لا شك أن الرقمنة باتت اليوم البوابة الكبرى للوجود، إذ تسارعت فيه تقنيات الاتصال وتعددت فيه المنصات، ليبلغ الإنسان المعاصر ذروة التواصل من حيث الوسائل، لكنه في الوقت نفسه راح يرزح تحت عبء شعور متنامٍ بالوحدة والفراغ، حتى باتت روحه غريبة في جسده. إننا لم نكن يومًا محاطين بهذا العدد من “الأصدقاء” والرسائل والإشعارات، ومع ذلك فإن كثيرين يشعرون أن لا أحد حقًّا بجانبهم. إنها مفارقة العصر الرقمي، حيث وفرة الاتصالات وقلة الأنس، وكثافة الحضور الافتراضي وغياب المعنى الحقيقي.
الاغتراب ليس ظاهرة جديدة، فقد ناقشها فلاسفة كثر، من أمثال “هيغل” و”ماركس” و”كيركجارد”، لكنه اكتسب طابعًا جديدًا في العصر الرقمي. ويرى “زيغمونت باومان” أن المجتمعات الحديثة أصبحت “سائلة”، تفتقر إلى الثبات، والعلاقات فيها مؤقتة وسطحية، ما يعمّق من الشعور بالوحدة. يقول “باومان”: “نحن نحيا في زمن الشبكات، لكننا نخسر العمق البشري في علاقتنا بأنفسنا وبالآخر”. وفي هذا الإطار، تتجلى الرقمنة كأداة لإنتاج وهم التواصل، حيث تغدو الهوية نسخة رقمية مُعدَّلة ومُنتقاة بعناية، تُخفي هشاشة الذات واحتياجها الحقيقي.
تدهور بنية العلاقات الإنسانية
غيرت الرقمنة بنية العلاقات الإنسانية، وأصبحت الحوارات تدور عبر النصوص المختزلة، والإيموجي، والردود السريعة، بدلاً عن النظرة، والنبرة، والحضور الفيزيائي. ما يعني أن التواصل وجهًا لوجه، الذي كان يبني علاقات متينة عبر التفاصيل الصغيرة، أفسح المجال للتفاعل عبر الشاشات الباردة؛ اللمسة أصبحت “لايك”، والحضن أصبح “تفاعلاً”، والحب أصبح يُعبَّر عنه بالقلب الأحمر، بينما التعبير عن النقاء بالقلوب البيضاء، والسؤال الصادق عن الحال صار مجرد “سناب” أو “ستوري” تُشاهد بصمت.
وبينما تبدو هذه الوسائل أدوات للاتصال، فإنها في كثير من الأحيان تصنع تواصلاً هشًّا يخدعنا بسطحه البراق. وثمة دراسة أُجريت عام 2023م من قبل شركة “سيجنا” (Cigna) في الولايات المتحدة، أظهرت أن 58% من البالغين يشعرون بالعزلة رغم الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي. إنها عزلة لا تنبع من انعدام الوسائل، بل من افتقاد الدفء والمعنى.
وثمة فارق جوهري بين العزلة التي يختارها الإنسان ليخلو إلى ذاته ويتأمل ويستعيد توازنه النفسي، وبين العزلة التي يفرضها الواقع الرقمي، حيث يجد الإنسان نفسه محاطًا بـ”الحضور الكثيف” لمنصات التواصل، لكنه من الداخل يشعر بأنه غير مرئي. إنها عزلة قسرية، تنبع من العجز عن إيجاد تفاعل يلامس الأعماق.
والفيلسوف الوجودي “مارتن بوبر”، فرّق بين نوعين من العلاقات: علاقة “أنا-أنت” التي تنبني على الحضور المتبادل، والاحترام المتبادل للذات الإنسانية، وعلاقة “أنا-هو” حيث يُنظر للآخر كوسيلة أو ككائن. وفي العصر الرقمي يغلب النمط الثاني الذي يقول بأن الناس لا يتعاملون معنا كأشخاص، بل كملفات رقمية، حسابات، وسجلات نشاط.
ولعلنا اليوم نعيش في وهم كبير تُغذّيه المنصات الرقمية، يوهمنا بأننا على صلة دائمة بالجميع، لكننا في الحقيقة نفتقر إلى أبسط أشكال الحميمية. قد يُعلق عليك مئة شخص إذا نشرت صورة، لكن كم منهم يلحظ صمتك الطويل؟ كم منهم سيطرق بابك إذا شعرت بالحزن؟ كم منهم يسأل عنك حين تمرض؟ وحين تكتب منشورًا حزينًا، تتلقى “تفاعلات” وليس عناقًا.
والحقيقة أن هذه “الاجتماعية الزائفة” تُشبع الجانب الظاهري من الحاجة للانتماء، لكنها تترك الداخل خاويًا. إنها اجتماعية مشبعة بالشكل خالية من حيث المضمون.
