شرايين الأمة

إن الله عز وجل خلق في أجسادنا مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، وهي القلب، كما أخبر بذلك مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم. وإن قلب الإنسان بالنسبة إلى جسده كحال القرآن والسنة بالنسبة إلى هذه الدنيا؛ فلو تمسّكنا بالقرآن العظيم والسنة النبوية المطهّرة ما ضللنا في الدنيا ولا في الآخرة.

وكما أن القلب لا يعمل بذاته فقط لإيصال ما يحويه، فإن القرآن والسنة – رغم حفظهما من عند الله – يحتاجان إلى من يبلّغ معانيهما وتوجيهاتهما من أوامر ونواهٍ. وكما نعلم فإن هذه مهمة الأنبياء والرسل، ومن بعدهم العلماء، وهي أيضًا تقع على عاتق المسلمين جميعًا، كما قال الأستاذ كولن – رحمه الله -: «إن الله عزّ وجل خلقنا لنَعرِفه ولنُعَرِّفه» ¹

ومن هنا نعلم أن مهمة تبليغ وتوصيل ما يحتويه القرآن والسنة الشريفة لم يمت بوفاة النور الخالد وأنّى له أن يموت وهو حيٌّ بيننا بسنّته صلى الله عليه وسلم. ومن ثَمّ أدرك الأستاذ كولن – رحمه الله – منذ صغره أنه صاحب هَمّ؛ ذلك الهمّ المشتقّ من الهمّة التي تدفعه لتبليغ ولو آية عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك الهمّ الذي يورث الحزن والعجز. ولهذه الغاية انطلق فرسان النور يطوفون الأرض؛ يبلّغون ويشرحون محتوى القرآن والسنة بالعمل والقول – إن احتاج المقام إلى القول – كما يفعل الوتين وفروعه.²

إن العصر الحالي لا يتحمّل شعار «نفسي نفسي»، بل يحتاج إلى «أمتي أمتي» حتى نصل إلى الغاية المنشودة، وهي أن ننجو ونُنجِيَ جميعًا. فهؤلاء الصفوة كان هدفهم حماية المجتمعات من الضياع والتيه، تمامًا كما أن وظيفة الوتين وفروعه حماية باقي الجسم من الفساد.

مرمى الخدمة

الإنسان في طريقه لطلب العلم يدرس بجدٍّ واجتهاد، ويسهر الليالي، ويحمل الهمّ، ويسافر من بلد إلى بلد من أجل أداء امتحان دنيوي، فيعدّ العدّة ويجهّز الزاد لتحقيق نجاح قد يسعده ستين أو سبعين عامًا، بل إن شئت فقل ألف عام. فهل يُعقل أن يجهّز الإنسان لامتحان دنيويٍّ نتيجته غير خالدة – أكانت مفرحة أو محزنة – ثم ينسى الاستعداد للامتحان الأكبر بين يدي الكبير سبحانه؟

ومن هذا المنطلق، تهدف الخدمة إلى خدمة الإنسان الأبدية التي تجعله سعيدًا مخلّدًا في النعيم، كأنها تمدّه بزاده الذي يوصله إلى الجنة وصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وكان الأستاذ كولن – رحمه الله – يضرب مثالاً عظيمًا في هذا السياق: لو افترضنا أن حريقًا اشتعل في بيت أحد جيرانك، فهل ستظل ساكنًا كالأثاث؟ أم ستُسارع لإنقاذهم من النار حتى لو كانوا أعداءك؟

والجواب – عند صاحب الفطرة السليمة – أنك ستُسارع لإنقاذهم، وهذا الإنقاذ قد يمدّ أعمارهم سنوات قليلة. فمن باب أولى أن نسارع لإنقاذ أنفسنا والآخرين من نار جهنم، وهي أشدّ حرًّا، وأدوم بقاءً، نسأل الله السلامة والنجاة.

زهرة من بستان الخدمة

الخدمة تحيي كثيرًا من السنن والمبادئ الإسلامية التي هُجرت، ومن بينها مبدأ الشورى، حتى إن سورة من القرآن تحمل هذا الاسم المبارك.

ولفترة الشباب مشكلات نفسية واجتماعية، من اندفاع وعنفوان، لكنك في هذه الحديقة ترى شبابًا جالسين وكأن على رؤوسهم الطير، في جلسة تُسمّى «الاستشارة»، رافعين شعار: «لا خاب من استشار».
وقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾(الشورى)، وقوله أيضًا: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾(آل عمران).

تختلف الآراء وتتباين وجهات النظر، لكن في ثوب من الاحترام والتقدير.

وقد قابلت فارسًا من هؤلاء، فأخبرني أنّ نتيجة الاستخارة قد تأتي في الاستشارة؛ فقد ينوي المرء أمرًا، ويستخير الله، ثم تأتيه البشارة أو الإشارة على لسان أحد إخوانه حين يستشيره، وهذه فائدة دقيقة من فوائد الاستشارة.

هل لقاؤنا كان صدفة؟

إن الإنسان كثير النسيان لنِعَم الله، فيصبح بذلك كنودًا. فالحمد لله الذي رزقنا هذه الصحبة الطيبة، ولقاءنا بهم، وإن كان ظاهره صدفة، فهو أجمل الصدف. وأقول أيضًا: إن الله ساقنا إلى الخدمة أو ساقها إلينا لحكمة يعلمها سبحانه، وقد يظهر القدَر ذلك لاحقًا، لكن الحقيقة أن هذا اللقاء كان من أقدارنا الجميلة.³

ومن الجدير بالتنبيه أن دورنا الآن أن نكون أصحاب هِمَم، نسير على خطى أولئك الفرسان، حتى يأتي كاتب جديد يكتب «عودة ثانية لفرسان النور» لإحياء الأمل في الأجيال القادمة.

نسأل الله أن يرحم الأستاذ وتلامذته الذين سبقونا إلى الإيمان، وأن يجمعنا بهم في دار مقامه ومستقر رحمته، مع النبي صلى الله عليه وسلم وصحبته، وأن لا يجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا، إن ربنا لغفور رحيم.


الهوامش

1- كتاب طرق الإرشاد في الفكر والحياة – الأستاذ فتح الله كولن.

2- الوتين: هو الشريان الأورطي الذي يخرج من القلب ويوصل الدم إلى باقي أعضاء الجسم.

3- كنود: تعني الإنسان الذي يذكر المصائب وينسى النعم.