الفن والعلم هما ركيزتان أساسيتان لتواصل الإرث الحضاري، وهما الرسالة الأكثر ديمومة في المجتمعات والأقرب إلى القلب، فهما في قلب المتلقي الذي يلهث بمتعة وراء هذا التواصل. فالحرف العربي كعِلْم، لا يمكن أن يعيش من دون موسيقى كفن، إذ يتميز شكل الخط بآفاق جمالية لا حدود لها. فالحروف العربية هي وحدها المتفردة في امتلاك طاقة هائلة من الحركة والنطق والرقص والتمرد والرشاقة والإيقاع.
عندما نسمع صوتًا جميلاً أو لحنًا لعازف خبير، تصبُّ تلك الأصوات في أعماق الروح باحثة عن أصلها كما تصبُّ الأنهار في البحار العظيمة. وإن الأنّات أو الآهات التي نطلقها بوعي أو من دون وعي، ما هي إلا ظاهرة الروح التي تعاني الغربة والشتات. فالأرواح التي تعاني الهجرة والغربة تجد سلوتها ومتعتها في موسيقى العيون، هذه الموسيقى التي تضعنا في وسط حديقة غنّاء غير ملموسة، يجذبك إليها سحر الحروف ومشهد الكلمات، وما بين الاتكاء والعناق والتآلف والتناغم والانسجام، تسمو الروح في معراج الكلمات، وتصبح الموسيقى ريحانة ما بين سحر الكلمة وعبق الحروف.
تلك هي الموسيقى الصامتة التي تطلقها الحركات الإنسانية في امتشاق قامة الحرف العربي نحو الجمال والكمال والإبداع. كما أن الأرواح التي تأتلف في معايشة جمالية تلك الفنون، تعيش لحظات متفردة بأصالة متجذرة في أعماق الأبجدية التي أخذت على عاتقها بناء الإنسان الذي يفهم كيف يخرج المكنونات الدفينة إلى مسرح الوجود؛ كي تتفاعل مع النخب العطشى لتروي حدائق فوّاحة من العبير المندى بقبسات من الثقافة البصرية المتميزة.
ولأن الخط العربي يتميز بين كثير من الفنون العريقة التي عرفتها حضارات العالم بكونه فنًّا متأكدًا في أصالته التي شبّ عليها ونما منها وتشعبت عنها ضروبه الرائعة، فإنه وإن أدخلت إليه بعض المؤثرات الخارجية والطارئة، فمسته بشيء منها، وبأثر من رحلته التي لم تخلُ من إضافة حرف فهلوِي أو حرف أُورْدِي هندستاني أو حروف لغير أمة من الأمم، فإن ذلك لم يخرج به مطلقًا عن مقومات أصالته التي انبثق منها، واستقام له أن يكون فيها حرفًا عربيًّا.
وقد اتسعت له شعوب وأمم وأمصار اعتنقت الدين الإسلامي، فأغنت أشكاله وطوّرت أنماطه، وعزّزت من مناهج الأداء في خطه ورسمه، وذلك من خلال الخاصية الذاتية التي يتميز بها الإنسان المسلم عبر التزامه الصارم بأحكام دينه ومعايشته لها واقعًا حياتيًّا متكاملاً ومتناسقًا، حيث تنتظم علاقاته الاجتماعية، وكل دقائق أمور دنياه وكبائرها.
تسبيحات قلم في معترك الإبداع
من المؤثرات والعوامل التي رأى فيها “مارتن لنكس”، الخبير في المخطوطات العربية، سببًا مهمًّا في ثراء الخط العربي، الإحساس بضرورة التماثل والمواءمة ما بين الكلمة المسموعة والكلمة المكتوبة. فإذا كانت الأولى روحًا، فلتكن الثانية الجسد الممجّد لجمال الروح، وهو ما نبّه إليه “ياقوت المستعصمي” بقوله: “إن الخط هندسة روحانية بآلة جسمانية”.
ويكون للعين ما للأذن من ولَهٍ بها، وتماثل في الإبداع المتبادل بينهما، حتى صار المتعلمون من المسلمين يتفاضلون بجمال خطوطهم وحسن كتاباتهم كما يتفاضلون بعلو مراتبهم في العلوم والفنون والآداب. وكان لمدارس الخط من العناية ما يوشك أن يكون لمثيلها في الأدب واللغة، وكان على الخطاط أن يوسّع من قراءته في الدين والحكمة والأدب والشعر، ليختار من الكلام ما هو حقيق بالإبداع في خطه.
