مع توسّع الدولة الإسلامية وازدهارها في مختلف المجالات، ولا سيما في عصر الدولة العباسية، شهدت المؤسسات الصحية تطورًا كبيرًا، فظهرت المستشفيات التي عُرفت آنذاك باسم البيمارستانات، وهي كلمة فارسية الأصل تعني “مستشفى” أو “مكان المريض”. وقد كانت هذه البيمارستانات بمثابة مستشفيات عامة تُعالج فيها مختلف الأمراض؛ الباطنية، والرمدية، والنفسية، إضافة إلى إجراء العمليات الجراحية. وهي في الحقيقة تمثّل الأساس الأول للمستشفيات الحديثة التي نعرفها اليوم.
ولقد حظيت المؤسسات الطبية منذ صدر الإسلام بأهمية كبيرة لتقديم الرعاية للمرضى، ولا سيما الفقراء والمحتاجين. وعدَّ العرب المسلمون مهنة الطب في العصور الوسطى مهنة شريفة لا يَسمح بالانتماء إليها إلا لأصحاب الخبرة في التشريح، وعلم وظائف الأعضاء، ومعرفة النبض، وسائر العلوم المرتبطة بالطب. أما في مجال الصيدلة، فقد كان الأطباء العرب يطحنون ويمزجون ويُركّبون العقاقير المستخرجة من الأعشاب الطبية باستخدام أدوات مثل الهواوين والمدقات، ثم تُقطّر وتُحفظ في قوارير زجاجية بعد إجراء العديد من التجارب عليها.
وكان اختيار مواقع البيمارستانات يتم بدقة بالغة. فقد رُوي أنه حين طُلب من الطبيب الرازي تحديد موقع لبناء البيمارستان العضدي في بغداد، علّق قطعًا من اللحم في أماكن متفرقة من المدينة، فاختار الموقع الذي تأخّر فيه فساد اللحم، دلالة على جودة الهواء والمناخ.
وقد عرفت الدولة العباسية نوعين من البيمارستانات: المتنقلة والثابتة. وكانت المتنقلة تجهز بجميع احتياجات المستشفى من أطباء، وأدوات، وعقاقير، وطعام، وشراب، وتنقل من منطقة لأخرى عند الحاجة، وبلغت ضخامتها أحيانًا أن كانت تُحمل على قوافل من الإبل.
أما البيمارستانات الثابتة بشكلها المتكامل، فقد ظهرت أول مرة في عهد الوليد بن عبد الملك (88هـ / 706م)، ثم انتشرت في كبرى مدن الدولة، ومن أشهرها بيمارستان هارون الرشيد في بغداد، والبيمارستان النوري في دمشق الذي يشغله اليوم متحف الطب والعلوم عند العرب. وقد شيّده السلطان نور الدين زنكي (1118–1174م) بالقرب من الجامع الأموي، وهو من أبرز المباني العلمية الأثرية.
روعة البناء والتخطيط
بُنيت البيمارستانات على طراز المدارس ذات الصحن الداخلي، المحاط بعدة إيوانات. فمنها الإيوان الجنوبي الشرقي، وهو مساحة مستطيلة بعمق نحو 13.5 مترًا واتساع 8 أمتار، تتقدمه قاعة وسطى، وفي صدره دخلة عمقها 4 أمتار وعرضها 7 أمتار، وسقفه الخشبي مزخرف تعلوه قباب صغيرة مذهّبة. ويقابله الإيوان الشمالي الغربي المشابه له في الاتساع.
أما الإيوان الشمالي الشرقي، فيتقدمه رواق يستند إلى أربعة أعمدة، ويمتد على طول الضلع الشمالي الشرقي للدور قاعة. ومدخل هذا الإيوان يتكون من ثلاثة عقود على شكل حدوة فرس، أكبرها الأوسط، ويستند إلى عمودين. وقد صُمم الإيوان على هيئة حرف (T)، يبلغ طول جزئه المستعرض 14 مترًا وعمقه 3.5 أمتار.
وينقسم جناحه العمودي إلى قسمين بينهما باب؛ الأول (الأيسر) يطل بثلاث نوافذ على الحجرة المجاورة، أما الثاني وهو الأوسع، فيتكون من ثلاثة أروقة تفصل بينها بائكتان، بكل بائكة ثلاثة عقود من الآجر ترتكز على أكتاف حجرية، يبلغ اتساع كل منها نحو 3 أمتار.
