ما أحوجنا، ونحن في شهر رمضان شهر القرآن، أن نرجع إلى آيات القرآن الكريم قراءةً وتدبّرًا وعملاً: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾(البقرة: 185).
فالقرآن هو أعظم منابع النور بركةً في الوجود، وأكثرها نفاذًا إلى القلوب؛ فكل أنواع الجمال في الوجود ظلٌّ لنوره. وهو مأدبة إلهية يتناول بها الإنسان أجزاء الوجود، ويشرح غاياتها، ويتناول الحياة القلبية والروحية والفكرية للإنسان فينظمها ويأخذ بيده ليوصله إلى هذه الأهداف، ويبيّن كيفية التعامل معها(1).
يؤكد الأستاذ كولن – رحمه الله – أن القرآن الكريم معجز بكل ما اشتمل عليه، وينفي قول المعتزلة بأن إعجاز القرآن كان بصرف الهمم عن معارضته، فيقول: “هناك من ادّعى أن الله صرف الهمم عن معارضة القرآن؛ ولذلك لم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، إلا أن القلب لا ينصاع لتقبل هذه المقولة؛ فالقرآن بكلماته وآياته وجمله يتحدى في الميدان، فليتفضل أهل هذا العصر، وليأتوا بنظيره، أو على الأقل بعشر سور تنافس سوره، أو حتى بسورة من مثله”(2).
ولم يستطيعوا ولن يستطيعوا: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾(الإسراء: 88). ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾(هود: 14).
وقد عدّد الأستاذ كولن وجوهًا عدة لإعجاز القرآن الكريم، منها:
1- نضارته على الدوام كأنه منزل الآن (3)
القرآن خطاب الله الأزلي، يخاطب جميع الطبقات في كل العصور، ولذلك لا بد أن تكون له شبابية دائمة؛ لذا ظهر شابًّا فتيًّا نضرًا في كل عصر، ومع كل قوم وكل فكر، كأنه خاص بذلك العصر ووفق مقتضياته(4).
يقول الأستاذ سعيد النورسي: “إن آثار البشر وقوانينه تشيب وتهرم، وتتغير وتتبدل، إلا أن أحكام القرآن وقوانينه لها من الثبات والرسوخ بحيث تظهر متانتها أكثر كلما مرّت العصور”(5).
فشباب القرآن يتجدد بمرور الزمن؛ إذ كلما تقدّم الزمن زاد سعي الإنسان، وانفتحت قنوات وعلوم جديدة تشرح لنا أسرار الكون وغوامضه، وهذا الحال يساعد على فهم القرآن أكثر فأكثر(6).
2- إحياؤه للقلوب، وحلّ معضلات الأمور
فوق أن القرآن كتاب إلهي موجَّه في المقام الأول إلى القلب والروح، ويخاطب الوجدان في جلّ تنزلاته، فقد وضع أفضل نظام اجتماعي يحل المشكلات الاجتماعية، ويصف العلاج والدواء للحياة الإنسانية بكل صورها، كما تناول المسائل الاقتصادية من خلال الإشارات العلمية والقوانين الطبيعية التي وضعها قبل أربعة عشر قرنًا، ووضع الأسس التربوية التي ينتهجها علماء النفس والاجتماع لحل مشكلات الإنسانية التي تتنازعها الأهواء والأزمات وتتجرع الآلام(7).
يقول كولن: “عندما تتصادق الإنسانية مع القرآن ستفهمه وتدرك مراميه وتستسلم له، فتصل إلى شاطئ الأمن والطمأنينة؛ أي لن تجد القلوب ولا العقول غذاءها ولا سعادتها إلا عند توجيهات القرآن وأوامره”(8).
3- بلاغة القرآن
يقول كولن: “إن القرآن ذروة في البلاغة، فلا ندّ له أو مثيل في هذا الأمر؛ لذا فلا يمكن عزوه إلى إنسان”(9).
فقد وقف الشعراء والبلغاء وأهل البيان موقف الدهشة والعجز عن معارضته ولو بسورة من مثله: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ…﴾(يونس: 37–39).
وفي الوقت نفسه الذي ظهر فيه معارضون للقرآن من الكفار وأهل الكتاب والمستشرقين، نجد آلافًا من المفكرين والباحثين ورجال العلم أبدوا إعجابهم وتقديرهم لبلاغة القرآن وأسلوبه.
ومن أقوال هؤلاء – كما ذكر كولن – قول أميل درمنهيم: “إن القرآن هو المعجزة الأولى للرسول صلى الله عليه وسلم، وإنه بجماله الأبدي سيبقى لغزًا لا يمكن الوصول إليه”.
ويقول رودويل: “إن الإنسان ليزداد ذهولاً كلما أمعن في قراءة القرآن، ولا يملك إلا الإعجاب به وتبجيله”(10).
إلى جانب آخرين أمثال: (أرنست رينان) ، و(كوستاف لوبون) ذكروا إعجابهم وكلماتهم عن القرآن الكريم(11).
وما زالت بلاغته مثار إعجاب لأهل البيان وأرباب اللغة، حيث تمتلأ المكتبات العربية بعديد الكتب والمقالات في اللمحات البلاغية، وكذا قنوات ووسائل التواصل المختلفة فعجائبه لا تنقضي.
4- التناسب والانسجام
رغم تعدد الأحداث والمناسبات في القرآن، إلا أنه اتسم بالتناسب والانسجام كأنه وحدة واحدة.
