تتبع زهرة دوّار الشمس حركة الشمس خلال اليوم، وهو ما يُعرف بـ”الانتحاء الشمسي”، ويختلف عن “الانتحاء الضوئي” الذي تتحرك فيه النباتات نحو مصدر ضوء ثابت، مما يؤدي إلى زيادة درجة حرارة الزهور وزيادة نمو النباتات الصغيرة، وجعلها أكثر جاذبية للحشرات الملقِّحة التي تقضي معها وقتًا أطول من غيرها.
ونرى أيضًا أشجار الغابات الشمالية تنمو مستقيمة نحو الأعلى رغم عدم تعامد أشعة الشمس أبدًا، كما أن أول جزء من الساق يخرج من تربة لا تنفذ الشمس إليها. وتغلق نبتة ميموزا بوديكا (النبتة الخجولة أو لا تلمسني) أوراقها في الظلام أيضًا، وعندما تشرق الشمس تبدأ بالتفتح، وحين تُلمس في ذلك الوقت لا تغلق أوراقها، ربما بسبب حاجتها إلى ضوء الشمس. كما نراها تتفاعل فيزيائيًّا، فتتحرك وتنكمش وترتخي باللمس والحرارة والنفخ والاهتزاز، ثم تعود إلى حالتها الطبيعية بعد دقائق.
الجاذبية أم الضوء أم ماذا؟
تلعب الجاذبية دورها، لكن كيف تشعر النباتات بها وتستجيب لها؟
أولاً: عندما تنجذب سوائل خلايا النبات نحو الأسفل بسبب الجاذبية، قد يكون الضغط على جدران الخلايا إشارة إلى أن تتجه الخلايا الجديدة من أسفل إلى أعلى.
ثانيًا: تحتوي خلايا النباتات على حبيبات نشوية -كالبروتوبلازم أو سوائل الخلايا- تتحرك إلى أسفل في وجود الجاذبية. كما تُنتج النباتات مواد تتحكم في نموها استجابةً للمُثيرات، وتسمّى “منظِّمات النمو النباتية” أو “هرمونات النبات”. ومن أمثلتها هرمون “الأوكسين”، ويُنتج في الغلاف الورقي للنباتات المحيط بطرف الساق، ويمكن إنتاج الأوكسينات في أطراف جذور النباتات، حيث يمكن أن يحفِّز وجود “الأوكسين” استطالة الخلايا أو يُثبِّطها، بناءً على الموضع الذي يؤثر فيه في النبات ومقدار تركيزه.
الفيزياء في عالم الحيوان
أنجزت إحدى الطالبات أطروحة ماجستير تحت إشراف كاتب هذه السطور، بعنوان “دراسات على كسور الرأس في الكلاب والقطط”. ومن بين نتائجها العامة، أن السقوط من علٍ -مع الجاذبية- لا يُحدث -مقارنة بأسباب أخرى- نسبةً كبيرة من كسور الرأس والفك السفلي في القطط.
تحب القطط التعرُّض للشمس عبر الوقوف على حواف النوافذ وشرفات الأدوار العليا، وفجأة -لسبب من الأسباب كالضوضاء أو فقدان التوازن- تسقط، وتدور حول محور جسدها عدة دورات لتهبط على أقدامها. وهذه البراعة الجمبازية أو البهلوانية، تثير تساؤلاً حول كيفية قيامها بذلك؟
ولمزيد من الإيضاح؛ لنفترض أنك تحمل قطة وترفع بطنها لأعلى، وتسقطها من علٍ على وسادة مرنة، فإذا كانت القطة مجرد “نظام ميكانيكي مغلق” يخضع لقوانين “نيوتن” الخاصة بحركة المادة، فيجب أن تهبط على ظهرها، لكنها عادةً ما تخالف ذلك عبر لَيّ وتدوير جسمها لتهبط بأمان على أقدامها.
