من الجسر إلى سماء الفكر
لا يُقاس تاريخ العظماء بعدد سنوات حياتهم، وإنما بما يتركونه من إنجازات خالدة تصنع حضورهم عبر الزمن. وتنتمي الدكتورة عائشة عبد الرحمن – الشهيرة بـ بنت الشاطئ – إلى جيل الريادة الذي تفتحت مداركه في مصر خلال عشرينيات القرن الماضي. نشأت في أسرة دينية محافظة، وحفظت القرآن الكريم في كُتّاب القرية. وكان والدها معلمًا بالمعهد الديني، ووالدتها امرأة واعية دعمت مسيرتها التعليمية، فكان لهما أثر كبير في نجاحها. وقد اختارت لقب بنت الشاطئ توقيعًا على مقالاتها، تقديرًا لحبها للشاطئ الذي وُلدت على ضفافه، واحترامًا لتقاليد الريف آنذاك.
وُلدت عائشة عبد الرحمن في دمياط في نوفمبر 1913م. وعندما رغبت في الالتحاق بالمدرسة اصطدمت بتقاليد تمنع الفتاة من الخروج من المنزل، ورغم ذلك تابعت دروسها في البيت بمساندة والدتها، فاجتازت امتحاناتها بتفوق.
عام 1929م حصلت على شهادة كفاءة المعلمات وكانت الأولى على مستوى مصر. ثم نالت الثانوية العامة بنظام المنازل، فالتحقت بقسم اللغة العربية بكلية الآداب – جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا). وبرز نبوغها المبكر حين ألّفت كتابًا عن الريف المصري وأحوال الفلاحين وهي في السنة الثانية من دراستها الجامعية.
وواصلت تميزها العلمي؛ فتحصلت على درجة الماجستير عام 1941م بعنوان “الحياة الإنسانية عند أبي العلاء المعري” تحت إشراف الدكتور طه حسين، ثم نالت الدكتوراه عام 1950م بتحقيق رسالة الغفران للمعري، وكان طه حسين أحد مناقشيها.
عائشة عبد الرحمن… ابنة بيئتين
انفتحت عيناها على عالمين مختلفين:
– شبرا بخوم بالمنوفية، موطن والدها، حيث حفظت القرآن الكريم في كُتّاب الشيخ مرسي.
– دمياط، حيث نشأت على زرقة البحر وذكريات الصيادين وعابري التجارة.
وفي طفولتها درست إلى جوار زميلَيها اللذين أصبحا لاحقًا من رموز الثقافة: شوقي ضيف رئيس مجمع اللغة العربية لاحقًا، وطاهر أبو فاشا الشاعر المعروف.
أما في شبابها، فقد تتلمذت على يد الدكتور طه حسين، وجاورت شخصيات ثقافية كبرى مثل أحمد لطفي السيد، وسمعت قراءة القرآن من الشيخ محمد رفعت الذي اصطحبها والدها إليه لتتلو عليه آيات من القرآن الكريم.
مع أمين الخولي… أستاذًا وزوجًا
كان لقاؤها الأول مع الشيخ أمين الخولي حدثًا فارقًا. قدّمت له بحثًا في السنة الثانية بالجامعة، وبدأت كلامها بقولها: “أرى…”. فقاطعها بحدة:
“وهل في هذا العلم مجال للرأي؟ وكيف تفرّقين بين المصدر والمرجع؟”
كانت صدمة لها، لكنها تعلمت منه المنهج العلمي وأسس القراءة والبحث (1). وبعد سنوات تزوجا، فكانت زوجة مخلصة، أحبته بعقلها ولمسته بقلبها. وبعد وفاته كتبت في سيرتها “على الجسر” كلمات تفيض حزنًا، منها قصيدتها “بعد عام” (2).
مناصبها العلمية
مثّلت الدكتورة عائشة نموذجًا للمرأة العربية المسلمة التي شقّت طريقها بجهدها وعلمها. فقد انتقلت من طفلة على شاطئ النيل في دمياط إلى:
– أستاذ للتفسير والدراسات العليا بكلية الشريعة – جامعة القرويين (المغرب).
– أستاذ كرسي اللغة العربية بجامعة عين شمس.
– أستاذ زائر في جامعات السودان والجزائر ولبنان والإمارات والسعودية.
وخلال الفترة 1967–1983م خرّجت أجيالاً من العلماء والمفكرين في العالم العربي. كما عملت بالصحافة في مجلة النهضة النسائية، وبجريدة الأهرام بمقال أسبوعي.
