الإنسان بين التوجيه الآلي وحرية الوعي

حين تحكم الخوارزميات

في عصر الرقمنة والخوارزميات، يتربّى معظم الناس وفق الظروف التي يعيشونها، دون التفاتٍ إلى ما مضى في التاريخ من اتجاهات، ويعكسون في سلوكهم وأخلاقهم ما يُمارَس في محيطهم، ويبنون مستقبلهم على ما بناه أترابهم. وهم يكادون يطلبون الجديد تلو الجديد، ويمرّون على أمواج مقاطع “الريلز” التي لا تترك فيهم شيئًا مفيدًا، بل تُضعف قدرتهم على التفكير العميق. ويعاني مجتمع اليوم كثيرًا من أزمات نفسية وسلوكية تنتج عن محيطه وظروفه، وتضرّه بشكل كبير، كالإحباط الذي يُغلق أمامهم أبواب الحياة، والضغط النفسي المتولّد عن ثقافة «كن الأفضل دائمًا» التي تجعل كلّ فرحات الناس وتقلباتهم المزاجية محلَّ عرضٍ واحتفاءٍ على الشاشات.

ومن أسوأ الحالات التي تمرّ بها البنية الاجتماعية في بعدها الذهني ما يُسمّى بـ«التآكل الذهني» (Brain Rot)، وقد أصبح «كلمة العام» في قاموس أكسفورد لعام 2024م. ويُقصد به الإرهاق الذهني الناتج عن الاستهلاك المفرط لمحتويات رقمية منخفضة الجودة، مما يؤثر سلبًا في التركيز والتفكير العميق، ويصاحبه شعورٌ بالفراغ يُعرف بـ«الخدر العاطفي»، وهو حالةٌ يتخذها الإنسان وسيلةً لا شعورية يحمي بها عقله من مشاعر مؤلمة لا يستطيع استيعابها. ومن جميل ما يشير إليه القرآن الكريم في هذا المعنى قوله تعالى: «أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا».

الأسباب الداعية إلى التآكل الذهني

ومن أهم الدواعي التي تدفع المجتمع بأسره إلى التآكل الذهني الإدمانُ على التمرير اللانهائي للمحتوى القصير؛ إذ يؤدّي ذلك إلى فقدان الشغف والمعنى، وسيطرة الخوارزميات على توجيه الوعي، كأنها تملك الدماغ وتدبّره أسوأ تدبير. ولم يكن التمرير السريع للمحتوى القصير أمرًا بسيطًا؛ بل إنه يدرّب العقل على الاستجابة السريعة بدل التفكير العميق، ويجمّد ملكة التدبّر، ويحوّل الانشغال الدائم إلى لهوٍ يستنزف الوعي والعقل.

ما هي الآثار؟

آثاره التي تحيط بالمجتمع وتُضعفه حديثٌ ذو شجون؛ فمنها الآثار الأخلاقية السلبية، حيث يتراجع مستوى القيم الاجتماعية كالصبر والتعاطف، وتتهشّم العلاقات الإنسانية وتغدو سطحية، لا تظهر إلا على الشاشات. ويُعد تفكك العادات المنتِجة من أبرز ما يصيب السلوك؛ إذ يؤدّي إلى انهيار العادات البنّاءة مثل القراءة، والتعلّم الذاتي، والتأمّل، ويحلّ محلّها سلوكيات استهلاكية سريعة لا تُخلّف أي أثرٍ معرفي أو أخلاقي، بل تترك شكلاً من أشكال العبودية؛ حيث يصبح الإنسان مقيّدًا بما تفرضه الخوارزميات.

كما تُعد النزعة الفردية والأنانية من أثقل الآثار التي تترتب على هذا النمط؛ إذ لا يزال المحيط يُعيد تشكيل البناء الفرداني حتى يغدو الإنسان فيه ملكًا ورعيّة في آنٍ واحد، ويرفع شعار «أنا أريد» بدلاً من «لماذا؟» و«كيف؟». ومن الملاحظ أنه يُعد أزمة معرفية تؤثر في برمجة أنماط الانتباه، فتحوّل العقل من نمط التركيز العميق (Deep Attention) إلى نمط الانتباه المتشتت (Fragmented Attention)، مما يؤثر سلبًا في الإبداع واتخاذ القرار وبناء المستقبل. ويمكن القول، استنادًا إلى ما سبق، إن هذه عللٌ معنوية تصيب المجتمع في مجمله، فتقوده إلى انحطاط الهوية الأخلاقية والاجتماعية والمعرفية.

التحليل والمعالجة

لا يخطر بالبال وجود استراتيجياتٍ للعلاج الفوري، بل إن الأمر يحتاج إلى قدرٍ كبير من التخطيط والتوازن؛ وذلك عبر بناء محيطٍ جديدٍ يربّي على «الصيام الرقمي» (Digital Fasting)، الذي يعيد للعقل إيقاعه الطبيعي، ويخلق بدائل معرفية متكيفة خارج الشاشة، مثل القراءة الفعّالة، وبناء علاقة واعية ومتوازنة مع التكنولوجيا من خلال تنمية الوعي النقدي (Critical Consciousness) تجاه الخوارزميات.