دروب الماضي في قلب مدن الحاضر

حين تتجول في دروب المدن القديمة، تشعر بأنك تمشي في نسيج حي ينبض بالدفء الإنساني، هذا هو الدرب الذي لم يعد له مكان في مدننا الحديثة، حيث استبدلناه بشوارع السيارات الصاخبة.

في السياق العمراني التقليدي، يشير الدرب إلى الطريق الضيق المتفرع من شارع رئيسي، وهو عنصر أساسي في تنظيم الأحياء السكنية التقليدية بالمدن العربية والإسلامية. ويتسم الدرب بطابعه الإنساني، حيث يجمع بين الانغلاق النسبي الذي يضمن الخصوصية لسكانه، والحميمية التي تنشأ عن تكرار اللقاءات اليومية بين الجيران، مما يجعله فضاء اجتماعيًّا مهمًّا، وليس مجرد ممر للحركة.

وفي المقابل، يمثل الشارع في التخطيط العمراني الحديث، الفضاء الحضري الرئيسي الذي يربط بين أجزاء المدينة المختلفة، ويشكل شبكة متكاملة لحركة المرور والتنقل. خاصة بعد هيمنة وسائل المواصلات الحديثة، وعلى رأسها السيارات بمختلف أنواعها وأحجامها. أصبح الشارع الحديث عنصرًا وظيفيًّا بالدرجة الأولى، صُمم لاستيعاب التدفقات المرورية الكبيرة، مما أدى إلى تغيير جذري في وظيفة الشارع مقارنة بوظائف الدرب في المدينة التقليدية.

وقد ترتب على هذا التحول مجموعة من التحديات، أبرزُها فقدان البعد الإنساني في الشارع، وضعف العلاقة الاجتماعية بين السكان، بالإضافة إلى الآثار البيئية السلبية المرتبطة بالتلوث والضوضاء.

إن هذه المقارنة بين دروب الماضي وشوارع الحاضر، تطرح تساؤلات مهمة حول كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الحياة العصرية، وضرورة الحفاظ على قيم التراث والمعمار الإنساني، خاصة في ظل التوجهات الحديثة نحو المدن المستدامة، التي تعيد الاعتبار لمساحات المشاة والدروب والممرات الصغيرة، وتعمل على تقليل الاعتماد على السيارات، بما يحقق بيئة حضرية أكثر صحة ومرونة.

خصائص النسيج العمراني التقليدي

الدرب في التخطيط العمراني التقليدي، هو جزء من شبكة الطرق في المدن العربية القديمة، فهو أصغر من الحارة التي كانت تمثل وحدة اجتماعية وسكنية أكبر تَجْمع بين عدة دروب وأزقة. ومن جانب آخر، فإن الدرب أكبر من الزقاق الذي يكون عادة أضيق من الدروب، فالزقاق أضيق نوع من الممرات داخل النسيج العمراني التقليدي، ومخصص حصريًّا للمشاة، ويتميز بضيق شديد وطابع خاص يجعله مساحة ذات خصوصية عالية.

الحارة والدرب والزقاق يغلب عليها الطابع الإنساني الحميم، حيث تسمح ببيوت متقاربة وظلال متراكبة في بيئة خاصة أو شبه خاصة، حيث يتشارك سكان الحي المناسبات والأفراح والأتراح، فهي مسارات مخصصة للمشاة بصفة أساسية، والسيارات الحديثة لا تدخل إليها بسهولة.

وعمليًّا، صُمم الدرب بعناية؛ ليوازن بين الظل والضوء، ويسمح بمرور الهواء ويخفض درجة الحرارة، وهو ما يلعب دورًا مهمًّا في مناخ المدن الحارة. كما يقيم التعرج والالتواء في الدروب، تجربة حسية فريدة، تضفي على الحركة نوعًا من الإيقاع والتنقل اللطيف بعيدًا عن الانفتاح والفراغ.

