إن البيئة ليست كتلة مادية صمّاء لا تسمع ولا ترى، وإنما هي جزء من كيان الإنسان؛ فعندما يستغرق وجدان الإنسان البُعد الأخلاقي، فإنه يحاكي البيئة بكل عناصرها محاكاةَ حب وانسجام، إذ يرى في شعور نفسه أن كل شيء يعمل وفق ما قدَّره الله عز وجل، فينظر إلى الحيوانات والنباتات والجمادات فيراها متوافقة مع بعضها البعض، وينظر إلى البحار والأنهار فيراها كذلك دون تنافر أو تعارض.
وهذه المشاعر الأخلاقية الطيبة توجّهٌ أخلاقي عظيم، تجعل الإنسان ينظر إلى البيئة بكل موجوداتها نظرةَ احترام ورحمة؛ فينظر إلى الحيوانات فيحافظ على بقائها وتكاثرها، وينظر إلى النبات فيكثر من الزراعة والمساحات الخضراء، وينظر إلى المياه فلا يلوثها، وينظر إلى الهواء فيحافظ على نقائه.. وهو بهذه النظرة ينسجم مع بيئته ببعدٍ أخلاقي عظيم يجعله يحب بيئته كما تحبه. ففي الحديث النبوي الشريف قال صلى الله عليه وسلم: “إذا قامت الساعةُ وفي يد أحدكم فسيلةٌ، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسَها فليغرسْها” (رواه البخاري).
إن الربط بين الجانب المادي المعرفي الذي يعتمد على التجربة والمشاهدة، والجانب الأخلاقي الذي يعتمد على الضمير ونقاء الفطرة، له أهمية كبيرة في مواجهة التغيرات المناخية وتحقيق التوازن البيئي. مثلاً، نظرة الإنسان عند تعامله مع أخيه الإنسان، إذا كانت قائمة على المادية المحضة؛ كأن يسأل عن أحواله المادية والتجارية دون أن يلتفت إلى الجانب الأخلاقي، أيْ لا يهتم بكيف يكسب ماله أمن حلال أم من حرام؟ ولا يسأل عن علاقته بربه وبالموجودات حوله وسلوكه معها. فإنه بهذا التصرف يكون قد أخلّ بالجانب الأخلاقي الذي يجعل الإنسان على غير توافق مع بيئته. فإن لم تُضبط حركته وفق منهج الله عز وجل، فإنه يكون قد تصرف تصرفًا خطأً نحو الموارد، فيلوثها أو يتلفها بدافع الأنانية والطمع، مما يؤثر سلبًا على التوازن البيئي.
أما إذا التقى مع أخيه الإنسان لقاءً قائمًا على الأخلاق، فإنه -بلا شك- يمكنه أن يعيش في انسجام وحب مع ما حوله، بعيدًا عن كل ما يعكّر صفو حياته.
إن البعد الأخلاقي للبيئة في الإسلام لم يأخذ اتجاهًا واحدًا، وإنما تتعدد اتجاهاته حتى يحقق الغاية المنشودة من وجود الكائنات الحية على الأرض. ولعل من أهم الأمثلة البارزة في هذا المجال، ما اشتهر به المسلمون في تخصيص أوقاف لأصناف من الحيوانات في سبيل رعايتها وصيانتها على المستويين الفردي والجماعي.
وليس هذا فحسب، فالإسلام نظرته للبيئة نظرة المحب لحبيبه، لا يعرف العدوانية والشرور حتى في أصعب الظروف وأشدها. فقد روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعث جيوشًا إلى بلاد الشام، فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه، فأوصاه قائلاً: “إني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبيًّا، ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطعن شجرًا مثمرًا، ولا تُخرِّبن عامرًا، ولا تَعقِرَنَّ شاةً ولا بعيرًا إلا لمأكلة، ولا تَحرِقن نخلاً، ولا تُفَرِّقَنَّه، ولا تَغلُلْ، ولا تَجبُنْ”(١).
ولقد تحدث الجاحظ في شأن الكلب والديك، مما قد يغفل عنه كثير من الناس، فقد خلقهما الله عز وجل واستودع فيهما كثيرًا من الأسرار التي تجعل الإنسان يرفع رأسه؛ ليعلن أن لهذا الكون إلهًا خالقًا، وأنه تعالى لم يخلق شيئًا عبثًا أو هملاً. فكان حديثه جميلاً حين قال: “لسنا نقف على أثمانهما من الذهب والفضة، ولا على أقدارهما عند الناس، وإنما ننظر فيما وضع الله عز وجل فيهما من الدلالة على عجيب صنعه وتدبيره، وعلى لطيف حكمته، وفيما استخزنهما (استودعهما) من عجائب المعارف، وأودعهما من غوامض الإحساس.. فلم يخلق الخلق سُدى، ولم يترك الصور هملاً، وليعلموا أن الله لم يدع شيئًا غُفلاً”(٢).