وفي الإيوان الجنوبي الغربي تظهر فسقية في الوسط، ويتصل بصدره باب يؤدي إلى القاعة الرئيسية.
وتبرز في هذه الإيوانات روعة العمارة الإسلامية؛ إذ عُثر فيها على أفاريز خشبية كانت تُستخدم في تزيين القصر الفاطمي الغربي، ثم أعيد استخدامها في البيمارستان. وفي الواجهة عقود محمولة على أعمدة رخامية، وفي داخلها شبابيك هندسية مفرغة يتصدرها إفريز يحمل اسم المنشئ وتاريخ البناء، وتنتهي الواجهة بشرفات مسننة مزخرفة، دلالة على تأثر المبنى بالعمارة السورية.
وتطل الإيوانات على دور قاعة مكشوفة مربعة تبلغ مساحتها نحو 700 متر مربع، تتوسطها فسقية كبيرة تعلوها قبة محمولة على أعمدة من الرخام الأبيض ذات قواعد مذهبة، وإلى جوانبها أربعة أركان حجرية مغطاة برخام أبيض وأزرق وأحمر.
ويوجد بدور القاعة 12 بابًا تؤدي إلى وحدات البيمارستان المختلفة.
أشهر الأطباء وأكثرهم نبوغًا
برز في البيمارستانات العباسية عدد كبير من الأطباء المشهود لهم بالكفاءة والخبرة. من أبرزهم موفّق الدين ابن المطران، المولود في دمشق والمتوفّى سنة 1191م، وقد سار في مهنة الطب على خطى أبيه الذي كان طبيبًا كذلك. عمل ابن المطران في البيمارستان النوري الكبير، ويذكر المؤرخون أنه عند وفاته وُجد في مكتبته أكثر من عشرة آلاف كتاب طبي متنوعة.
ومن أشهر الأطباء أيضًا مهذّب الدين ابن الحاجب، الذي عُرف بدقته وإتقانه لمهنته، وبشفقته الكبيرة على مرضاه. وقد عمل في البيمارستان النوري الكبير حتى وفاته سنة 604هـ.
ويبرز كذلك الطبيب ابن النفيس (1210–1288م)، العالم الجليل الذي لا يختلف اثنان في مكانته الطبية. درس ابن النفيس الطب في البيمارستان النوري بدمشق على يد الطبيب مهذب الدين عبد الرحيم بن علي الدخوار (1170–1230م). وكذلك برز الطبيب كمال الدين الحمصي المتوفى سنة 1215م، وعلى الرغم من احترافه للطب، إلا أنه رفض الاتّجار به، إذ كان ميسور الحال بسبب انشغاله بالتجارة سابقًا.
حول نظام إدارتها
اعتمدت البيمارستانات في تمويلها على الأوقاف التي كانت تُنفق على المرضى والأطباء والطلاب. وكانت هذه الأوقاف تُوَثَّق بحجج مكتوبة تُنقش على الحجارة تأكيدًا لاعتمادها. كما تميزت هذه المؤسسات الطبية بتوفير الماء الجاري باستمرار، واتباع نظام إداري متكامل.
كان لكل بيمارستان رئيس يُسمى الساعور، ولكل قسم رئيس مختص: رئيس للجراحين، وآخر للكحالين، وثالث لأطباء الباطنة، إضافة إلى رئيس للتمريض. كما أُلحقت بكل بيمارستان شرابخانة (صيدلية) لها رئيس يُسمى المهتار يساعده عدد من الغلمان الذين يُطلق على الواحد منهم شراب دار. وكان هناك أيضًا ناظر عام يشرف على الإدارة كاملة.
ويُعد المسلمون من أوائل من وضع أسس علم الصيدلة، فأنشأوا المدارس لتدريسه، وفتحوا الحوانيت الطبية، ووضعوا الكتب الخاصة بتركيب الأدوية. ومن أهم الوظائف في البيمارستان رئيس الأطباء الذي يشرف على الأطباء ويأذن لهم بممارسة عملهم ويحدد مواعيدهم وتنظيم زياراتهم للمرضى. ويتبعه رؤساء التخصصات مثل رئيس الكحالين ورئيس الجراحين وغيرهم، وكانت لهم مكانة عالية لدى الخلفاء والأمراء. كما عمل بعض الأطباء تطوعًا طلبًا للأجر والثواب.
