انتشرت أمراض القلب بشكل ملحوظ خلال الآونة الأخيرة، نتيجة الممارسات والعادات الصحية الخاطئة. والخطير في الأمر أن أمراض القلب لا تؤثر على القلب وحده، بل تمتد آثارها إلى الدماغ، كما أن بعض أمراض الدماغ قد يكون لها تأثير ضار على القلب. إذ توجد علاقة تأثير متبادلة ومشتركة بين القلب والدماغ.
فعلى سبيل المثال، عند الإصابة بتصلب شرايين القلب، يحدث تصلب مماثل في الشرايين التي تغذي الدماغ، مما يؤدي إلى ضعف الذاكرة وحدوث نوبات فقدان الاتزان في سن متقدمة، وقد تتطور الحالة إلى الإصابة بجلطات دماغية.
تأثير أمراض القلب على الدماغ
عند الإصابة ببعض أمراض القلب، مثل اضطراب نظم القلب كـالرجفان الأذيني، قد تتكون جلطات داخل القلب تنتقل إلى الدماغ، مسببة جلطات دماغية. وفي حالات ضعف عضلة القلب، تقل كمية الدم المتدفقة إلى الدماغ، مما يؤثر سلبًا على وظائفه، مثل التركيز والانتباه والذاكرة. أما في الحالات الشديدة التي يحدث فيها توقف القلب لأي سبب، فإن تدفق الدم إلى الدماغ ينعدم تمامًا، مما يؤدي إلى تلف شديد في خلايا الدماغ.
تأثير أمراض الدماغ على القلب
في بعض الحالات المصابة بنزيف دماغي شديد، يحدث خلل واضح في نظم القلب، مع تأثير مباشر على وظائف الشريان التاجي، مما يؤثر في تدفق الدم داخل الشرايين. كما أن بعض نوبات الصرع قد تؤدي إلى اضطراب في نظم القلب، وقد ينتهي الأمر أحيانًا بحدوث وفاة فجائية نتيجة توقف القلب.
تشير الأبحاث إلى أن الحفاظ على صحة القلب له فوائد رئيسية في منع التدهور في وظائف الدماغ المصاحبة أحيانًا للتقدم في العمر. ووفقًا لدراسة حديثة نُشرت في مجلة الجمعية الأميركية لأمراض القلب، قام الباحثون بدراسة مجموعة متنوعة عرقيًّا من كبار السن، ووجدوا أن الحالة المثلى لصحة القلب والأوعية الدموية كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بسرعة أفضل في معالجة الدماغ خلال التقييمات الأولية، وانخفاض معدلات التدهور الإدراكي لاحقًا، بعد ما يقارب ست سنوات من المتابعة.
المقاييس السبعة للحياة الصحية
تعرف جمعية القلب الأميركية ما يُعرف بـ«المقاييس السبعة للحياة» لصحة القلب والأوعية الدموية، وتشمل:
- تجنب التدخين
- الحفاظ على وزن مثالي
- ممارسة النشاط البدني
- اتباع نظام غذائي صحي
- ضبط ضغط الدم
- ضبط مستوى الكوليسترول
- ضبط مستوى الجلوكوز في الدم
إن تحقيق هذه المقاييس السبعة لحياة صحية يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بالسكتات الدماغية والنوبات القلبية، حتى بين كبار السن. وقد أكد جاردنر، معدّ الدراسة ومساعد باحث في علم الأعصاب بكلية ميلر للطب في جامعة ميامي بولاية فلوريدا، أهمية قياس ورصد ومراقبة هذه العوامل السبعة من قِبل المرضى والأطباء، لما لها من تأثير مباشر أيضًا في الإدراك المعرفي ووظائف الدماغ.
في بداية الدراسة، تم اختيار 1,033 مشاركًا من دراسة شملت منطقة شمال مانهاتن، وكان متوسط أعمارهم 72 عامًا، حيث شكّل ذوو الأصول الإسبانية 65%، والبيض 19%، والسود 16%. خضع المشاركون لاختبارات تقيس الذاكرة والتفكير وسرعة معالجة الدماغ، والتي تهدف إلى قياس سرعة إنجاز المهام التي تتطلب قدرًا عاليًا من التركيز والانتباه. وبعد نحو ست سنوات، أعيد اختبار 722 مشاركًا لقياس التغيرات في الأداء الإدراكي مع مرور الوقت.
وخلص الباحثون إلى النتائج التالية:
– العوامل المؤدية إلى صحة مثالية للقلب والأوعية الدموية كانت مرتبطة بسرعة أفضل في معالجة الدماغ عند التقييم الأولي.
– كانت العلاقة أقوى لدى غير المدخنين، وذوي الوزن المثالي.
– ارتبطت صحة القلب والأوعية الدموية بانخفاض معدل التدهور في سرعة معالجة الذاكرة والوظائف التنفيذية.