وكأنه بهذا المعنى يوجّه إلى الغاية التي من أجلها خُلقت هذه الحيوانات، بما تحمله من معان دالة على قدرة الله، وبما تحققه من توازن بيئي يعمل على استقرار الإنسان على الأرض.
إن المشكلة تكمن في حالة الانفصال بين البيئة في مادتها، والمحاكاة الأخلاقية عند التعامل مع مواردها، وهو ما جعل “آل غور” ينقد بشدة ما آلت إليه الحضارة الغربية من أزمات بيئية، فيقول: “إذا ما دمرت المناشير الآلية كل الغابات على ظهر الأرض، وكان الناس الذين يديرونها يسمعون صوت ارتطام الأشجار بأرض الغابة العارية، فهل هذا يهم في شيء؟ إن هذا العقل الرشيد، والتقدم العلمي الذي يراقب عالمًا لم يعد جزءًا منه، هو في الغالب عقل يتصف بالعجرفة، وعدم الإحساس واللامبالاة”(٣).
ويقول “توغارينوف” أحد مفكري هذه الفلسفة: “تطبيق المفاهيم الأخلاقية عند التعامل مع البيئة الطبيعية يدعو للشك جدًّا، فقطعُ الغابات وقتل الحيوانات ليسا عملين أخلاقيين، إن مجال العلاقة الأخلاقية أو اللاأخلاقية محصور بالإنسان والمجتمع فقط”(٤).
العلاقة الأخلاقية والجمالية بين الإنسان والبيئة
لقد كان “توغارينوف” محقًّا عندما أوضح هذه العلاقة بين الإنسان وبيئته، وأنه لم يعد يفكر في بيئته -ولو لحظة- وما آلت إليه من تدهور يعاني منه اليوم. فإن لم يعد الإنسان صديقًا لبيئته، فإن الأمر سينتهي إلى الدمار البيئي، وسببه الإنسان الذي يعادي نفسه، بل ويعمل على فناء وجوده على الأرض.
إن التعامل مع البيئة عندما يكون مبنيًّا على الأخلاق، لا بد أن تُجرى دراسات تكشف ما يترتب على القيام بأي نشاط اقتصادي، ومدى أضراره. فإن ترتب على وجوده أضرار تلحق بالتوازن البيئي، فلا بد من أن يراجع الإنسان نفسه، بأن يكون هو ونشاطه جزءًا من البيئة كوحدةٍ عضوية، فما يضر بالبيئة يضر بالإنسان، وما يضر بالإنسان يضر بالبيئة.
ولكي يكتمل التوافق بين الإنسان وبيئته، لا بد من الربط بين المعنى المادي والجمالي والروحي، الذي يعني التعرف على كل ما هو جميل في الكون بشواهد قرآنية تدفع إلى التأمل والتفكر، قال الله تعالى: (أَمَّنْ جَعَلَ اْلأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)(النمل:61).
وقال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ)(الأنعام:141).
إن الربط بين المعنى الجمالي والأخلاقي قائم على شقين: الشق المادي الذي يُمتع الأنظار، والشق الأخلاقي الذي يدفع بالسلوك الإنساني نحو البيئة في المحافظة على جمالها وبهجتها، في حيواناتها ودوابها وشجرها، أو حتى في جماداتها، في علاقة قائمة على المشاعر والأحاسيس الفياضة بالحب والتوادد.
ألم يقل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن جبل أُحُد: “وهذا أُحُدٌ، جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه”. (رواه البخاري)
عندما يجتمع البعد الجمالي مع البعد الأخلاقي، يكون هناك توافقٌ بين الإنسان وبيئته يجعله يفكر في نوع العلاقة بينهما: هل هي علاقة قائمة على الود والمحبة، أم على العداء والتنافر؟
إن التوافق المعرفي والجمالي بين الإنسان وبيئته بلغ في الإسلام ذروته. وإن الانفصال بين الإنسان وبيئته له آثاره الوخيمة في الحاضر والمستقبل، فبدلاً من أن يكون صديقًا لها أصبح يعتدي عليها، ووبال هذا التعدي يعود عليه بالضرر.