دقة ونظام وسعة استيعاب
بلغت البيمارستانات الإسلامية مستوى رفيعًا من الدقة والنظام والنظافة والضخامة، حتى ذكر المؤرخون أن بعضها كان يستوعب أكثر من أربعة آلاف شخص يوميًا للعلاج والتداوي. وانقسمت البيمارستانات إلى قسمين رئيسيين: قسم للرجال وآخر للنساء، وكل منهما يضم أقسامًا متعددة، منها: الباطنية، الجراحة، طب العيون، التجبير، وغيرها.
وكان لكل مريض فراش وملبس وأدوات طعام خاصة به لمنع العدوى. كما خُصصت قاعات لمصابي الأرق ليستمعوا فيها إلى الموسيقى الهادئة، أو يجلس إليهم رواة ماهرون يسردون القصص لتخفيف آلامهم. وبعد الشفاء، يُعزل المريض عن الآخرين ثم يُمنح عند خروجه خمس قطع ذهبية.
وبالمقارنة مع أحد المستشفيات التي أُنشئت في باريس بعد قرون من إنشاء البيمارستانات الإسلامية، نجد أن المرضى هناك كانوا يُجمعون في عنبر واحد، دون مراعاة لطبيعة أمراضهم، بل كان ينام أربعة أو خمسة مرضى في سرير واحد، فيختلط مريض الجدري بمصابي الكسور أو النساء القابلات للولادة!
حق للمسلمين وغيرهم
شهد علماء الغرب بأن الطب في البيمارستانات الإسلامية ازدهر ازدهارًا غير مسبوق. وكانت هذه المؤسسات مراكز لتخريج خيرة الأطباء المسلمين، وحفظ ابتكاراتهم وتطوير مهاراتهم وتدوين أبحاثهم الطبية. كما ظهرت فيها ممارسات الطب السريري، والجلوس إلى جوار المرضى ومتابعة حالاتهم مباشرة.
وكانت الرعاية الصحية في هذه البيمارستانات حقًا متاحًا لجميع الناس من مسلمين وغيرهم، كما وُضعت خدمات خاصة للجنود في الحروب، من خلال إنشاء بيمارستانات ميدانية متنقلة ترافق الجيوش ومعها كبار الصيادلة والأطباء.
علاج وإطعام ومتابعة ومعونة
قدمت البيمارستانات للمرضى والمصابين جميع الخدمات المتعلقة بالعلاج والغذاء والمتابعة المستمرة. ولم يقتصر ذلك على المقيمين فيها فقط، بل كان الأطباء يتنقلون إلى منازل المرضى لمن لا يستطيعون الحضور، حتى لو كان ذلك ليلاً أو نهارًا.
وقد مثلت هذه البيمارستانات مصدر راحة وطمأنينة للمجتمع الإسلامي، لما وفرته من علاج ورعاية وكسوة وغذاء، فضلاً عن قيام كثير منها بدور تعليمي طبي تطبيقي أشبه بالكليات الحديثة.
وكانت البيمارستانات الكبيرة تُقسّم إلى أقسام تخصصية متعددة، كالأمراض الجلدية والعقلية والعظام والكحالة والجراحة وغيرها، وتنقسم كل قاعة إلى وحدات دقيقة، مثل قاعة الحميات، وقاعة أمراض الإسهال، وقاعة المبرودين، وغيرها من الأمراض والعلل.
ولا يمكن إغفال وصايا أبي بكر الرازي (864–923م) لتلاميذه بأن يكون شفاء المرضى هو الهدف الأول، وأن يُعالج الفقراء بالرعاية نفسها التي تُقدّم للأغنياء، وأن يُشعر الطبيب مرضاه بالأمل ولو كان لا يرى ذلك. وقد أكد الرازي أن مزاج الجسد تابع لأخلاق النفس.
المصادر
1- تاريخ البيمارستانات في الإسلام – د. أحمد عيسى – مؤسسة هنداوي – القاهرة 2011م.
2- أبنية دمشق التاريخية: بيمارستان نور الدين – صلاح الدين المنجد – دمشق 1946م.
3- أساسيات العلوم الإسلامية في التراث الإسلامي – د. أحمد فؤاد باشا – الهيئة العامة للكتاب – القاهرة 2007م.
4- البيمارستانات الإسلامية حتى نهاية الخلافة العباسية – مؤمن أنيس عبد الله – الجامعة الإسلامية – غزة 2009م.
5- شمس العرب تسطع على الغرب – ريغريد هونكة – تعريب فاروق بيضون وكمال دسوقي – دار الجليل – بيروت 1999م.


