لو تأمل الإنسان حقيقة عمره في هذه الدنيا، ونظر إليه بعين العقل لا بعين الغفلة، لرأى أن الحياة التي يتنافس الناس عليها، ويتخاصمون من أجلها، ويضحّون بدينهم وطمأنينتهم لأجل متاعها، ليست إلا لحظة عابرة في ميزان الآخرة. فالإنسان في المتوسط، يعيش سبعين سنة تقريبًا في هذه الدنيا، وهذه السبعون سنة إذا قِيسَت بخمسين ألف سنة، لا تساوي إلا دقيقتين وأقل من ثانية. وإذا كان يوم القيامة وحده مقداره خمسون ألف سنة مما نَعُدُّ في الدنيا، فما قيمة سبعين عامًا أمام ذلك اليوم؟ بل ما قيمتها أمام أبد الآباد؟
يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾(المعارج:4). وهذه الآية تفتح أمام الإنسان نافذة واسعة ليدرك ضآلة عمره أمام مقاييس الآخرة. فإذا كان يوم واحد هناك مقداره خمسون ألف سنة من حساب الدنيا، فإن الساعة الواحدة تقارب ألفين وثلاثًا وثمانين سنة؛ أي إن ألفي سنة من أعمار البشر لا تكاد تساوي إلا ساعة واحدة في ذلك الميزان العظيم.
وبهذا الاعتبار، فإن مرور الزمان الذي نظنه طويلاً ليس إلا لحظات خاطفة. فالفترة الممتدة من زمن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، لا تبلغ -بهذا الحساب- ثلاثة أرباع الساعة تقريبًا، وأما الزمن الممتد من عهد السيد المسيح عليه السلام، فكأنه ساعة واحدة أو قريب من ذلك. وهكذا يتضاءل التاريخ البشري كله حين يوضع أمام مقاييس الآخرة.
وإذا نزلنا بالحساب إلى الدقيقة، فإننا نقسم الساعة على ستين دقيقة، فتكون الدقيقة الواحدة نحو أربع وثلاثين سنة من سنوات الدنيا. وعلى هذا، فإن الإنسان لو عاش مئة سنة كاملة وقد بلغ فيها الشيخوخة والضعف والعجز، فإنه في الحقيقة لم يمضِ في هذه الدنيا إلا ما يقارب ثلاث دقائق. فكل أربع وثلاثين سنة تساوي دقيقة واحدة، وثلاث دقائق تساوي قرابة مئة واثنتين من السنين.
فيا للعجب! كم يتكبر الإنسان على دقائق معدودة؟ وكم ينسى الآخرة من أجل لحظات عابرة؟ عمرٌ كامل نراه طويلاً إذا وُضع في ميزان الآخرة صار ثلاث دقائق فقط! ومن فهم هذه الحقيقة نظر إلى الدنيا كفرصة قصيرة جدًّا: إما أن يستثمرها في رضا الله، وإما أن يضيّعها في غفلة لا تنفعه حين يلقى ربه.
تخيّل، لو قيل لإنسان عاقل: لك أن تختار بين أمرين؛ إما أن تعيش دقيقتين مَلِكًا على الأرض وما فيها فتتمتع بكل ما تشتهي، ثم يُمسح بك الأرض بقية اليوم، وتذوق كل ألوان الذل والهوان والصغار والعار؛ أو أن تصبر دقيقتين وثانية، ثم تكون مَلِكًا بقية اليوم كله، فأيُّ عاقلٍ سيختار الدقيقتين الفانيتين على اليوم الباقي؟ لا شك أن صاحب العقل السليم سيصبر قليلاً ليظفر بالنعيم الطويل. فكيف إذا لم يكن الأمر يومًا واحدًا، بل آخرةً لا تنقضي وخلودًا لا ينتهي؟
لهذا قيل: مساكين أهل الدنيا، بل مجانين أهل الدنيا، لو حَسَبوها حسابًا صحيحًا لتعاملوا مع الله بصدق، ولصدّقوا خبره، ولما باعوا الباقي بالفاني. إن المشكلة في قصر النظر إذن؛ فالإنسان يرى ما قِبَل عينيه، ولا يمد بصره إلى ما بعد التابوت، ولا يتأمل ما بعد خروج الروح. ولو أبعد نظره قليلاً، وفكّر في القبر وفي البعث وفي يوم المحشر وفي الوقوف بين يدي الله، لعرف أن هذه السنوات العشرين أو السبعين أو الثمانين ليست إلا رأس مال ينبغي أن يُستثمر في إعمار الآخرة.