فالتعدي على البيئة جاء من ناحيتين: الأولى أنه تسلّط على الموارد بالقطع المفرط للغابات، وتحويلها إلى كتلٍ خرسانية، مما جعل اتصال أشعة الشمس بالأرض يزيد من سخونتها. والناحية الأخرى أنه أسرف في استعمال الطاقة الأحفورية (النفط، والفحم، والغاز الطبيعي)، التي تدفع إلى الهواء الحرارة، مما يؤثر على المناخ ويُحدث تغيّراتٍ مناخية لا يزال العالم يشتكي منها، تتمثل في زيادة انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون الملوث للبيئة، ومع الاحتباس الحراري الذي أضرّ بكثير من مناطق العالم، خاصة فيما يتعلق بالأمن الغذائي.
إن البيئة بكل مكوناتها وعناصرها مُلكٌ لله سبحانه وتعالى، فهو خالقا، والإنسان مستخلفٌ فيها استخلافًا يجعله يحافظ على مواردها بشكل يحفظ للأجيال القادمة حقهم في الحياة على كوكب الأرض.
وفي هذا المعنى يقول الأستاذ “كريسي موريسون” في كتابه “العلم يدعو للإيمان”: “الحياة شديدة الخصب في توالدها، حيث إنها تعول نفسها وتطعم من فائضها، وتضبط جميع الكائنات؛ لتمنع أي مخلوق من أن يطغى على العالم. فالجراد -مثلاً- لو بقي دون ضابط، لاستطاع في بضع سنين أن يلتهم كل زرع أخضر، وعندئذ تنتهي حياة كل حيوان فوق الأرض”(٥).
إن البيئة تحفظ توازنها بنفسها، فهي ليست في حاجة إلى من يعيد لها توازنها، شرط أن يتركها الإنسان وحالها كما خلقها الله عز وجل.
ويبحث علماء البيئة اليوم عن الأخطار التي تنجم عن تحطيم الغابة الأمازونية التي تُعدّ من أكثر الغابات كمالاً، كما أنها تمثل نظامًا بيئيًّا متكاملاً. وإن لتدهورها انعكاساتٍ خطيرةً لا تقتصر على البرازيل فقط، بل ستتعداها لتشمل الكرة الأرضية كلها بسبب التغيرات المناخية على المستوى العالمي، نظرًا لما لهذه الغابة من تأثير في درجة حرارة الجو ورطوبته، وفي الاحتفاظ بمياه الأمطار، والمحافظة على نسبة الأوكسجين وغاز ثاني أكسيد الكربون في الجو.
إن البعد الأخلاقي يمثل أهمية كبيرة في حماية البيئة من أي أضرار تلحق بها، فالأخلاق هي الأداة التي تُحرّك الإنسان نحو كل ما يحقق أمنه وسلامته، لأنها القناعة الإيمانية التي على أساسها يكتمل الإنسان سلوكيًّا، ليصبح منسجمًا مع الكائنات حوله، لأنه فهم الغاية من وجوده ووجود الكائنات حوله.
إن الأخلاق سلوك يتدرج من الإسلام قولاً إلى الإيمان عملاً وتنفيذًا، ثم يتدرج ليأخذ أعلى درجات الكمال والجمال البشري سلوكًا ومراقبة، وذلك بمقام الإحسان الذي عرّفه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سأله سيدنا جبريل عليه السلام عن الإحسان فقال: “أن تَعبُد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. (رواه البخاري)
ومقام الإحسان يجعل المسلم يراقب الله في السر كما يراقبه في العلن، ويتقي مخالفة أوامره في الخفاء كما يتقيها في الجهر.
ولا عاصم للبيئة مما يُحاك بها من أضرار إلا بالقناعة الإيمانية التي تُقوّم ما اعوجّ من سلوك، وما فسد من أخلاق.
(*) إمام وخطيب ومدرس بالأوقاف المصرية / مصر.
الهوامش
(١) الموطأ، للإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، ص:447.
(٢) الحيوان، الجاحظ، ج:1-2، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ص:309.
(٣) قضايا البيئة من منظور إسلامي، عبد المجيد عمر النجار، ص:203.
(٤) الطبيعة الحضارة الإنسان، توغارينوف، ص:44.
(٥) العلم يدعو للإيمان، كريسي موريسون، ترجمة: محمود صالح الفلكي، مكتبة مؤمن قريش، الطبعة الأولى 1434هـ/2013م، دار وحي القلم، ص:56.