ولا بد من الإشارة عند الحديث عن المؤثرات والعوامل في تطور الخط العربي، إلى أثر الحيز أو المجال الذي مورست فيه الكتابة، والمواد التي استخدمت فيها، وإلى ما كان لهما من وقع إيجابي على مسيرة الخط العربي، بعد أن أصبحت الكلمة المدونة من بعض الأسس الرئيسية في تزيين المساجد وقبابها والقصور والأبواب وألبسة وأساور النساء، وحتى الخدود والقدود والأيدي والسيوف ودروع وخوذ المحاربين، والأواني النحاسية والزجاجية.
وصار للخط أن يتكيف للحيز المفرد له بشكلية مناسبة، وللمادة المعدة له بما يصلح لها من أسلوب في الأداء، فقد يختزل الكلام نفسه ويتكور بعضه على بعض بأثر من ذلك، وقد تَقْصر أطراف بعض الحروف أو تطول، وقد يندمج حرف بحرف في شكل واحد، أو تتوزع النقاط على الفراغات، وقد يتوزع حرف بين كلمتين، أو يختل رسم الحروف ومقاساتها عبر ابتداع شكليات جديدة لها إيقاعها الجمالي الخاص، الذي لا يكون له مثل هذا الإيقاع لو نُقل إلى حيز آخر أو نُقش على مادة مختلفة.
وقد يتوزع العمل بين شخصين أو أكثر ضمن أداء أسلوبي واحد، ورؤية جمالية منسجمة، وإدراك متوازٍ في استخدام المساحة المسطحة، بما يهَبُ الحرفَ جماليته المنبثقة من حُسن التوافق بين أجزاء العمل كله.
وقد دفع تعدد مجالات استخدام الخط العربي بالخطاط، إلى أن يُرهف من حساسيته التشكيلية وقدرته على الابتكار، وضبط إيقاعات الحروف وتوازنها الأفقي والعمودي، بحيث يكون لحروفه أن تنعقد في دائرة سقفية، أو تستطيل على عمود، أو تتخذ لها شكلاً مخمسًا أو مثمنًا، تتحدد أطرافه بمجموعة من حرف الألف أو اللام، لتصبح بالتالي ضربًا من الزخرفة الإشعاعية القائمة على المزج بين الإشعاعات النابذة والإشعاعات الجاذبة التي تدور حول بؤرة مركزية.
موسيقى الحروف الصارخة الصامتة
إن الحروف العربية هي وحدها المتفردة في امتلاك طاقة هائلة من الحركة والنطق والرقص والتمرد والإيقاع والرشاقة، تتخطى إطار الصورة لتعميق المشاركة ما بين طرفي العمل الإبداعي في الفن والمتلقي.
ولذا يقول “أراجون” في نص مختار عن مجنون ألزا: “لا يبقى على الفنان إلا أن يتنحّى بألوانه أمام الكتابة، تزحف من اليمين إلى اليسار على جباه النوافذ، على تواريق العِماد، حيث يخطّ القلم على البياض حرفًا فاحمًا أسود، شبيهًا بكوكبة فرسان في عُباب الصحراء، وثّاب الرشاقة كسيوف مسلولة، كل حرف حطّ قدمًا في الرمال كأنه انفعالات فهد جسور، أو كأنه انزياح جناحٍ أسود فجأة فوق الغبار”.
وإذا كانت الكتابة المحفوظة تعتمد على اللغة، فإن للعلامات والإشارات التشكيلية لغةً أخرى ترنو إلى ما وراء الطبيعة، حتى ولو أدرجنا العمل التشكيلي ضمن حقل الدلالات، ذلك لأن الفكر يلهث وراء عقلنة الأشياء ورموزها وألوانها، ويرنو إلى القبض على حقيقتها. ويُلاحَظ ذلك من خلال الكم الهائل من الألوان والتدرجات اللونية التي تُستمدّ من هذا اللون الغني بملايين الطبقات اللونية.
