هوية وتراث
تُعد التحف الخشبية إحدى الركائز الأساسية التي تحفظ ملامح الهوية الثقافية في مصر، ولا سيما داخل القاهرة التاريخية التي لا تزال تُشكّل متحفًا مفتوحًا لفنون العمارة الإسلامية. فهذه القطع الفنية، التي تتنوع بين الأبواب المزخرفة والمشربيات والمنابر الخشبية، تمثل شاهدًا حيًّا على تطور الحرف التقليدية ودورها في تشكيل الوجدان المصري عبر العصور.
فن يتجاوز الوظيفة
لم تكن التحف الخشبية في القاهرة يومًا مجرد عناصر معمارية أو أدوات منزلية، بل تحمل قيمة جمالية ورمزية عميقة. فقد استخدم الحرفيون الخشب لصناعة أبواب المساجد ونوافذ البيوت وحافظات المصاحف والمنابر وغيرها من العناصر التي تمتزج فيها الحرفة بالعقيدة والذوق الفني.
وتظهر هذه التحف بوضوح في أحياء القاهرة الإسلامية، مثل شارع المعز، والدرب الأحمر، والغورية، حيث تتخذ الزخارف الخشبية أشكالًا هندسية ونباتية تعكس تأثيرات العصور الفاطمية والمملوكية والعثمانية.
المشربيات… عبقرية الخصوصية والجمال
تُعد المشربية إحدى أبرز التحف الخشبية التي اشتهرت بها القاهرة، وقد حققت وظيفة معمارية متقدمة قبل قرون؛ إذ تُسهم في توفير الخصوصية، وتحسين التهوية، وترشيح الضوء، كما تُضفي على واجهات البيوت طابعًا فنيًّا مميزًا.
ولا تزال بيوت السحيمي وزينب خاتون والهراوي نماذج حية لهذا الفن، إذ حافظت مشربياتها على جمالها الأصلي الذي يعود إلى العصر العثماني.
منابر المساجد… تحف روحية وفنية
تحتل المنابر الخشبية مكانة خاصة بين روائع العمارة الإسلامية. فقد أتقن الحرفيون فن التطعيم بالأبنوس والعاج، إلى جانب الحفر الدقيق الذي يُظهر آيات قرآنية وزخارف متداخلة.
وتبرز منابر مساجد السلطان حسن، وقايتباي، والمؤيد شيخ كأروع الأمثلة على هذا الفن الذي يجمع بين الدقة الفنية والروحانية المعمارية.
الأبواب الخشبية… ذاكرة محفورة
لا تخلو القاهرة القديمة من أبواب خشبية تعود إلى مئات السنين، تحمل في نقوشها ملامح العصور المختلفة. وتمثّل الأبواب التاريخية لمسجد السلطان حسن ومدرسة الأشرف برسباي نموذجًا واضحًا للإبداع في توظيف الخطوط العربية والأشكال الهندسية.
تراث مهدد… وحاجة ملحّة للحماية
على الرغم من القيمة التراثية الكبيرة التي تمثلها التحف الخشبية، تواجه العديد من هذه القطع خطر التلف بسبب العوامل البيئية وغياب الصيانة الدورية. وينادي خبراء الآثار بضرورة وضع خطط متخصصة لحماية هذه الكنوز، خصوصًا مع ازدياد الإقبال السياحي على مناطق القاهرة الإسلامية.
هوية لا تغيب
تبقى التحف الخشبية في القاهرة شهادة حيّة على تفاعل الإنسان المصري مع البيئة، وقدرته على تسخير الطبيعة لصناعة فن لا يشيخ. إنها ليست مجرد بقايا من الماضي، بل جزء من هوية تتجدد عبر الأجيال. ففي أزقة القاهرة العتيقة، بين المآذن والأسواق، وبين خيوط الشمس التي تتسلل عبر المشربيات، تدرك أن التحف الخشبية ليست مجرد قطع أثرية، بل هي نبض المدينة وروحها الخالدة. إنها الموروث الذي يبوح بالهوية، ويحفظ التراث، ويشهد على إبداع الإنسان المصري الذي صاغ من الخشب تاريخًا ينطق بالجمال والتفرّد.
المصادر:
- الفن الإسلامي في مصر – د. حسن الباشا
- عمارة القاهرة الإسلامية – د. محمد حمزة الحداد
- الفن الإسلامي… بين الأصالة والتجديد – د. ثروت عكاشة
- العمارة والفنون الإسلامية في مصر – د. محمد عبد الستار عثمان
- النجارة العربية في مصر الإسلامية – الهيئة العامة للكتاب


