أبو لهب… بئس العم وبئس الجار

حين أرسل الله رسوله ﷺ بالهدى ودين الحق، دعا الناس إلى عبادة رب الكون الواحد الأحد، وترك عبادة الأوثان التي لا تنفع ولا تضر. فآمن به القليل، وأنكر عليه الكثير، وكان في مقدمة المنكرين العوراء الحاقدة أم جميل – وكانت عوراء حقًّا، فاقدة إحدى عينيها – وهي زوجة عمه أبي لهب، أحد أشراف قريش، واسمه الحقيقي عبد العزى بن عبد المطلب.

كانت أم جميل امرأة غنية، ذات مال وشرف في قومها، لكنها اشتهرت بالسعي بالنميمة بين الناس، تبثها في مجالس النساء وعلى مسامع الرجال. ومع ذلك، كانت شديدة البخل على غيرها، بل وعلى نفسها؛ فلا تنفق كما ينفق الناس، ولا تتصدق كما يتصدقون.

فكانت تصنع لنفسها حبلاً، ثم تجمع الحطب من جبال مكة وطرقاتها لتوقد به نار دارها، ولا تُكلّف بهذا العمل أحدًا من فقراء الناس، حتى لا تنفق درهمًا أو درهمين، رغم غناها الشديد.

وقد نزلت سورة المسد التي نقرؤها في القرآن الكريم في أم جميل وزوجها، إذ أوحى الله إلى رسوله ﷺ قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾(سورة المسد)، وهي سورة مكية نزلت بعد الفاتحة.

ماذا فعل النبي ﷺ عندما نزلت عليه هذه الآيات؟

أرسل ﷺ إلى من كان عنده من كتّاب الوحي ليكتبوا ما أنزل الله عليه، وبعد الفراغ من ذلك أخذ يفكر في هذا الهجاء الشديد لعمه وامرأته، وتبيّن له ﷺ أن كل الصلات الطيبة بينه وبينهما قد انقطعت، خاصة أن عتبة ومعتب – ابني عمه – كانا قد تزوجا رقية وأم كلثوم، بنتي رسول الله ﷺ، وذاعت سورة المسد في أرجاء مكة كلها.

كيف كان أثر هذه السورة الكريمة على أبي لهب وزوجته؟

لما سمعت أم جميل بها، جاءت إلى المسجد تلتمس رسول الله ﷺ فلم تجده، فاندفعت تسبّه وتشتمه. وعاد زوجها أبو لهب إلى داره، وراح يقص على امرأته ما كان من محمد ابن أخيه، وقال: إن محمدًا يقول: «إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، إني لا أملك لك من الدنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيبًا، إلا أن تقولوا لا إله إلا الله».

فشاركت أم جميل زوجها في سخريته، إذ كان الطبع الأناني يطغى عليها، فهي لا تحب الخير لغيرها.

وكانت تشعر بنار تحرق أحشاءها كلما وصف قومها السيدة خديجة رضي الله عنها – زوج النبي ﷺ – بالطاهرة، ولولا خشيتها من انكشاف ما يضمره قلبها الخبيث لأعلنت حقدها صراحة.

ومن شدة حقدها، لما بلغها أن الوحي ينزل على النبي ﷺ من السماء، وأنه دعا قومه إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، ازداد حقدها على ابن عبد الله وزوجته خديجة رضي الله عنها، إذ خُيّل إليها أن الناس إذا آمنت بدعوته سينال شرفًا عظيمًا، وستصبح خديجة سيدة نساء قريش، كما أعماها الحسد عن إدراك أن في نبوة محمد ﷺ شرفًا لبني هاشم، بل شرفًا لقريش كلها.

واستمرت أم جميل في حقدها وغيظها على النبي ﷺ، وأبت أن تصغي لصوت الحق أو لنداء قلبها، الذي حاول أن يقنعها بأن نبوة محمد ﷺ شرف عظيم لها ولزوجها. فكانت تدخل دارًا بعد دار في مكة، تسب النبي وتنال من خديجة، لتشفي ما في صدرها من مرض، ولم تكتفِ بذلك، بل راحت تحرض الناس على من جعل الآلهة إلهًا واحدًا، وزعم – بزعمها – أنه يكلمه من السماء.

