الضوابط الشرعية والقانونية في العصر الرقمي

في زمن تتسارع فيه ثورات التقنية والمعرفة، وتعيد فيه الرقمنة تشكيل تفاصيل حياتنا اليومية، لم يعد النقاش حول العلاقة بين الشريعة والقانون ترفًا فكريًّا أو جدلاً أكاديميًّا، بل أصبح ضرورة عملية تمسّ حياة الناس ومصائرهم. فالمعاملات المالية اليوم تتم عبر تطبيقات ذكية، والفتاوى تصدر عبر المنصات الرقمية، والعقود تُبرم إلكترونيًّا، والمنازعات تُدار في فضاء افتراضي لا جدران له.

كل ذلك يجعل السؤال عن كيفية حضور الشريعة في هذا العالم المتحوّل سؤالاً مصيريًّا، يتجاوز حدود الفقه التقليدي إلى ميدان أوسع من الاجتهاد التشريعي والتنظيم القانوني.
ولئن كانت الشريعة الإسلامية في جوهرها منظومة مرنة تستوعب التحوّلات عبر مقاصدها الكلية وقواعدها الكبرى، فإن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في قدرتنا على تفعيل تلك المرونة دون أن نفقد الصلة بالأصول أو نذوب في منطق السوق الرقمي. ومن هنا تنبع الحاجة إلى قراءة جديدة للعلاقة بين الشريعة والقانون، تُعيد ترتيب المفاهيم وتُبرز الضوابط التي تحفظ التوازن بين النص والمصلحة، بين الثابت والمتحوّل، وبين الأصالة والمعاصرة.

مفهوم الشريعة والقانون بين الأصالة والتطور

الشريعة هي المعيار الأعلى الذي تنطلق منه الأحكام، وهي روح القانون ومصدر شرعيته في المجتمعات الإسلامية. أما القانون، فهو الصياغة العملية والتنظيمية لتلك الأحكام بما يناسب واقع الناس ومصالحهم.

غير أن الإشكال التاريخي لم يكن في التمييز بينهما، بل في كيفية التفاعل بين النص الإلهي المطلق ومتغيرات الواقع الإنساني المتبدّل. فحين يُغلب على القانون الطابع الوضعي المنفصل عن القيم، يتحوّل إلى نظام إداري بلا روح؛ وحين يُختزل الفقه في نصوص جزئية دون مراعاة مقاصده، يتحوّل إلى تكرار جامد لا يواكب الحياة.

لقد أثبت التاريخ أن الشريعة – بمقاصدها الكبرى في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعِرض – تمتلك من المرونة ما يجعلها قادرة على استيعاب كل جديد. فالمقاصد هي الضابط الأعلى الذي يوجّه القانون، وليست بديلاً عنه. وفي هذا التفاعل بين النص والمصلحة تتكوّن الشخصية التشريعية الإسلامية، التي لا تكتفي بالرد على أسئلة الماضي، بل تصنع أجوبة للمستقبل كذلك.

أزمة التوازن بين النص والتطبيق

من أكثر ما يهدد العقل الفقهي المعاصر أن يتحوّل إلى قراءة تجزيئية تفصل النصوص عن روحها. ففي بعض التجارب القانونية الحديثة، جرى استيراد مواد وضعية بحجة “التنظيم” دون وعي بجذورها الفكرية أو آثارها على البناء القيمي للمجتمع. وفي المقابل، وقع بعض الفقهاء في فخ الانغلاق حين خافوا من التطوير بدعوى الثبات.

وهكذا نشأت فجوة بين النص والمجتمع، بين الفقه والحياة، بين المبدأ والممارسة.
ولعلّ أحد أسباب هذه الفجوة أن القوانين الحديثة – رغم استناد بعضها إلى الفقه الإسلامي – صيغت أحيانًا بلغة غربية في منطلقاتها، فغابت عنها روح المقاصد والعدالة الشرعية. ومن هنا كانت الحاجة إلى إعادة “تحقيق” النصوص القانونية على ضوء الكليات الشرعية، لا بمجرد استنساخ أو تقليد، بل بفقه يجمع بين العقل القانوني وروح الوحي.