ولعلنا في العصر الحديث، يمكننا أن نستشفّ الصور الرائعة للكلمة المجردة التي تحمل في جنباتها معنى أدبيًّا خاصًّا، دون أن تشغل تلك الكلمة مساحة أساسية في اللوحة، حيث تعمل على مساعدة المتلقي في الدخول إلى عوالم الحروف وتشكيلات الكلمة، في استشفاف الموضوع ومحتواه عن طريق المعنى، وتجسيد ذلك المعنى بعدة طرق، لعل أبرزها اللون والبناء والحركة، كما في أعمال الفنان السوري الدكتور “محمد غنّوم”.
فظاهرة اللون في تجربته الرائدة هي بمثابة الدم الذي يتدفق في الجسم عبر الشرايين لتستمر الحياة، فالألوان هي مصدر الحياة الدائم، وهي التي تنشد التناغم الموسيقي لعناصر اللوحة. ذلك أن عملية التفكير في الجماليات العربية، مسألة جوهرية أمام كل من يريد صياغة خطاب على الممارسة التشكيلية.
يقول “غنّوم”: “إنه يعطي للحرف ما يتطلبه من مساحات أحيانًا، وأحيانًا أخرى يجمعه مع أترابه، وفي كل الحالات تصدح الموسيقى صاخبةً تارة، وعذبةً هادئة تارة أخرى. فالحرف العربي لا يمكن أن يعيش دون موسيقى، إذ يتميز شكل الخط بآفاق جمالية لا حدود لها”.
وقد حمل “غنّوم” تجربته الإبداعية العميقة وذاكرته الفنية وثقافته العربية، وطاف بها إلى دول غربية كثيرة، ليجعل من فنه تراثًا حيًّا يقف به ليتحاور مع حضارة العصر، ولتكون ورقة بحث لصالة مفتوحة في حوار حضاري له خاصية التميز والانفراد.
ورغم أن لحروفنا خصوصية ذاتية بالعرب وحدهم، إلا أنه يقدمها بلغة عالمية لا تحتاج إلى تفسير ولا إلى ترجمان، لكونها لغة الموسيقى العذبة التي يتميز بها هذا الخط، فيقدمها في عرسٍ لوني قادم من الشرق ليباهج العين وينعش النفس بالعناق، مصطحبًا توهّمات الروح وصفاء السريرة.
يؤكد الناقد التشكيلي “عبد الله أبو راشد” أن لوحات “غنّوم” تتصف بحشد الكلمات والحروف والملوّنات الفاقعة حينًا والهادئة حينًا آخر، والمتجانسة في كثير من الأحيان، حيث إن خاصية التكرار الحرفي أعطت مجالاً أساسيًّا في تأليف الصورة البصرية، فأصبحت الصورة الكلامية لمفردات محددة، هي البؤرة المركزية في توصيف واقع حال اللوحة، لتأخذ مداها الشكلي في جميع الاتجاهات، حيث المجاورة والتقابل والتماثل والانعكاس.
ويبحر “غنّوم” مع الألوان، وخاصة مع اللون الأزرق، لما يحمله من صفاء دلالي لصوفية الذات والاندماج في الفضاء الكوني لمدركات الطبيعة، نحو آلية حركية مشبعة بالحرية والانعتاق.
إن الديناميكية في لوحاته هي في حقيقة الأمر أساس إستراتيجي دائم في مسار العمل الفني، وعليه فإنه يعتقد أن التحولات الثورية في طرح الفنون العالمية المعاصرة لا تأبه كثيرًا بالتصنيفات النقدية مثل الحداثة وما بعد الحداثة والعولمة والخصخصة، وما إلى ذلك من مسميات مستحدثة.
(*) سفيرة بوزارة الخارجية المصرية / مصر.
المراجع
(1) المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، 1999م. القضاء بالمرفق في المباني ونفي الضرر للإمام التطيلي (ت 386 هـ)، وهو من كتب التراث التي تُعنى بهذا الجانب من الحضارة الإسلامية.
(٢) J. Sauvaget. La Mosquée Omayyade de Médine. Paris, 1947.
(٣) Marc Jeannerod. 2023. La double commande d’une pince de haute précision, La Recherche, No. 309, p. 54. Paris.
(٤) Yann Herault et Denis Duboule. 2022. Comment se construisent les doigts ?, La Recherche, No. 305, p. 40. Paris.