اغتراب الذات وعبء الهوية الرقمية
حين هروب الإنسان من واقعه الضاغط إلى العالم الافتراضي، ظنًّا أنه يجد راحته، سرعان ما يتحول هذا المهرب إلى قيد جديد؛ فالهوية الرقمية التي يختار الإنسان أن يُظهرها في أفضل حالاتها، قد تتحول إلى عبء نفسي، حيث يبدأ في التماهي معها ونسيان ذاته الحقيقية. هذا الانفصال بين “أنا الواقع” و”أنا الرقمي”، يعمّق الشعور بالاغتراب ويضعف الثقة بالنفس.
وهذا ما يُشير إليه علماء النفس بـ”التمثيل الذاتي الرقمي”، وهي عملية تؤثر على تقدير الذات، وتُعمّق القلق والاكتئاب حين يشعر الإنسان أنه لا يستطيع أن يرقى إلى صورته الرقمية. الهروب من الواقع إلى الفضاء الرقمي يصبح ملاذًا من ضغوط الحياة، لكنه في نهاية المطاف يتحول إلى سجن صامت يُبعد الإنسان عن ذاته.
ومن جانب آخر، فإن المنصات المرئية مثل إنستغرام، وتيك توك، تُغرق المستخدمين في مقارنات لا تنتهي مع حيوات الآخرين المثالية.. تُرى صور العطلات، والنجاحات، والابتسامات المصنوعة، فتنشأ داخليًّا حالة من عدم الرضا، والشعور بالنقص، حيث صنعت هذه المنصات بيئة لا تعرف الرحمة، بيئة تقوم على التنافس الجمالي والاجتماعي لا الرحمة والتعاطف.
فكل صورة هي “عرض”، وكل فيديو هو مقارنة ضمنية؛ ترى فيه حياة الآخرين مفلترة، سعيدة، ناجحة، فتشعر -لا شعوريًّا- أن حياتك غير كافية. وهذه المقارنة الدائمة، تُنشئ شعورًا مزمنًا بالنقص، وتُغذي حالات الحسد والإحباط.
وقد أظهرت دراسة أجرتها جامعة بنسلفانيا عام 2018م، أن تقليل استخدام وسائل التواصل إلى 30 دقيقة يوميًّا، يُقلل بشكل ملحوظ من مشاعر القلق والاكتئاب. وهذا يدل على أن المشكلة ليست في الحياة نفسها، بل في العدسات التي نرى بها أنفسنا من خلال عيون الآخرين، مما يؤكد العلاقة الوثيقة بين الاستخدام المفرط لهذه المنصات، والمشاعر السلبية المتراكمة.
حين يصبح الخاص عامًّا
تتآكل الحدود بين الخاص والعام في هذا العالم الرقمي الذي نعيش فيه. فالتجارب الشخصية العميقة تُحوَّل إلى محتوى، والمواقف الحميمية تُوثَّق وتُشارك، وما كان يومًا شأنًا داخليًّا يُعاش بتأنٍّ، أصبح مادة للاستهلاك السريع. هنا تفقد التجربة الإنسانية عمقها، ويصبح العيش أشبه بالعرض المسرحي المستمر، حيث تُدار الحياة لأجل التصفيق وليس من أجل ذاتها.
ولم تعد التجارب الإنسانية تحفظ سريتها؛ كل لحظة تُوثَّق، كل فرح يُعلن، كل حزن يُعلَّق عليه.. الخصوصية لم تعد خيارًا، بل ترفًا. وقد أدى هذا إلى “تسليع الحياة”، حيث أصبحت التجربة الشخصية مادة للمحتوى، تفقد عمقها لحظة أن تُشارك من أجل “المشاهدات”.
إن المنصات لا تكافئ الصدق، بل الإثارة، ولا تُقدّر الألم، بل تستهلكه. وهذا ما يراه الفيلسوف الألماني “بيونغ تشول هان” في كتابه “مجتمع الشفافية”، حيث يرى أن الشفافية المفرطة تُفرغ الحياة من أسرارها، وبالتالي من معناها.
هذا وإن الاغتراب الذي نعيشه، هو نتيجة لآليات متشابكة، من أبرزها الإدمان على الدوبامين الناتج عن الإعجابات والتعليقات، وهي جرعات سريعة من الرضا لا تُشبع على المدى الطويل، بل تزيد الحاجة إلى مزيد من التفاعل السطحي.
ومن ذلك يظهر الخوف من الضياع (FOMO)، وهو شعور دفين بأن الآخرين يعيشون حياة أكثر إثارة، يدفع المستخدم للبقاء متصلاً دومًا، خوفًا من أن يفوته شيء ولو كان تافهًا.
أما التفكك العاطفي فيتمثل في اختزال المشاعر في رموز، واستبدال الحوارات بالتعليقات المختصرة التي أفقدت علاقاتنا الدفء، حتى إننا لم نعد نُصغي لبعضنا، بل نُجيب باختصارات باردة، حتى الألم يُعبر عنه بـ”وجه حزين”، بدلاً من حديث طويل صادق.