التطبيقات المعاصرة وضوابطها الشرعية والقانونية

لم يعد العالم الحديث منقسمًا بين “الورقي” و”الإلكتروني”، فقد دخلت كل تفاصيل الحياة فضاء التحول الرقمي، بما في ذلك العلاقات الأسرية، والعقود المالية، وطرق الإثبات القضائي.

ومن ثَم، فإن الفقه المعاصر مدعو للتعامل مع قضايا جديدة مثل:

  • توثيق الطلاق عبر الرسائل الإلكترونية
  • انعقاد البيع أو الزواج عبر التطبيقات
  • الاعتراف بالإثباتات الرقمية أمام القضاء
  • إدارة الوقف والزكاة والأموال الخيرية عبر المنصات الإلكترونية
  • إجراء المعاملات البنكية عبر الوكلاء الأذكياء (الذكاء الاصطناعي)
  • التعامل بالعملات الرقمية
  • توثيق العقود المالية عبر تقنية البلوكتشين
  • التبرع بالأعضاء
  • استخدام الصور أو بصمة العين أو بصمة الإبهام في التعاقد والإثبات

هذه الوقائع الحديثة ليست مجرد أدوات تقنية، بل تحمل أبعادًا قانونية وروحية تتطلب ضوابط دقيقة تحفظ مقاصد الشريعة من جهة، وتحقق الأمن القانوني من جهة أخرى.

فعلى سبيل المثال، يثير تعليق الطلاق عبر الرسائل سؤال النية والتحقق، وهو من دقائق الفقه التي تتطلب اجتهادًا جماعيًّا يعيد تعريف مفهومَي “البيان” و“النية” في السياق الرقمي.

وبالمثل، تحتاج العقود الإلكترونية إلى إعادة نظر في مفهوم الإيجاب والقبول والزمن الفاصل بينهما، وفي كيفية ضمان رضا الأطراف دون حضور مادي.
وإذا كانت المحاكم بدأت تعتمد الأدلة الرقمية، فإن الفقه ينبغي أن يطوّر قواعد “البيّنة” لتشملها دون الإخلال بمبدأ العدالة واليقين.

المقاصد الشرعية كمرجعية للتجديد القانوني

لا قيمة لأي اجتهاد قانوني أو فقهي في العصر الرقمي إذا لم يُبنَ على مقاصد الشريعة. فالمقاصد هي البوصلة التي تضمن أن يظل التطوير داخل حدود الشرع لا خارجها.

إن حفظ الكرامة الإنسانية، وصيانة الحقوق، وتحقيق العدالة، وتثبيت الأمن الاجتماعي، كلها أهداف مقاصدية يمكن ترجمتها إلى قوانين معاصرة دون مساس بالأصول.

فالشريعة لا تعارض التقنية، بل تُهذّبها. ولا تقف ضد الرقمنة، بل تؤنسنها.
إن الفقيه المعاصر مطالب بأن يكون واعيًا لتطور أدوات الحياة، متقنًا لفهم منطقها الجديد، دون أن يسمح لها بابتلاع المبدأ. وهذا ما يجعل من المقاصد إطارًا حيًّا للتفاعل بين الوحي والواقع، بين القانون والضمير.

نحو فقه رقمي معاصر

إن الفقه الرقمي لا يعني استحداث دين جديد، بل يعني إعادة قراءة الأحكام الشرعية في ضوء بيئة رقمية تشكّلت فيها أدوات التواصل والتعاقد والمعاملات بشكل مختلف عمّا كان عليه سابقًا. ولعلّنا اليوم في حاجة ماسّة إلى بناء مؤسسات فقهية متخصصة تُعنى بمسائل الذكاء الاصطناعي، وأمن البيانات، والعقود الافتراضية، والحقوق الرقمية، ومختلف القضايا المستجدة في عالم التقنية، بحيث تعمل على صياغة فتاوى واجتهادات تقوم على روح الشريعة ومقاصدها، لا على ظاهر النصوص فحسب.

