التوازن التربوي.. بين الإشباع والحرمان

قد ينتهج بعض الآباء والأمهات سياسة تلبية جميع رغبات أبنائهم، حتى على حساب أنفسهم، ويكون مقصدهم من ذلك أن ينشأ الطفل «مشبع العينين» لا ينظر إلى ما في أيدي الآخرين.
وفي المقابل، يرى فريق آخر من الآباء والأمهات أن تلبية كل رغبات الأبناء ليست بالضرورة أمرًا صحيحًا، بل قد يكون عدم الاستجابة لبعضها أصلح لهم تربويًّا ونفسيًّا.

ويؤكد الأستاذ الدكتور محمد كمال الشريف، استشاري الطب النفسي بمستشفى الصحة النفسية بنجران، أن من الحقائق المؤكدة أن الحياة لا تعطي الإنسان كل ما يريد، وأن التربية السليمة تقوم على تعويد الطفل على هذه الحقيقة منذ الصغر. ولعل تلبية جميع احتياجات الطفل تجعله يعتقد أن الحياة ستمنحه دائمًا كل ما يتمنى، فينشأ غير مهيأ للحرمان أو الفقد.
لذلك، فإن تلبية احتياجات الطفل ينبغي أن تكون في حدود المعقول ووفق إمكانيات الأسرة، أما إذا ألحّ الطفل أو بكى، فلا ينبغي للوالدين التراجع عن قراراتهما.

ويفرّق الدكتور الشريف بين الحب والتدليل وتأثير كل منهما في شخصية الطفل؛ فالحب يتمثل في أن يشعر الطفل بالحنان والأمان من خلال احتوائه، وتقبيله، ولمسه، وتشجيعه، ولكن دون قبول الخطأ، مع تقويم السلوك الخاطئ أو معاقبته إذا استدعى الأمر ذلك.

أما التدليل، فهو إعطاء الطفل كل ما يشتهيه بغض النظر عن أخطائه وتصرفاته؛ فطلباته مجابة دائمًا، وأخطاؤه مغفورة باستمرار، ظنًّا من الأهل أن ذلك سيجعله صاحب «عين ممتلئة لا ينظر إلى غيره». غير أن هذا المفهوم خاطئ تمامًا؛ إذ إن الطفل المدلّل غالبًا ما يصبح شخصًا اعتماديًّا، طفيليًّا، يأخذ أكثر مما يعطي، ضعيف الشخصية، أنانيًّا، ويجيد حب المصلحة.

ويؤكد الشريف أن الحب غير المشروط مهما زاد فهو مفيد في علاقة الآباء بأطفالهم، بخلاف التدليل. فهذا الحب يجعل الطفل يشعر بالعاطفة والأمان، ويقوم على قاعدة تربوية مهمة، وهي أن يرفض الوالدان تصرّف الطفل الخاطئ دون أن يرفضا الطفل نفسه؛ فيحبّانه دون شرط، ويكرهان السلوك لا الشخص، مع العمل على تعديل هذا السلوك وتقويمه. ويسهم هذا الحب في تسهيل العملية التربوية، ويساعد على تصحيح الأخطاء السلوكية بصورة أكثر فاعلية.

كما أن الحب غير المشروط يمنح الوالدين وزنًا معنويًّا لدى الطفل، فيتأثر بحزنهما أو ضيقهما من تصرفاته، خاصة أن هذا النوع من الحب يجعلهما قدوة حسنة له، ويقوّي رابطة الصداقة بينهما.
فالحب لا يعني عدم حرمان الطفل من بعض الأشياء التي يحبها إذا تجاوز الحدود، بل إن الحب المتزن هو الذي لا يفتقد الحزم.

المبالغة في رعاية الطفل

ويقول الدكتور عبد الرحمن الدوسري في كتابه «أطفالنا والحب» إن المبالغة في رعاية الطفل وحمايته تُعد تشويهًا لصورة الحب. ويستشهد بالمثل الإنجليزي القائل: «المبالغة في العناية بالقط تقتله»، فالإفراط في الحماية يحرم الطفل من مواجهة قسوة الحياة، ويجعله غير قادر على اجتياز مشاقها، وغالبًا ما يُصاب بكارثة عاطفية عند الكبر.

كما يشير الدوسري إلى أن المبالغة في صرامة العقوبة، أو في المقابل عدم وضع ضوابط وقواعد للانضباط مهما أخطأ الطفل، يُعد خطأً تربويًّا جسيمًا.
ويؤكد كذلك أن تشدد بعض الآباء والأمهات وتمسكهم المفرط بالنظام والانضباط يُعد من الأخطاء التربوية، لأنه في كثير من الأحيان لا يكون نابعًا من مصلحة الطفل، بل من مصلحة الوالدين أنفسهم، إذ ينصبّ اهتمامهم على منع إزعاج سلوك الطفل لهم. وفي الوقت نفسه، فإن تجاهل تطبيق قواعد الانضباط مهما فعل الطفل هو ارتكاب للخطأ ذاته.

فالقاعدة التربوية السليمة تظل واحدة: لا إفراط ولا تفريط.