العظام لمدة كبيرة قد تصل إلى عشرات الأعوام كما أسلفنا.
ومن الجدير بالذكر أن الأنسجة الرقيقة لمعظم أعضاء وأجهزة الجسم، هي أكثر حساسية للتسمم الرصاصي من العظام بقدر كبير، ومن ثم يظهر تأثيرها السام عليها بشكل ملحوظ. ومن أكثر تراكيب الجسم حساسية للتسمم الرصاصي، نسيج الدماغ (المخ) (Brain tissue)، والجهاز العصبي بشكل عام، وذلك لتأثيره على الأمينات الحيوية في المخ(1)، ونخاع العظم الأحمر الذي يعمل على تكوين كريات الدم. كما يؤدي هذا التسمم الرصاصي إلى تحلل كريات الدم الحمراء ذاتها، ويؤثر بالسلب على أعضاء التناسل كالخصيتين والمبيضين، وأعضاء الإخراج كالكليتين، كما يقلل من قدرات التعلم لدى الأطفال، بينما قد يزيد من النشاط الحركي المفرط لديهم أيضًا(2).
التلوث الرصاصي يدمر المخ
الدماغ (المخ) البشري معجزة إلهية كبرى بكل المقاييس. وإذا كانت البحوث الخاصة بعلم الفيزياء لم تكشف النقاب إلا منذ أوائل القرن العشرين، عن العلاقة بين المادة والطاقة على يد عالم الفيزياء والرياضيات التطبيقية الأشهر “ألبرت آينشتاين”، فإنه في المقابل لم تكشف العلوم البيولوجية ماهية العقل والمخ، لا سيما في الإنسان إلا مؤخرًا جدًّا. إذ إن المخ تتركز بقشرته ثلاثة أنواع من الأنشطة الرئيسية، وهي:
١- الأنشطة العقلية: المتمثلة في الذاكرة والذكاء والتفكير والإحساس بالمسؤولية، ومنها أيضًا التعلم والتعقل والحس الأخلاقي، التي يهيمن عليها ما يُعرف بـ”المراكز الدماغية العليا بالمخ”.
٢- الإدراك الحسي: الذي يتضمن إدراك الألم، والإحساس بالحرارة، واللمس، ووظائف الحواس المختلفة كالسمع والبصر والذوق والشم.
٣- الأنشطة العضلية: ومن شأنها المبادرة والتحكم في العضلات الهيكلية، أي تلك العضلات الإرادية التي تكون تحت هيمنة الإنسان وإرادته؛ إن شاء حركها واستعملها، وإن شاء أراحها ولم يستعملها.
وقد أصبحت المناطق الوظيفية المحددة التي تدخل في نطاق الإدراك الحسي والانقباض العضلي الإرادي معروفة جدًّا، بيد أن تلك المناطق المنوطة بالأنشطة العقلية، ما زالت في دائرة الدرس والبحث والتأمل(3).
وحينما يتعرض الأطفال للتلوث الرصاصي بمعدلات عالية، فإن ذلك يؤدي إلى الإصابة بالتهابات حادة في المخ والأنسجة العصبية، لا سيما حينما يصل تركيز الرصاص في الدم إلى 80-100 ميكروجرام/100 مليلتر، أو أكثر من ذلك، عندها يظهر على هؤلاء الأطفال مظاهر مرضية وتغيرات سلوكية وتخلف عقلي. أما عند التركيزات التي تقل عن ذلك، فتحدث بعض الاختلالات والتفاعلات العصبية الأقل حدة(٤).
كما يسبب التسمم الرصاصي أيضًا ضمورًا بصريًّا، مع تدهور وضعف في قوة الإبصار. وقد تؤدي الاعتلالات الدماغية إلى ارتشاحات مخية قد ينجم عنها غيبوبة وتشنجات مؤلمة، وربما تنتهي الحالة بالموت(٥).
التلوث الرصاصي يسبب الأنيميا
للدم وظائف حيوية كثيرة في الجسم، حيث يقوم بعمليات النقل والتوصيل والتنظيم للبيئة الداخلية في الجسم، كما يقوم أيضًا بحماية الجسم وزيادة مناعته الطبيعية ضد الهجمات والغزوات الميكروبية ومسببات الأمراض المختلفة.
ويُعتبر نخاع العظم الأحمر -وهو النسيج الأساسي الذي يقوم بتصنيع خلايا الدم- من أكثر الأنسجة استهدافًا للتأثيرات التسممية الضارة للتلوث الرصاصي.
فالرصاص يقوم بتثبيط أنزيم دلتا أمينوليفيولينيت ديهيدراتيز (δ-ALAD)، مما يؤدي إلى نقص تخليق الهيماتين، كما يؤدي التسمم الرصاصي أيضًا إلى كبح نشاط أنزيم تخليق حمض دلتا أمينوليفيولينيك (δ-ALAS) الذي يتحكم في التخلق الحيوي للهيماتين؛ ومن ثم فإن نقص تخليق الأنزيم الأول يؤدي إلى نقص تخليق الثاني.
وتكون النتيجة زيادة تركيز حمض دلتا أمينوليفيولينيك في الدم والبول، ومن الناحية التحليلية تُتَّخذ هذه الزيادة كمؤشر جيد للتسمم الرصاصي.
وكل ذلك يؤدي في النهاية إلى نقص شديد في عدد خلايا الدم الحمراء، فضلاً عن أن التسمم الرصاصي ذاته يسفر عن زيادة ملحوظة في تكسير وتحلل كريات الدم الحمراء، وهذا يؤدي قطعًا إلى حدوث الأنيميا (فقر الدم) الحادة، بما تؤدي إليه من آثار صحية سيئة على الصغار والكبار على حد سواء.
وتشير الدراسات العلمية الحديثة إلى التأثيرات الضارة الأخرى للرصاص، بخلاف تأثيره على كل من الجهاز العصبي والدم، ومنها أنه يؤدي إلى القصور البولي والإمساك، كما أن له تأثيرًا ضارًّا على المعدة والأمعاء، وقد يؤدي إلى العقم والإجهاض وولادة الأجنة ميتة، كما يزيد من معدل وفيات المواليد. وقد وُجد أيضًا أن للتسمم الرصاصي علاقة متزامنة بالوفاة المفاجئة للمواليد، كما رصدت بعض الدراسات الأخرى وجود علاقة بين تركيز الرصاص في الدم وبين كل من ارتفاع ضغط الدم، والتهاب عضلة القلب، ونقص كفاءة الكبد، وضعف المناعة.
——————–
(*) أستاذ علم الحيوان، جامعة المنوفية / مصر.
الهوامش
(١) Hodgson, E. and Smart, S. C. (2001), Introduction to Biochemical Toxicology, Wiley-Interscience, New York, P:270.
(٢) تخليص الهواء من الملوثات. هيلاري ف. فرنش (1992م)، الدار الدولية للنشر والتوزيع، ص:20.
(٣) علم وظائف الأعضاء، محمد فتحي فرج بيومي (2002م)، دار الوثائق الجامعية، شبين الكوم.
(٤) Boeck, R. L. (1986), Lead Poisoning in Children، Analyt, Chem, 58, No:2.
(٥) Wagih, I. M. (1993), Essentials of Toxicology, Egypt, P:39.