كما طوّر الفقهاء القدامى قواعدهم في ضوء الأسواق، والتجارة البحرية، والزراعة، فإن الفقيه المعاصر مدعوّ إلى تطوير “فقه المنصات”، و“فقه الذكاء الاصطناعي”، و“فقه الخصوصية الرقمية”، بما يجعله قادرًا على استيعاب المستجدات دون تفريط في المبادئ أو الأصول.

لقد أدرك المفكرون الإسلاميون والقانونيون في العالم العربي والإسلامي، ممن درسوا الحقوق الحديثة واطلعوا على القوانين المحلية والدولية، أن ضيق التشريعات المعاصرة عن استيعاب حاجات العصر ليس راجعًا إلى الفقه الإسلامي ذاته، بل إلى الاقتصار على مذهب واحد دون سواه. فقد وجد هؤلاء أن ما يضيق عنه مذهب واحد يتسع له مذهب آخر، وأن الاجتهادات الفقهية الإسلامية – بمذاهبها المتعددة – قدّمت نظريات وآراء تُعد من أخصب ما عرفته المنظومة التشريعية في تاريخ الإنسانية. فجميع المذاهب المعتمدة متساوية في نسبتها إلى الشريعة، ولا ميزة لواحد منها على سواه.

وليس من الواجب أن تتقيّد البلاد الإسلامية بمذهب واحد بالكامل، بل يمكنها أن تستفيد من قواعد كل مذهب وأحكامه، فتختار منها ما يلائم مصالحها الزمنية ومتطلبات واقعها. وقد طبّقت مصر هذا النهج سنة 1920م حين أخذت من مذهب مالك حكم إطلاق حرية زواج زوجة المفقود بعد أربع سنوات من فقدانه، بينما يوجب المذهب الحنفي – الذي كان معتمدًا حينها – انتظار وفاة جميع أقران الزوج في العمر، الأمر الذي يؤدي إلى بقاء المرأة معلقة إلى أجل قد يطول.

كما اتخذ القانون المصري خطوة جريئة حين أصدر القانون رقم 25، الذي ألغى تعليق الطلاق وجعل الطلاق الثلاث أو الثنتين بلفظ واحد طلقة واحدة، اعتمادًا على رأي ابن تيمية، وذلك بعد إقرار مشيخة الأزهر. وقد جاء هذا الإصلاح استجابة لمآسي الطلاق المعلّق والطلاق الثلاث الذي يرتكبه بعض الجاهلين في لحظات الغضب، متجاوزين حدود السنة والمقاصد الأساسية للطلاق المشروع، ثم يبحثون عن الحيل والمخارج بعد وقوعه.

وقد شكّلت هذه الإجراءات التشريعية دليلاً واضحًا على قدرة الفقه الإسلامي على التجدد والاستجابة لمتطلبات العصر، إذ تجاوز الأمر النقل الحرفي للمذاهب إلى التوفيق بين النصوص الأصلية والمصالح العامة، وهو ما يفسّر بقاء الشريعة إطارًا حيًّا قادرًا على الإسهام في التشريع المعاصر.

وفي التجربة السورية، جاء قانون الأحوال الشخصية لعام 1953م نموذجًا رائدًا يعكس هذا المنهج، إذ جمع بين الأحكام المستقرة في الفقه الإسلامي ومتطلبات الواقع الاجتماعي الحديث، مستفيدًا من جميع المذاهب الفقهية دون الالتزام بمذهب واحد. وقد أضفى هذا القانون مرونة واسعة على التشريع الأسري، مما مكّنه من مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية.

إن هذه التجارب التشريعية، في مصر وسوريا وغيرهما، تُعد مثالاً يحتذى في صياغة الضوابط القانونية المعاصرة؛ إذ تؤكد أن قاعدة “جلب المنفعة ودفع الضرر” ليست مجرد مبدأ فقهي، بل إطارٌ منهجي متكامل يربط بين النص الشرعي ومقتضيات العصر، ويوازن بين الثبات والتجديد.