يقول كولن: “القرآن الكريم نزل في ثلاثة وعشرين عامًا وفي مناسبات مختلفة، وخاطب فئات متنوعة وشرائح متعددة، لكنه بانسجامه الخارق وتناسبه القوي يبدو وكأنه نزل مرة واحدة، ولسبب واحد، ولمخاطَب واحد”(12). فالحال أن القرآن مبني على التناسب والانسجام، والناظر إليه يراه كأنه وحدة متكاملة.
5- التربية والتأثير في جيل الصحابة
ومن الأمور الجديرة بالذكر أن كولن اعتبر بناء جيل الصحابة من معجزات هذا الكتاب الخالد، فيقول: “لقد أحدث القرآن في أول عهده بالنزول تأثيرًا لا يمكن تصوره في الأرواح والعقول، حتى إن درجة الكمال التي وصلت إليها الأجيال التي نشأت في جوه النوراني كانت معجزة قائمة بذاتها… فقد أنشأ القرآن جيلاً من الصحابة لا نبالغ إن قلنا إنهم كانوا في مستوى الملائكة”(13).
فهؤلاء الصحابة صنعوا مجتمعًا متميزًا مباركًا أثر في خمس البشرية – كما يقول كولن – وفتحوا القلوب الميتة، وغيروا وجه الدنيا وفق مبادئه السماوية(14).
فإذا تعامل إنساننا المعاصر مع القرآن كما تعامل الصحابة – رضوان الله عليهم – رجونا أن يتجدد شباب الأمة بجيل جديد يحيي مجدها ويستعيد نهضتها.
6- العلاقات التي أقامها بين الكون والإنسان
تكلم كولن عن فهم جديد استخلصه من القرآن لم يتكلم فيه المتكلمون كثيرًا، وهو العلاقات التي أقامها القرآن بين الإنسان والكون والأشياء. فيقول: “لقد أتى القرآن بنظرة متميزة للكون وللأشياء وللإنسان بأسلوب غاية في الروعة؛ إذ يتناول الإنسان ضمن الوجود بأكمله، ولا يهمل شيئًا، بل يضع كل شيء – مهما كان صغيرًا – في مكانه المناسب، فالجزء فيه مرتبط ارتباطًا دقيقًا بالكل”(15). كما يؤكد أن القرآن يجلي الحقائق أمام العقل والمشاعر والوجدان، وهو المفتاح الذهبي الذي يحوي قواعد الإنسان والوجود والكون(16).
وكأن (كولن) بحديثه هذا يجاوب أصداء النداء الذي وجهه الدكتور (عبد الهادي أبو ريدة) نحو التجديد في علم الكلام من قبل، حين قال :” لا نجد كلاما عن توثيق نص القرآن بحسب أحسن المعايير لحفظه حتى وصل إلينا، ولا كلاما عن لغته المتميزة، وطريقته في الكلام عن الله، والإنسان، والكون، ولا عن هدايته المتكاملة وخصوصا عن انفراده بين الكتب الدينية والفلسفية بالكلام عن الكون من شتى جوانبه الكلية والجزئية”(17). فها هو كولن يتحدث عن إعجاز القرآن ولغته وبيانه، ويعرض حديثه عن الكون والإنسان، وهو من معالم التجديد الذي نادى به أبو ريدة.
وقد ذكر كولن جوانبا أخرى لإعجاز القرآن الكريم كنظمه البديع، وجزالته الخارقة(18)، وإعلامه عن الغيبيات الماضية والمستقبلة(19)، إلى غير ذلك.
وخاتمة القول: آن للأجيال المعاصرة أن تبحث في هدايات القرآن وإعجازه عن خارطة طريق متكاملة؛ فاستحضار الوعي بأن آيات الله تخاطبنا في أدوارنا الإنسانية والاجتماعية كافة هو المفتاح الحقيقي لإقامة حياة رشيدة، منتهاها الفوز والنجاة في الدنيا والآخرة.
المراجع:
[1]- كولن: ترانيم روح وأشجان قلب ص 52- 58.
[2]- كولن: خواطر من وحي سورة الفاتحة ص 41.
[3]- وسماه بديع الزمان النورسي(شبابية القرأن وفتوته)، وسماه أحد الباحثين “إعجاز الجدة”، فالقرآن جديد كلما تلوته أحسست كأنك تتلوه لأول مرة.ينظر: النورسي: الكلمة الخامسة والعشرون – الكلمات ص 471، ينظر: محمد الهادي زيان: من أجل طرح جديد لقضايا علم التوحيد ص 61 جمعية الدعوة الإسلامية العالمية – طرابلس، ط: الأولى 1427ه- 1998م.
[4]- النورسي: الكلمة الخامسة والعشرون – الكلمات ص 471.
[5]- النورسي: الكلمة الخامسة والعشرون – الكلمات ص 471.
[6]- كولن: أسئلة العصر المحيرة ص 71-72.
[7]- كولن: أسئلة العصر المحيرة ص 72،75.
[8]- كولن: أسئلة العصر المحيرة ص 75.
[9]- أسئلة العصر المحيرة ص 86.
[10]- السابق، ص 86- 87.
[11]- كولن: أسئلة العصر المحيرة(1) ص 86.
[12]- كولن: خواطر من وحي سورة الفاتحة ص 40.
[13]- أسئلة العصر المحيرة ص20.
[14]- أسئلة العصر المحيرة ص 21.
[15]- ترانيم روح وأشجان قلب ص19.
[16]- كولن: ترانيم روح وأشجان قلب ص 20.
[17]- أعمال غير منشورة محمد عبد الهادي أبو ريدة تجديد الخطاب الديني والفلسفي/الفلسفة الإسلامية.
[18]- كولن: خواطر من وحي سورة الفاتحة ص 40.
[19]- كولن: أسئلة العصر المحيرة ص 77.