ويرتبط الدرب أيضًا بمفهوم “العتبة” أو الانتقال التدريجي، حيث لا ينتقل الإنسان فجأة من فضاء عام واسع إلى خاص مغلق، بل عبر مراحل من التدرج المكاني، تعكس ثقافة تحترم الخصوصية وتهتم بتكوين فضاءات متدرجة. وهذا ما يجعل الدرب يمتلك بعدًا رمزيًّا، كأنه جسر بين عالمين؛ العام والخاص، وأداة للحفاظ على الهوية ضمن نسق عمراني إنساني.

ومن الناحية الاجتماعية، فالدرب ليس مجرد ممر، بل هو فضاء اجتماعي، ومكان للقاء الجيران، ومجال للأنشطة اليومية كلعب الأطفال، ومرور الباعة، وتبادل الأحاديث، نسيج اجتماعي يعكس التآلف بين السكان.

يحضرني الآن، وأنا أكتب هذا المقال، أحد أهم الدروب في القاهرة التاريخية، وهو “درب اللبانة”. وتنبع أهمية هذا الدرب ليس فقط من موقعه المميز بالقرب من قلعة صلاح الدين الأيوبي، بل أيضًا لأنه يحتضن بين جنباته أحد البيوت الأثرية ذات الطراز العثماني المميز، وهو “بيت علي لبيب” الذي يشغله حاليًّا “بيت المعمار المصري”.

وقد كان لهذا الدرب والبيت، أهمية خاصة في حياة المعماري الكبير “حسن فتحي”؛ إذ أقام فيه خلال الفترة الأخيرة من حياته، وكان يرى في هذا الحي والبيت والدرب مصدرًا للإلهام، بما يعكس اهتمامه العميق بالعمارة التقليدية التي تنبع من البيئة المحلية، وتتناغم مع روح المكان والإنسان.

استعادة مفهوم الدرب في العمارة الحديثة

مع تزايد التحولات الحضرية والعولمة، اندثرت هذه الخصوصية التي كانت للدرب والنسيج العمراني التقليدي، وتحولت المدن إلى شبكات طرق عريضة تغيب فيها روح الحميمية والإنسانية. وإذا كنا لا نستطيع أن ننكر أهمية شوارع السيارات في المدينة الحديثة، حيث تدعم حركة مرور سريعة وفعالة للسيارات، وتسهل النقل البعيد والربط بين مناطق المدينة، كما تسمح بتوفير بِنَى تحتية حديثة ومتطورة (إنارة، صرف صحي، إشارات مرور)، فإن لها العديد من السلبيات؛ حيث تقلل من فرص التواصل الاجتماعي والتفاعل البشري، وتؤدي إلى زيادة التلوث والضوضاء وارتفاع درجات الحرارة، كما تفتقر إلى الخصوصية بسبب الفراغات المفتوحة والمكشوفة، إلى جانب أنها تزيد من مخاطر الحوادث المرورية، وقد تؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي وفقدان هوية المدينة التراثية.

هذا ما يجعل استعادة مفهوم الدرب، أو ما يماثله، ضرورة معمارية وإنسانية للعودة إلى عمارة تحترم الهوية وتعزز الترابط الاجتماعي. فالدرب كرمز للنسيج العمراني الإنساني، يعد نموذجًا لفهم كيف يمكن للتصميم أن يكون أداة للحفاظ على ثقافة المكان، ولإنشاء بيئات عمرانية تراعي الإنسان قبل أي شيء آخر، وتوفر الحماية والدفء الاجتماعي والبيئي.

من هنا تظهر أهمية الجمع بين مفهوم الدرب التقليدي، وشوارع السيارات الحديثة ضمن تصميم المدينة الحديثة. وهذا الدمج يحمل فرصًا كبيرة لتعزيز العمران المستدام من عدة نواحٍ، لكنه يحتاج إلى تخطيط دقيق يوازن بين الحركة المرورية، والبيئة الاجتماعية، والبيئة المناخية.