وفي المجتمعات التي لا شريعة لها، تكون الأعراف والعادات بمثابة الشريعة التي يُرجع إليها في الحكم بين الناس. ومن هنا ندرك ما للعرف من حاكمية قديمة، لكون بعض الأعراف حسنًا يُقر، وبعضها قبيحًا يُنهى عنه. ولا تزال الأعراف اليوم مصدرًا مهمًّا من مصادر القوانين الوضعية، يستمد منها واضعو القوانين أحكامًا واضحة تُصاغ في نصوص تُزيل الغموض الذي قد يعتري العرف في بعض المواضع.

والشريعة الإسلامية أقرت جملة من الأعراف السائدة بين العرب والمسلمين، وهذّبت كثيرًا منها، ونهت عن بعض آخر، وجاءت بأحكام جديدة تنظم الحقوق والالتزامات بما يضمن مصلحة الإنسان ويهذب سلوكه، فهي شريعة تستهدف تنظيم مصالح الناس وإقرار الحقوق على أسس عادلة. وقد وضع الفقهاء قواعد في العرف والعادة أصبحت ضوابط لكثير من الأحكام القانونية، ومن أهم هذه القواعد:

  • العادة محكّمة
  • الحقيقة تُترك بدلالة العادة
  • استعمال الناس حجة يجب العمل بها
  • المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا
  • التعيين بالعرف كالتعيين بالنص
  • تتغير الأحكام بتغير الزمان
  • الثابت بالعرف كالثابت بالنص
  • العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني
  • ما تعارف الناس على نفيه لا يثبت إلا بنصّ

ويتجلّى أثر العرف في أمثلة كثيرة، كالمسائل المتعلقة بعيوب المبيع واعتبارها سببًا لفسخ العقد من عدمه، أو تحديد ما يُعد تقصيرًا في حفظ الوديعة وما لا يُعد، وغير ذلك مما تفيض به كتب الفقه والقانون.

إن التجربة التاريخية للشريعة الإسلامية في صياغة الضوابط الحاكمة للتطبيقات المعاصرة تكشف عن أفق واسع للتجديد والاجتهاد، بعيدًا عن الجمود والتقليد، ومرتكزًا على قواعد ثابتة ومبادئ عامة يمكن توظيفها لمواجهة تحديات العصر. فالشريعة ليست نصوصًا جامدة، بل منظومة حيّة تستوعب التطور والاختلاف، وتمكّن المجتمعات الإسلامية من بناء نظم قانونية تراعي ثوابت الدين وتستجيب لضرورات الحياة.

ومن هذا المنطلق، يصبح الاجتهاد الشرعي والقانوني ضرورة لبناء تشريعات تحقق العدالة والمصلحة العامة، وفي الوقت ذاته تحافظ على الهوية الإسلامية، وتضمن بقاء الشريعة إطارًا أخلاقيًّا وقانونيًّا يوجّه الأمة نحو التقدم والاستقرار.

الشريعة في مواجهة المستقبل

إن الشريعة ليست ماضيًا يُستعاد، بل روحًا حيّة تصنع المستقبل. وإذا كان التحول الرقمي قد فرض أنماطًا جديدة من الحياة والمعاملات، فإن الواجب هو حمل قيم الوحي إلى هذا الفضاء، لا تركه بلا ميزان.

فحيثما كانت المصلحة المقيدة بالعدل والرحمة، فثَمّ شرع الله.

إن المستقبل لن يكون لمن يمتلك التقنية فحسب، بل لمن يمتلك الرؤية القيمية التي توجّه التقنية نحو الخير والإنسانية. وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام الفقهاء والقانونيين والمفكرين المسلمين، أن يصوغوا نموذجًا تشريعيًّا معاصرًا يوازن بين روح الشريعة وواقع العصر، بين الإيمان والذكاء الاصطناعي، بين النص والمستقبل.