حين يُطرق باب الحياة بالمحنة
ما من إنسان إلا وذاق طعم الشدائد، ومرّ بمواقف حار فيها العقل، وضاق بها الصدر، وجاشت لها العواطف. يطرق الابتلاء باب الحياة فجأة، فلا يستأذن أحدًا، ولا يفرّق بين غني وفقير، أو قوي وضعيف. في تلك اللحظة يتوقف كل شيء، وكأنك أمام مفترق طرق: إما أن تذوب وتنكسر، وإما أن تنهض أقوى وأنقى وأقرب إلى الله.
إنها “فرصة الابتلاء”؛ محنة تحمل في جوفها منحة، واختبار إن أحسن الإنسان التعامل معه تحوّل إلى نقطة انطلاق نحو حياة أعمق ومعنى أوسع.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾(البقرة: 155).
ليست هذه الآية خبرًا فحسب، بل إعلان لطبيعة الحياة: إنها دار امتحان واختبار. فكما يُختبر الطالب ليظهر صدقه واجتهاده، يُختبر المؤمن ليظهر صدق إيمانه ونقاء قلبه.
أولاً: البعد الإيماني – قراءة المحنة بعين القلب
أول ما يتبادر إلى ذهن المؤمن عند نزول البلاء هو السؤال: ماذا يريد الله مني؟ هذه الرؤية الإيمانية تغيّر كل شيء؛ فبدل أن يسأل: “لماذا أنا؟” يبدأ بالسؤال: “كيف أرضي الله في هذا الظرف؟”.
قال النبي ﷺ: “إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا ابْتَلَاهُ” (رواه الترمذي).
يفتح هذا الحديث نافذة للأمل؛ فليس البلاء إلا علامة محبة، ومجالاً لتزكية النفس وتهذيبها. والصبر هنا ليس سكونًا باردًا، بل حركة قلبية تنبض بالرضا وحسن الظن بالله.
يقول ابن القيم رحمه الله: “إن في البلاء فوائد لا تُحصى، منها: أنه يمحّص الذنوب، ويعلّم العبد الصبر، ويظهر حقيقة العبد مع ربه، ويعرّفه قدر نعمة العافية”.
وهذا المعنى يلتقي مع حكمة ابن عطاء الله السكندري حين قال: “متى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء”.
فتتغير زاوية الرؤية: فالمنع ليس حرمانًا، بل إعداد، والمصيبة ليست نقمة، بل تربية.
ثانيًا: البعد العملي – معمل لصناعة الذات
الابتلاء ليس مجرد امتحان للصبر، بل هو معمل لصناعة الإرادة وإعادة ترتيب الأولويات. فالشدائد تجبرنا على التوقف والمراجعة وإعادة النظر في مسار حياتنا.
خطوات عملية للتعامل مع الابتلاء:
1- التقبّل الواعي: الاعتراف بالمحنة دون إنكار أو تهويل؛ فالإنكار يطيل الألم، والمبالغة تضاعف المعاناة.
2- الصبر الإيجابي: الصبر الذي يقترن بالعمل والدعاء والتخطيط لما بعد الأزمة.
3- إعادة اكتشاف الذات: سؤال النفس: ماذا تعلمت؟ وما الذي ينبغي أن يتغير؟
4- طلب العون: من الله أولاً بالدعاء واللجوء، ثم من أهل الخبرة في حل المشكلات العملية.
5- تحويل الألم إلى دافع: فكثير من قصص النجاح وُلدت من رحم المعاناة.
ويذكّرنا عبد الكريم بكار في كتابه “العيش في زمانه الصعب” بأن مواجهة الشدائد تحتاج إلى صبر طويل النفس ورؤية بعيدة المدى، وأن الله قد يجعل في هذه الشدة خيرًا مستقبليًّا لا نراه الآن.
ثالثًا: من المحنة إلى المنحة – التحول الداخلي
المحنة قد تكسر الإنسان، وقد تعيد تشكيله. وهنا يتدخل اختيارنا الداخلي: هل نسمح لها بأن تهزمنا أم نجعل منها منحة؟
فالابتلاء يصفي القلب من شوائب الغرور، ويعلّم الإنسان التواضع والاعتماد على الله.
يقول ابن القيم: “سبحان من يذيق عبده مرارة الكسر ليذيقه حلاوة الجبر”.
فعند لحظة الانكسار يولد إنسان جديد: أكثر صدقًا، وأقوى إرادة، وأوسع قلبًا.
رابعًا: نماذج مضيئة من مدرسة الابتلاء
– يوسف عليه السلام: أُلقي في الجب، ثم بيع عبدًا، ثم سُجن ظلمًا، ومع ذلك خرج من ابتلاءاته قائدًا حكيمًا يدير اقتصاد دولة بأكملها.
– الصحابة رضي الله عنهم: هاجروا وتركوا أوطانهم وأموالهم، فصنعوا أمة نشرت العدل والنور.
– سعيد النورسي: عاش زمن القهر السياسي، وحوّل محنته إلى مشروع تربوي إصلاحي في “رسائل النور”.
– نماذج معاصرة: كم من مريض حوّل مرضه إلى مصدر إلهام لغيره، وكم من مفلس أسّس مشروعًا ناجحًا بعد فشله الأول.
خامسًا: خطوات للنهوض بعد العاصفة
1- مراجعة شاملة للحياة: إعادة ترتيب الأولويات على ضوء ما كشفه الابتلاء.
2- تجديد العلاقة بالله: بالدعاء والذكر وتلاوة القرآن، فهي جابر لقلوب المنكسرين.
3- التعلم من الدرس: استخلاص الحكمة العملية مما حدث، وتجنب الأخطاء السابقة.
4- بناء مشروع جديد: تحويل المحنة إلى طاقة إبداعية، والبدء بعمل أو فكرة أو خدمة للناس.
5- مساندة الآخرين: فمن ذاق مرارة البلاء أدرك كيف يواسي غيره.
خاتمة تأملية: حين يصير الألم رسالة حياة
في النهاية، ليست قيمة الابتلاء في شدته، بل في قدرته على أن يوقظنا ويغيّرنا. فالمحنة تنزع عنّا الأقنعة، وتكشف هشاشتنا، وتجعلنا ننظر إلى العالم بعين أخرى. وحين نتعلم تحويلها إلى منحة، تصبح الشدائد من أعظم نعم الله علينا، لأنها تعيدنا إلى ذواتنا وإلى ربنا.
لذلك قُل لنفسك عند كل محنة: هذه ليست نهاية الطريق، بل بدايته. هذا الألم ليس لعنتي، بل رسالتي. ووراء كل جرح ميلاد جديد، ومع كل عُسر يُسران، ومع كل ابتلاء فرصة للنمو وصناعة إنسان أقوى وأقرب إلى الله.
قائمة المراجع
– القرآن الكريم.
– صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن الترمذي.
– ابن القيم، زاد المعاد، دار الفكر.
– ابن عطاء الله السكندري، الحِكم العطائية، تحقيق عبد المجيد شرارة.
– عبد الكريم بكار، العيش في زمانه الصعب، دار القلم.
– فتح الله كولن، عصر الابتلاءات، دار النيل للطباعة والنشر.
– سعيد النورسي، رسائل النور، مؤسسة سوزلر.
– محمد الغزالي، جدّد حياتك، دار الشروق.