وُهبت القطط مهارة عالية في الصيد أيضًا، فلها مقدرة على تحديد السرعة والمسافة التي تفصلها عن فريستها قبل الانقضاض عليها، حتى في الأماكن التي لا تسمح برؤية جيدة؛ فهي توظف قدراتها السمعية والشمية، ويمكن ربط ذلك برياضيات السرعة والمسافة وزمن الوصول: السرعة = المسافة ÷ الزمن
فإذا ركضت القطة مسافة 100 متر في 20 ثانية، فهذا يعني تحركها بمتوسط سرعة 5 أمتار/ثانية.
نعم، القطط لا تعرف الفرق بين قوانين “نيوتن” وقوانين “آينشتاين”، لكنها قادرة على فهم أن “لكل سبب نتيجة، واحتكاك الأجسام ببعضها يُصدر عنه صوت، وكلما كانت الحركة أقوى كان الصوت أعلى”.
ففي دراسة أُجريت باليابان عام 2016م، تم مراقبة 30 قطًّا أليفًا (13 ذكرًا، و17 أنثى، تتراوح أعمارها بين شهرين و126 شهرًا). وتم تحريك علبة بلاستيكية سوداء فارغة أو ممتلئة بالعصير، ثم تُقلب العلبة فيُشاهد القطُّ هل يسقط منها شيء أم لا؟
وصُمم نصف المحاولات ليكون فيها الوضع مخالفًا للفيزياء؛ فكانت القطط في حيرة من أمرها، إذ يصدر الصوت دون سقوط العصير، أو يسقط العصير دون حدوث صوت. وعندما تجد القطط نفسها في وضعية غريبة، تبقى ساكنة (مندهشة) لفترة طويلة تحدق في العلبة وتتساءل كيف يتم ذلك؟! مما يدل على قدرتها على التنبؤ بوجود أو غياب شيء غير مرئي اعتمادًا على الصوت الصادر الذي تلتقطه عبر حاستها السمعية القوية.
كيف تشرب القطط؟
كان يُظن أن القطط تشرب المياه كالكلاب عبر الغرف كالملعقة، لكنها في الحقيقة تستخدم قوانين “القصور الذاتي” وقوة دفع الأجسام ضد الجاذبية. فهي ترفع المياه بلسانها إلى الأعلى وتترك للفيزياء أن تأخذ مجراها، لتدخل المياه إلى جوفها بسلاسة، بينما المتبقي منه -الذي لم ترفعه للأعلى- يسقط مرة أخرى، وتكرر الأمر حتى ترتوي. وبالتالي، على القطة أن تحدد الوقت المناسب لتغلق فمها على المياه كي لا تسقط، وتتم تلك العملية في جزء من الثانية، وتحسبها القطة -فطريًّا- في كل مرة تغلق فمها بدقة. كل هذه الشواهد والتجارب البحثية المقارنة، جعلت العلماء يقرّون بأن القطط هي الحيوان الأعلم فيزيائيًّا.
إنها تفهم قوانين الفيزياء
قام فريق من جامعة الطب البيطري في فيينا، بتكييف نظام تتبع العين المستخدم على الأطفال الرضع، فتم تدريب أربعة عشر كلبًا أليفًا على وضع رؤوسها على راحة فكوكها السفلية أمام معدات تتبع العين، وتم اختبار مبدأ الاتصال السببي الكامن خلف قوانين “نيوتن” الثلاثة للحركة التي وضعها عام 1686م، هي:
1- الجسم الساكن يبقى ساكنًا، والجسم المتحرك يبقى متحركًا ما لم تؤثر عليه قوة ما.
2- إذا أثّرت قوة على جسم ما، فإنها تكسبه تسارعًا يتناسب طرديًّا مع قوتها وعكسيًّا مع كتلته.
3- لكل قوة فعلٍ قوةُ رد فعلٍ مساويةٌ لها في المقدار ومعاكسة لها في الاتجاه.
فعرضوا على الكلاب رسومًا متحركة -بتقنية ثلاثية الأبعاد- لكرات تتحرك أو ترتد بطرق مختلفة، أو تتحرك دون تأثير قوة ما. وعُرضت مقاطع الفيديو بترتيب عشوائي، حيث أظهر بعضها كرة تتدحرج نحو كرة ثابتة ثانية، ثم تصطدم بها، فتحرك الكرة الثانية وتتوقف الكرة الأولى، تمامًا كما يوحي قانون نيوتن للحركة، بينما عرضت مقاطع أخرى فوضوية لا تخضع لقوانين نيوتن.