مؤلفاتها
أصدرت أكثر من أربعين كتابًا في الدراسات الإسلامية واللغوية والأدبية والتاريخية، منها:
- القرآن وقضايا الإنسان
- التفسير البياني للقرآن الكريم
- الشخصية الإسلامية
- سيدات بيت النبوة
- تحقيق رسالة الغفران للمعري
- الخنساء الشاعرة العربية الأولى
- مقدمة في المنهج
ومن أعمالها الأدبية: على الجسر (سيرة ذاتية)، أرض المعجزات، أم الرسول.
سيدات بيت النبوة… فرصة صنعتها بذكائها
جاءتها فرصة ثمينة حين اتصل بها الدكتور عصمت عبد المجيد – مدير الثقافة بوزارة الخارجية – يسأل عن كتاب عن السيدة آمنة بنت وهب. وإذ أكدت عدم وجوده، طلبت مهلة لإعداده. فاعتزلت ثلاثة أشهر قارئة وباحثة، لتؤلف كتابًا نادرًا استخرجت مادته من بين السطور القليلة المتاحة، فجمعت بيئة السيدة آمنة ونسبها، وملامح الحياة الجاهلية، وزواجها من عبد الله، وولادتها للنبي الكريم، ووفاتها (3).
من أقوالها
- “لا خصومة بين الرجال والنساء… فهم رفقاء في رحلة الحياة.”
- “لا يصح أن نُسمّى عالمًا ثالثًا… فلدينا عراقة حضارية.”
- “تراثنا يستوعب الماضي والحاضر والمستقبل.”
- “الاهتمام بالتراث القديم لا يعني إهمال التجديد.”
قالوا عنها
قال الدكتور مصطفى الشكعة: “إحدى العالمات المسلمات اللاتي عشن في رحاب القرآن الكريم، يستشعرن أصول الإنجاز الإلهي.”
وقال الدكتور محمود حمدي زقزوق: “رائدة شجاعة من رواد الفقه الحديث المستنير في القرن العشرين.”
حارسة التراث
كان التراث الإسلامي بالنسبة لها زاد الأمة وعنوان هويتها. وقد نبّهت إلى خطورة القطيعة مع التراث أو الاستهانة به (4)، فأفردت له كتابًا مهمًّا هو “تراثنا بين ماضٍ وحاضر”، درست فيه:
– حركة صون الشعر الجاهلي في صدر الإسلام.
– دور الدولة الإسلامية في إنشاء دور الكتب العامة.
– تعامل المستشرقين مع التراث، ودوافعهم التبشيرية والاستعمارية (5).
فقيهة التجديد
مثّلت الدكتورة عائشة التطبيق الأوضح لمنهج أستاذها أمين الخولي القائم على: “نتعلم من السابقين… لكننا لا نسير خلفهم.”
فأخرجت كتابي:
- التفسير البياني للقرآن الكريم
- الإعجاز البياني للقرآن الكريم
واستهلت كتاب التفسير البياني بمقولة الإمام مالك: “ليس كل من أحب أن يجلس للحديث والفتيا جلس حتى يُشاور فيه أهل الصلاح والفضل…”، وقالت إنها لم تجلس حتى شهد لها سبعون شيخًا بذلك (6).
الجوائز
- جائزة الدولة في الدراسات الاجتماعية – 1956م
- جائزة الدولة التقديرية في الآداب – 1978م
- وسام الكفاءة من المغرب
- جائزة الأدب من الكويت – 1988م
- جائزة الملك فيصل العالمية – 1994م
الرحيل
رحلت الدكتورة عائشة عبد الرحمن في أول ديسمبر 1998م عن عمر ناهز 86 عامًا، بعد حياة علمية حافلة أثرت الثقافة العربية والإسلامية.
المراجع
(١) هاله أحمد زكي: حين جاء العام ١١٠ على ميلاد بنت الشاطئ، بوابة الأهرام، العدد ٥٠٠١٢، ٢٠٢٣/١١/١٠
(٢)عائشة عبد الرحمن: سيرة ذاتية- على الجسر اسطورة الزمان، دار الهلال، ١٩٦٦م٠
(٣) عائشة عبد الرحمن: أم النبي – سلسلة سيدات بيت النبوة- ،دار الهلال، ط ٢، ٢٠١٤م٠
(٤)خالد صميدة: التراث الإسلامي-
مفهومه، خصائصه- ، مجلة كلية أصول الدين والدعوة بالمنوفية، العدد ٤٠
(٥)عائشة عبد الرحمن: تراثنا بين ماض وحاضر، دار المعارف، القاهرة، ١٩٩١م، ص ٥٠
(٦) الجزيرة نت: ٢٢ عاما على رحيل عائشة عبد الرحمن محمود الشرقاوي، 28/11/2020