الجمع بين الدرب التقليدي وشوارع السيارات الحديثة

لتحقيق توازن بين الدرب التقليدي وشوارع السيارات الحديثة، يمكن تبني مجموعة من الأفكار التي تجمع بين البعد الإنساني والاحتياجات الوظيفية للمدينة المعاصرة.

يأتي في مقدمتها مفهوم التنقل متعدد الوسائط، الذي يتيح شوارع رئيسية واسعة مخصصة للسيارات، مع مسارات مخصصة للمشاة والدراجات الهوائية، وتداخل مساحات دروب ضيقة داخل الأحياء، تعزز الطابع الاجتماعي وتعيد للمدينة روحها الحميمية. ولضمان السلامة وجودة البيئة الحضرية، يمكن فصل حركة السيارات عن مسارات المشاة والدراجات بطرق ذكية تحافظ على الأمان والراحة.

كما يسهم تصميم فضاءات مشاة متدرجة في تحقيق الراحة المناخية والتفاعل الاجتماعي، عبر إنشاء دروب ضيقة مزودة بمظلات طبيعية أو معمارية توفر الظل والبرودة، وتخصيص هذه الفضاءات لتكون مناطق متعددة الوظائف، مثل مسارات خدمية، أو أماكن للتجمعات والأنشطة التجارية البسيطة. ويكتمل هذا التوازن، من خلال الحفاظ على خصوصية الفضاءات وتدرجها، بما يعكس روح النسيج العمراني التقليدي، إذ يتم الانتقال تدريجيًّا من الفضاء العام إلى الفضاء الخاص، مما يعزز الشعور بالأمان والراحة النفسية.

وأخيرًا، فإن استخدام التكنولوجيا الذكية في تنظيم حركة المرور، عبر أنظمة مرورية ذكية تتحكم في التدفق المروري، وتقلل الازدحام، وتضمن أمان المشاة، يسهم في تحقيق بيئة حضرية أكثر كفاءة وتوازنًا بين متطلبات الحياة العصرية، واحترام القيم الإنسانية والاجتماعية للمدينة.

ختامًا

إن الدمج بين عناصر النسيج العمراني التقليدي والشوارع الحديثة، يقلل من الاعتماد الكلي على السيارات، مما يخفض الانبعاثات والتلوث، ويحسن جودة الهواء والبيئة الحضرية، خاصة مع دمج المساحات الخضراء داخل الدروب والممرات.

من جانب آخر، يسهم ذلك في الاستدامة الاجتماعية، بتعزيز الروابط الاجتماعية من خلال توفير فضاءات للتجمعات والتفاعل ضمن الأحياء، مع الحفاظ على خصوصية السكان وسهولة التنقل الآمن داخل الحي.

ومن وجهة نظر الاستدامة الاقتصادية، فإن هذا الدمج يؤدي إلى توفير فرص تجارية صغيرة في الدروب داخل الأحياء السكنية، حيث يعزز الاقتصاد المحلي، ويؤمِّن وظائف، ويحفز النشاط الاجتماعي والاقتصادي. كما لا يمكن أن نغفل تأثير ذلك في الحفاظ على عناصر الهوية العمرانية والتراثية مع التحديث، مما يجعل المدينة أكثر استجابة لسكانها ويحافظ على تراثها في الوقت نفسه.

إن دمج دروب المدينة التقليدية مع شوارع السيارات الحديثة، بتخطيط مدروس، يعزز من جودة الحياة في المدينة بصفة عامة، ويحقق توازنًا بين الحركة المرورية والبيئة والبعد الاجتماعي، وهذا ينعكس إيجابيًّا على الاستدامة العمرانية، ويقيم مدنًا أكثر مرونة وصحية وذات هوية مميزة. إنه يجعلها ببساطة انعكاسًا مباشرًا لمفهوم “المدن الصديقة للإنسان والبيئة”. كما أن استعادة مفهوم الدرب في مدن الحاضر، ليس مجرد حنين للماضي، بل حاجة معمارية وإنسانية لإيجاد مدن أكثر إنسانية وتوازنًا.

(*) أستاذ ورئيس قسم العمارة بمعهد الطيران / مصر.