وظلت تنفث سمومها، وتزين للناس مقاومة الدعوة التي فرقت بين الأخ وأخيه، والمرء وأبيه، والرجل وصاحبته التي تؤويه. ولم تنسَ في طريق عودتها إلى دارها أن تجمع الحطب كعادتها، محافظة على بخلها الذي ألفته، ومواصلة حربها الشعواء على النبي ﷺ وزوجه السيدة خديجة رضي الله عنها.

وأبو لهب هو عبد العزى بن عبد المطلب، أحد أعمام الرسول ﷺ، وزوجته هي أروى بنت حرب بن أمية، أخت أبي سفيان بن حرب، وكنيتها أم جميل. وقد نزلت فيهما سورة المسد، وماتا على الشرك.

عداؤهما وإيذاؤهما للنبي ﷺ

كان أبو لهب وزوجته يسكنان في بيت مجاور للنبي ﷺ، وقد ناصباه العداء، ولم يراعيا حق القرابة ولا حق الجوار، فكان بئس العم وبئس الجار. فلم يكتفِ أبو لهب بالتخلي عن نصرة ابن أخيه، بل حاربه وسعى في صدِّ الناس عنه، وكانت زوجته شريكة له في اختيار الكفر والتكذيب، وفي صب الأذى على رسول الله ﷺ، وإعلان العداء لدين الله ودعوته.

ومن صور هذا الإيذاء أن زوجته كانت تحمل الشوك ليلاً وتضعه في طريق النبي ﷺ ليعقر قدميه، وكانت سليطة اللسان، تبسط فيه القول، وتكثر الافتراء والدس، وتؤجج نار الفتنة، وتثير حربًا شعواء عليه.

ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن جندب بن سليمان رضي الله عنه قال: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة – وهي أم جميل – فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك! فأنزل الله عز وجل: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾(الضحى: 1–3).

ومن المفارقات العجيبة أن أبا لهب هو الذي أعتق جاريته ثويبة لما بشرته بميلاد ابن أخيه محمد ﷺ فرحًا به، ومع ذلك كان من أشد الناس عداوة له بعد البعثة، حتى إنه كان يتبع رسول الله ﷺ في الأسواق والمجامع ومواسم الحج، ويكذّبه أمام الناس.

سبب العداوة

كان سبب هذه العداوة الغيرة والحسد، إذ كان أبو لهب رجلاً موسرًا جمع مالاً طائلاً، ومن وجوه قريش، لكنه كان يطلب المال والدنيا، لا الشرف بالعزة والخلق، فغلبت عليه الأنانية وحب الذات، ومن كان كذلك يميل إلى الابتعاد عما يراه مصدرًا للمتاعب. وقد أدرك أن دعوة محمد ﷺ ستضره في مصالحه، فقاومها بشدة، هو وزوجته، وكان النبي ﷺ يتيمًا فقيرًا لا يملك من الدنيا شيئًا.

ومما يؤكد ذلك أن النبي ﷺ كان قد زوّج ابنتيه رقية وأم كلثوم رضي الله عنهما إلى ابني أبي لهب قبل البعثة، فلما جاء الوحي قال أبو لهب وزوجته: اشغلوا محمدًا بنفسه، وأمرا ابنيهما بتطليق بنتي رسول الله ﷺ.

موت أبي لهب

مات أبو لهب متأثرًا بإصابته بداء العدسة، وبعد موته نفر عنه أولاده وأبناء عشيرته خوفًا من العدوى، فلم يدفنوه، بل أسندوه إلى حائط، وقذفوا عليه الحجارة من خلفه حتى وُوري، وقيل: بقي ثلاثة أيام لا يقربه أحد، ثم حفروا له حفرة ودفعوه إليها بعمد، وألقوا عليه الحجارة حتى توارى.

خاتمة

وأخيرًا، إن الغيرة والحقد كثيرًا ما يلازمان الإنسان الناجح في حياته العلمية والعملية، وإذا كان النبي ﷺ قد عانى في مكة أشد المعاناة بسبب دعوته الكريمة، فإنه قابل ذلك بالصبر والحكمة والموعظة الحسنة، والدعوة إلى المحبة الخالصة لله وللناس أجمعين.

الهوامش:

1- دنيا الوطن – 5 مايو 2020