تتبع الباحثون اتساع حدقة العين ومدى اهتمام الكلاب، فوجدوا أن الكلاب أبقت حدقة أعينها مفتوحة على مصراعيها وقتًا أطول عندما تدحرجت الكرات من تلقاء نفسها، أو ارتدت بطرق غير منطقية وغير متوقعة ومتحدية قوانين فيزياء الحركة، مما يشير إلى أنها فوجئت أو استغربت عندما تحدّت الكرات قانون الفيزياء محدثة سيناريوهات خاطئة.
وقد تصرفت الكلاب بالطريقة نفسها التي يتصرف بها البشر (الرضع منذ عمر سبعة أشهر) والقردة العليا (الشمبانزي) في دراسات مماثلة.
وعندما تكون الكلاب وبعض الدببة والفئران مبتلة، فإنها تحرك عمودها الفقري حركة اهتزازية (اهتزاز الجسم حول موضع سكونه في اتجاهين متضادين وفي فترات زمنية متساوية)، لتنفض الماء عن شعرها. ويمكنها ترك المياه تجف عبر التبخر، لكن بهذه الطريقة توفر كمية من الطاقة التي يمكن أن تفقدها بالتجفيف عبر التبخر وسخونة أجسامها.
وفي مقاطع فيديو مسجّلة، نرى ماعزًا صغيرًا يتراجع إلى الخلف قبل ركل كرة ليشحنها بـقوة الدفع اللازمة، وكذلك تفعل الكباش عندما تتناطح وتتقاتل فيما بينها لتعطي قوة دفع لضربات قرونها.
الجمباز البيولوجي
لتثبيت الريش في موضعه؛ لتعزيز قوة الرفع والدفع أثناء الطيران عند الطيور، تعمل خطاطيف وأشواك صغيرة في الريش كلاصق “فيلكرو” (Velcro) أي “الخطاف”، وهو مثبت صناعي شهير يُستخدم في صناعة الملابس والأحذية والحقائب وغيرها، ويتكون من قطعتين: قطعة فيها خطاطيف كثيرة، وقطعة أخرى من حلقة أهداب وعُرًى، تلتصقان ببعضهما بمجرد الضغط عليهما، وتنفكان بسهولة.
وتعمل قوى التماسك والجذب بين الذرات والخلايا، على تسهيل قدرة “أبو بريص” وبعض الحشرات الطائرة والزاحفة على تسلق الجدران والزحف أو المشي على الأسقف، متغلبة على قوة الجاذبية الأرضية ومبدأ السقوط الحر. كما يوفر قوامها البيولوجي وأنسجتها وهياكلها، التصاقًا أكبر لهذا الجمباز البيولوجي، مما يساعد على الحركة وتخفيف قوى فيزياء الاحتكاك بين أجزاء وأسطح الحيوانات.
فنجد لحراشف ثعابين كاليفورنيا الملكية قوامًا يسمح بالانزلاق السريع للأمام، لكنها تزيد من قوى الاحتكاك لتأخير الحركة الخلفية أو الجانبية. أما بعض الثعابين -التي تتحرك بكثرة جانبيًّا- فلديها قوام بيولوجي يقلل من إعاقة الاحتكاك في اتجاه حركتها تلك.
فيزياء الموائع والضوء
تتناغم الفيزياء الداخلية للمخلوقات مع الخصائص الفيزيائية للبيئة. فالتحرك خلال سائل، لا يخضع لسيطرة الجسم فحسب، بل أيضًا لخصائص هذا السائل. إذ تدفع الأسماك ذات الأجسام النحيلة نفسها بشكل أساسي عبر حركة الجسم والذيل جنبًا إلى جنب، بينما في أشكال أجسام الأسماك الأخرى، تولّد الحركة عبر تحريك زعانفها.
واهتدت إناث البعوض إلى قوانين أرخميدس في الطفو، فنجدها تزود كل بيضة من بيوضها بكيسين من الهواء لتطفو بهما على سطح الماء.