إن النسبة التي ذكرناها إنما قِيسَت إلى خمسين ألف سنة فقط، وهي مقدار يوم واحد من أيام القيامة، فكيف إذا قِيس عمر الدنيا كله بما بعد ذلك إلى أبد الآباد؟ عندها ستكاد النسبة تختفي. ولذلك، فالعاقل الذي يستعمل عقله استعمالاً صحيحًا لا يمكن أن يُؤْثر ما يفنى على ما يبقى. وقد قال أهل الحكمة: “لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خشب يبقى، لكان الواجب على العاقل أن يختار ما يبقى على ما يفنى”. فكيف والحقيقة عكس ذلك؟ الدنيا، مهما تزيّنت فانية، والآخرة بما فيها من نعيم الله ورضوانه هي الباقية.
ومن هنا نفهم أن الذين خسروا الدنيا والآخرة لم يستعملوا عقولهم كما ينبغي. والحقيقة أنهم لم يُوفَّقوا لذلك؛ فالأمر كله بمشيئة الله، لكنهم كانوا سببًا في ضلال أنفسهم، ولذلك استحقوا اللوم والعتاب والتوبيخ. قال تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾(السجدة:14) والعياذ بالله. كل نسيان يمكن أن يُعوَّض إلا نسيان الله والدار الآخرة. فمن نسي الله، نسيه الله؛ ومن نسي لقاء الله، وجد عاقبة نسيانه يوم لا ينفع الندم.
الدنيا طريق الرضا
إذن، الحياة الدنيا مؤقتة؛ المال مؤقت، والمتاع مؤقت، والأملاك مؤقتة، والأرباح مؤقتة، والمناصب مؤقتة، وكل ما في اليد إلى زوال. ينبغي أن يعرف الإنسان هذه الحقيقة جيدًا، وأن يبتعد عن الطمع والجشع. فمهما جاءه من الدنيا، ومهما اتسعت أرزاقه، فإنه سيعيش في المتوسط ستين أو سبعين سنة، ثم سيرحل. ومهما أكل من ألوان الطعام، فلن يأخذ إلا قدر سعة معدته. ولو وُضعت نِعَم الدنيا كلها بين يديه، فإنه سيشبع ثم يعجز عن المزيد.
ومهما كثرت أملاكه، فليعلم أنها ستؤول بعده إلى ورثته. فقلْ لي بالله عليك: أيُّ هذه الأشياء لك حقًّا؟ المال الذي جمعته؟ البيوت التي بنيتها؟ الأثاث الفاخر الذي اخترته؟ الجاه الذي أحببته؟ الترف الذي تعلقت به؟ حين يأتي الموت لن يتركوك مع هذه الأشياء نصف ساعة، سيغسّلونك ويكفّنونك ويحملونك ويضعونك في قبرك، ويبقى كل ما أحببته خلفك. لن يأتي معك شيء من مالك ولا متاعك ولا قصورك، إلا عملك.
انظر إلى المقابر وتأمل: كم من غنيٍّ، وكم من مليونير، وكم من تريلينير، يرقدون اليوم تحت التراب؟ أين أموالهم؟ أين قصورهم؟ أين خزائنهم؟ مَن منهم استطاع أن يأخذ معه ولو عودًا صغيرًا؟ كل شيء بقي وراءهم، ولم يدخل معهم القبر إلا ما قدّموا من خير أو شر. هذه حقائق ينبغي أن تُدرك وتتحول إلى وعيٍ يحكم طريقة عيشنا وكسبنا وإنفاقنا وتعلّقنا بالدنيا.
ينبغي على الإنسان في هذه الدنيا أن يدرك أنه مسافر، مرّ بشجرة فاستظل تحتها قليلاً ليستريح، ثم راح وتركها. الدنيا إذن محطة عبور، ولم نأتِ إليها لنخلد ولا لنقيم فيها وكأنها النهاية. لذلك، اكسب ما شئت، لكن وأنت واعٍ بحقيقتها. اعمل واسعَ واطلب رزقك، ولكن عن طريق الحلال. أطعم أهلك وعيالك من الطيب، ولا تجعل الدنيا تدخل قلبك حتى تُنسيك الله والآخرة. فالفائز حقًّا مَن جعل دنياه طريقًا إلى رضا الله ونعيم الآخرة.