– ترتبط الوظائف التنفيذية في الدماغ بالتركيز، وإدارة الوقت، والمهارات المعرفية الأخرى.
وخلصت الدراسة إلى أن اتباع التدابير التي تضمن صحة مثالية للقلب والأوعية الدموية يعود بفائدة مباشرة على وظائف الدماغ.
وأشار جاردنر إلى أن هناك حاجة إلى دراسات إضافية تشمل اختلافات عرقية ومستويات تعليمية ومعدلات محو أمية ووضعًا وظيفيًّا متنوعًا، لتعميم النتائج على فئات وشعوب أخرى. كما شدد على ضرورة تحديد الفئات العمرية أو الفترات الحياتية التي يكون خلالها تأثير عوامل صحة القلب والأوعية الدموية أكثر وضوحًا في الإدراك المتأخر، وكذلك دراسة السلوكيات والتعديلات الصحية التي قد تساهم في تحسين الأداء الإدراكي مع مرور الوقت.
ما يضر القلب يضر الدماغ
الأشخاص الذين لديهم عوامل خطر للإصابة بأمراض القلب، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم والسمنة، يكونون أكثر عرضة للإصابة بتغيرات في بنية الدماغ قد تؤدي إلى الخرف. وقد فحص الباحثون بيانات 9,772 بالغًا خضعوا جميعًا لفحص الدماغ بالرنين المغناطيسي مرة واحدة على الأقل، وقدموا معلومات تفصيلية عن صحتهم العامة وسجلاتهم الطبية.
ركزت الدراسة على العلاقة بين بنية الدماغ وعوامل خطر أمراض القلب والأوعية الدموية، ووجد الباحثون أنه باستثناء ارتفاع الكوليسترول، فإن جميع عوامل الخطر الأخرى، مثل التدخين وارتفاع ضغط الدم والسكري والسمنة، كانت مرتبطة بتغيرات دماغية غير طبيعية تُلاحظ لدى المصابين بالخرف. وكلما زادت عوامل الخطر الوعائية، تدهورت صحة الدماغ، كما يتضح من انكماش حجمه، وتراجع حجم المادة الرمادية المسؤولة عن إصدار الإشارات العصبية، إضافة إلى اعتلال المادة البيضاء المسؤولة عن نقل تلك الإشارات إلى باقي أجزاء الجسم.
أما فيما يتعلق بالخرف وشيخوخة الدماغ، فقد أوضح الباحث «سيمون كوكس» من جامعة إدنبره، وقائد فريق الدراسة، أن بعض العوامل المرتبطة بشيخوخة الدماغ لا يمكن تغييرها، مثل العوامل الوراثية. لكنه أكد في الوقت ذاته أن تحسين صحة القلب والأوعية الدموية، عبر تحسين النظام الغذائي، وضبط الوزن، وممارسة الرياضة، والسيطرة على مستويات السكر في الدم، والإقلاع عن التدخين، يحمل فوائد كبيرة للحفاظ على صحة الدماغ أيضًا.
وأظهرت الدراسة أن أقوى الروابط بين عوامل خطر أمراض الأوعية الدموية وبنية الدماغ كانت في المناطق المسؤولة عن مهارات التفكير المعقدة، وهي المناطق التي تتدهور عادة في مرض ألزهايمر والخرف. كما أفاد الباحثون في الدورية الأوروبية لأمراض القلب أن هذه العوامل تؤثر في صحة الدماغ في منتصف العمر بقدر تأثيرها في سن الشيخوخة.
صحة القلب والخرف
نشرت مجلة الجمعية الطبية الأميركية دراسة كشفت أن تعزيز الخطوات الرامية إلى تحسين صحة القلب قد يُقلل من خطر الإصابة بالخرف. حيث قيّم الباحثون بيانات أكثر من 6,000 رجل في السبعينات من العمر، غير مصابين بالخرف أو بأمراض القلب، وراقبوا التزامهم بالمقاييس السبعة للحياة الصحية التي توصي بها جمعية القلب الأميركية.
وأُجريت اختبارات نفسية للمشاركين في فترات زمنية مختلفة. وبعد ثماني سنوات، تبيّن أن الرجال الذين التزموا بخمس عادات صحية من أصل سبع كانوا الأقل عرضة للإصابة بالخرف بنسبة 8%، مقارنة بمن التزموا بعادتين صحيتين فقط، حيث بلغت نسبة الخطر لديهم 13%.
ورغم أن الدراسة رصدية ولا تثبت بشكل قاطع أن العادات الصحية وحدها تمنع الخرف، فإن نتائجها تتماشى مع العديد من الدراسات الأخرى التي تشير إلى العلاقة الوثيقة بين صحة القلب وصحة الدماغ.
وخلاصة القول:
إن الأوان لا يفوت أبدًا لمحاولة الوقاية من الخرف، ويجب أن ندرك جيدًا أن ما يؤثر على القلب، يؤثر على الدماغ أيضًا.