وتساعد الأسطح المانعة لنفاذية الماء، على تسهيل سباحة الطيور المائية وإقلاعها وطيرانها، بينما يسهل ريش طيور الغاق المائية تغلغل الرطوبة فيه ليساعدها على الغطس أسرع وأعمق لصيد الأسماك. كما تعمل الموائع على نظافة الجلود والحماية من الطفيليات الخارجية.
ومن الضروري إزالة المواد الغريبة من سطح الحيوان، للحفاظ على خصائصه الفيزيائية وتفاعله مع الضوء، عاكسًا ألوانه المتنوعة، التي لها صلة بسلوكيات متعددة؛ فهو يعزز عملية التمويه، والهروب من الأعداء أو إخافتهم بالتسمم، كما في بعض أنواع الضفادع الزاهية اللون، كما تسهّل الألوان عملية الصيد والتغذية، فضلاً عن أهميتها في عملية المغازلة والتزاوج.
مساكن فيزيائية
تخضع البِنى التشريحية للمخلوقات وأجهزة تنفسها، لفيزياء تبادل الغازات والتحكم في درجة الأكسدة والحرارة والرطوبة والتهوية ضمن نطاق مريح. فبدون تبادل الهواء بشكل كاف ستختنق المخلوقات. فمن الطيور مرورًا بالنحل والنمل والدبابير إلى القنادس والغرير، فُطرت المخلوقات على بناء الأعشاش والجحور والأنفاق والسدود للحماية من مختلف التهديدات البيئية.
فأعشاش الطيور تجمع بين العصي والأغصان وأوراق الشجر والعشب، في هيكل هندسي موثوق من حيث الاستقرار والسلامة الميكانيكية الفيزيائية. ويبدو أن الطيور تعرف أن العصي والأغصان المرنة توفر ثباتًا أفضل من القضبان الصلبة. ولقد أظهرت التجارب الفيزيائية أن ثني المواد الأكثر مرونة، يجعل قوى الاحتكاك تساعد أكثر على تثبيت العش معًا.
وقد كثر الحديث عن بيوت النحل ومساكن النمل، وكيفية هندستها وتهويتها بطرق متعددة. ولا تتسع السطور لمزيد من الشرح في هذا المجال، لكن كلاب البراري تقوم بهندسة جحور واسعة ذات فتحات متعددة، وتختلف تلك الفتحات في الارتفاع لتوفير التهوية المناسبة، عبر اختلافات الضغط التي تحفّز تدفق الهواء.
الحيوانات المنوية تتحدى
تدفع الحيوانات المنوية البشرية نفسها بحركة موجية -وكذلك الطحالب الخضراء وحيدة الخلية “كلاميدوموناس” (Chlamydomonas) ذات السوط الرفيع المرن- عبر السوائل اللزجة باستخدام ذيولها التي تشبه السوط. وذلك في تحدٍّ لقانون نيوتن الثالث للحركة، حيث توجد تفاعلات غير متناسقة وغير متبادلة في الحيوانات المنوية، وغيرها من العناصر المجهرية السابحة لمعرفة كيفية انزلاقها عبر مواد يُفترض نظريًّا أن تقاوم حركتها.
إذ تعمل السوائل عالية اللزوجة على تبديد طاقة السوط، مما يمنع الحيامن (أو الحيوانات المنوية) من التحرك كثيرًا ومواصلة سعيها لتلقيح البويضة. ومع ذلك، يمكن للسوط المرن الذي له معامل مرونة فريدة وميكانيكا داخلية دقيقة، أن يدفع الخلايا الجنسية دون إثارة استجابة البيئة المحيطة، أي دون فقدان الكثير من طاقته للسائل المحيط. بل تنتج الخلايا طاقتها الخاصة مع كل ضربة سوط من ذيولها، وكذلك تفعل الطيور مع كل رفرفة من أجنحتها.
هذه بعض المشاهد -وغيرها كثير- من أمة النبات، وأمة الحيوان والطير، توضح أن المخلوقات هُديت للتفاعل مع قوانين الفيزياء، مما يؤكد مسألتي خلقها ثم هدايتها: (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)(طه:50).
(*) كاتب أكاديمي مصري.