نحو تواصل أكثر إنسانية
الحل في ذلك كله، لا يكمن في الانفصال الكامل، فهذا غير واقعي، بل في إيجاد وعي جديد بكيفية استخدام التكنولوجيا؛ لأن الرقمنة الواعية ليست دعوة للانسحاب من العالم الرقمي، بل دعوة لاستخدامه كأداة لا كبديل. ومن ثم يجب أن ندرك أن المنصة ليست صديقًا، وأن الشاشة لا تُعوض النظرة الحانية، ولا الرد التلقائي بأيقونة قلب يمكن أن يحل محل ضمة حقيقية أو كلمة من القلب.
كما يجب علينا أن نعيد تعريف التواصل باعتباره علاقة قائمة على الحضور الحقيقي، لا على التكرار والتفاعلات الميكانيكية. وليس من المهم أن نراسل المئات، بل أن يكون هناك من نثق بأنه سيكون موجودًا إذا صمتنا. كما يجب أن نُعيد الاعتبار للقاءات المباشرة، وللمحادثات الطويلة، والعلاقات التي لا تحتاج إلى “تحديثات” كي تبقى حية.
وإن تخصيص أوقات منتظمة للقاءات الواقعية -ولو مرة واحدة في الأسبوع- كفيل بإعادة الروح إلى العلاقات. والمجالس الصغيرة، والأحاديث غير المسجلة، ولحظات الصمت بين صديقين هي ما يعيدنا إلى أنفسنا، ويكسر نمطية “المشاركة الدائمة” التي يفرضها علينا العالم الرقمي.
كيف نعيش متصلين -إذن- دون أن نفقد أنفسنا؟
تحتاج الرقمنة الواعية إلى ممارسات ملموسة تُحررنا من وطأة الاستخدام القهري. ومن أجل ذلك يتطلب الأمر تحديد ساعات استخدام يومية للشبكات الاجتماعية، واستخدام تطبيقات تراقب مدة البقاء أمام الشاشة. ويتطلب الصيام الرقمي لبعض الساعات أو الأيام، لاستعادة التوازن العقلي والنفسي. ثم استخدام التكنولوجيا لإثراء الواقع لا لاستبداله، مثل توظيف أدوات الفيديو للقاء الأحباب البعيدين، أو حضور محاضرات معرفية بدل التصفح بلا هدف. والتربية الرقمية للأطفال والمراهقين، ببناء وعي مبكر يميز بين الواقع والافتراض، وبين القيم الرقمية والقيم الحقيقية. وكذلك تعزيز التفكير النقدي عند استهلاك المحتوى، وعدم الاكتفاء بالسطحي واللحظي.
في هذا السياق، يمكن الاستفادة من فلسفة “الحد الأدنى الرقمي”، التي دعا إليها الباحث الأمريكي “كال نيوبورت”، حيث يقترح أن نُبقي فقط على الأدوات الرقمية التي تخدم قيمنا الأساسية، ونُقصي كل ما يستهلك طاقتنا بلا مردود إنساني.
استعادة الفضاء الحميمي
إن واحدة من مشكلات العصر الرقمي هي تآكل الحميمية. ولكي نعيد بناء هذه المساحة، لا بد أن نسترد حقنا في الصمت، والاختفاء، وفي أن نعيش لحظات لا يعرفها أحد، ولا نشاركها مع أحد، لحظات تبقى سرًّا بيننا وبين من نحب، لأن التواصل الإنساني ليس عرضًا عامًّا، بل علاقة مبنية على الثقة، والستر، والرعاية المتبادلة. ولنَعلَم أن بعض اللحظات أجمل عندما لا تُوثّق، وبعض المشاعر أصدق عندما لا تُشرح، وبعض العلاقات أعمق حين تُعاش خارج التوقيت الرقمي.
وأخيرًا، لنُعدْ تمركزنا حول المعنى لا حول الشهرة.. لنكتب منشورًا لأننا نريد أن نقول شيئًا صادقًا، لا لأننا نطمع في الإعجابات. لنلتقط صورة لأننا نحب اللحظة، لا لأننا نريد أن نبدو رائعين. لنتواصل لنبني شيئًا، لا لنُثبت وجودًا هشًّا في تدفق لا يتوقف. ولقد قدّم لنا فيلم “Her” (2013م) درسًا مريرًا: حين نُعطي عواطفنا لكيانات افتراضية، نخسر شيئًا من إنسانيتنا. وقد تكون العلاقة مع الذكاء الاصطناعي مريحة وخالية من التعقيد، لكنها تفتقر إلى الدفء وإلى الفوضى الجميلة التي تميز البشر.
وفي الختام، ينبغي التأكيد على أننا لا نخوض صراعًا مع التكنولوجيا، بل نقف أمام فرصة لإعادة توجيهها بما يلبي حاجتنا العميقة إلى الحب والانتماء والمعنى، لأن التكنولوجيا ليست عدوًّا، ولكنها مرآة تعكس وعينا، وتُظهر لنا كم نحن أقرب أو أبعد عن ذواتنا. وبين التوصيل والاتصال، يظل الإنسان هو من يقرر: هل يريد أن يتصل فعلاً أم يكتفي بأن يبدو متصلاً فقط؟
(*) كاتب وباحث أكاديمي مصري.


