إن بناء المواطن الصالح يقوم على المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع أفراد المجتمع، وضمان تكافؤ الفرص في مجالات التعليم والعمل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ودعم البحث العلمي بما يخدم التنمية. وقد أقرّت الدولة الإسلامية منذ نشأتها حق الانتماء والمواطنة لكل مَن أقام على أرضها، وتمتع غير المسلمين فيها بحقوق وواجبات واضحة، غير أن بعض الكتّاب تجاهلوا هذه الحقيقة، مما يستلزم بيان الصورة الصحيحة لمعاملة المسلمين لغيرهم.
مفهوم المواطنة
– لغة: المواطنة مشتقة من وطن، وهو مكان إقامة الإنسان. و”أوطن” و”استوطن” بمعنى اتخذ المكان وطنًا له؛ أي العيش المشترك في موضع واحد.
– اصطلاحًا: هي مجموعة من الحقوق والواجبات المتبادلة بين الفرد والدولة، ضمن إقليم محدّد، مع التزام بالتعايش السلمي واحترام النظام العام. وقد قدّم د. وهبة الزحيلي تعريفًا شاملاً يرى فيه المواطنة انتماءً إلى دولة إقليميّة، يشارك مواطنوها في الحقوق والواجبات دون تمييز، مع صون حقوق الأقليّات غير المسلمة.
التأصيل الشرعي لمفهوم المواطنة
1- الأخوّة الوطنية في القرآن الكريم:
وصف الله تعالى نوحًا وهودًا وصالحًا بأنهم “إخوة” لأقوامهم رغم كفرهم، كما في قوله تعالى:{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ}، {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ}، {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ}.
قال القرطبي: مَن كذّب رسولاً فقد كذّب الرسل كلهم. ويُستفاد من الآيات إثبات رابطة الوطن والمعايشة إلى جانب رابطة الدين.
2- وثيقة المدينة – أوّل دستور للمواطنة:
وضع النبي ﷺ بعد الهجرة وثيقة تنظّم علاقة المسلمين بغيرهم في المدينة، وتعدّ أساس نظام المواطنة في الإسلام.
● نصّت الوثيقة على أن «المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم… أمة واحدة من دون الناس». وهذا يعني أن المسلمين واليهود وغيرهم كانوا رعايا دولة واحدة تجمعهم رابطة المواطنة.
● قرّرت الوثيقة حقوقًا وواجبات مشتركة: التكافل الاجتماعي، التعاون في السلم والحرب، العدل، وإعطاء كل فئة حقّها دون ظلم. كما نصّت على أن لليهود «النصر والأسوة غير مظلومين»، مما يدل على المساواة أمام النظام.
أسس ومبادئ مفهوم المواطنة
1- الوحدة الإنسانيّة
إنّ الإنسان كائن ذو صفة إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية، والانتماءات العِرقيّة، والاختلافات الدينية والمذهبية، ولذلك دعا الإسلام إلى الوحدة الإنسانيّة القائمة على التعارف والتعاون، كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}[الحجرات: 13].
وقد رسّخت صحيفة المدينة هذا المبدأ حين اعتبرت جميع سكان المدينة – من المسلمين واليهود وغيرهم – أمة واحدة في إطار مجتمع متماسك يتجاوز العصبيات القبلية.
2- محاربة التفرقة العنصرية
جمعت صحيفة المدينة المجتمع بكل تنوعه الديني والعرقي في إطار واحد قائم على العدالة والمساواة، فجعلت المسلمين واليهود والوثنيين جميعًا شركاء في حماية المدينة وحقوقها وواجباتها. وبذلك أسست الدولة الإسلامية الأولى نموذجًا عمليًّا لمجتمع متعدّد لكنه موحد في القيم، مؤكدة قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[الحجرات: 10].
3- التوازن بين الحقوق والواجبات
يقوم مفهوم المواطنة في الإسلام على الحرية والمساواة، وعلى احترام حقوق جميع المواطنين مع التزامهم بواجباتهم تجاه الدولة والمجتمع. وقد نظمت صحيفة المدينة هذه العلاقة بوضوح، فبيّنت حقوق الأفراد والجماعات، وكيفية التعاون في مواجهة الظلم والعدوان، وضبط العلاقات بين المكوّنات المختلفة للدولة النّاشئة.
4- الدفاع عن الوطن واحترام نظام الدولة
الوطن هو الإطار الذي يجمع المواطنين بمصالح مشتركة وواجبات متبادلة، مما يفرض عليهم الالتزام بدستوره ونُظمه. وقد أكدت صحيفة المدينة ضرورة حماية الدولة ومنع التعامل مع القوى المعادية لها، حتى وإن جمعتهم بهم روابط دينية أو قبلية، فجاء فيها: “وأنه لا يجير مشرك قريشًا… ولا يحول دونه على مؤمن”.
نماذج من تعامل المسلمين مع غيرهم
1- حرية الاعتقاد
أقرّ الإسلام مبدأ حرية الاعتقاد دون إكراه، رغم يقين المسلمين بصحة دينهم، قال الله تعالى:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}[البقرة: 256]، {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}[يونس: 99].
وبيّن ابن كثير أن هذا الدين بيّنٌ بحججه ولا يحتاج إلى قسرٍ أو إكراه.
وقد جسّد الصحابة ذلك عمليًّا، فحين قال عمر بن الخطاب لعجوز نصرانية “أسلمي تسلمي”، رفضت، فاكتفى بقوله: “اللهم اشهد”.
2- حماية دور العبادة
ضَمِن الإسلام لغير المسلمين حق ممارسة شعائرهم وحماية أماكن عبادتهم، ومن ذلك كتاب النبي ﷺ لأهل نجران الذي أمّن كنائسهم ورهبانهم.
كما أوصى أبو بكر الصديق قادة جيشه بعدم الاعتداء على الرهبان أو دور العبادة.
وبعث عمر بن عبد العزيز إلى عمّاله: “لا تهدموا كنيسة ولا بيعة”.
بل أعاد المسلمون كنائس اغتصبها بعض الحكام، كما حدث حين أمر عمر بن عبد العزيز بردّ جزء من المسجد الأموي لنصارى دمشق.
3- حرية الأحوال الشخصية
أبقى الإسلام غير المسلمين على أحكامهم في الزواج والميراث والمعاملات، إلا إذا اختاروا اللجوء للقضاء الإسلامي. قال الزهري: “مضت السنة أن يرد أهل الذمة في حقوقهم إلى أهل دينهم إلا أن يأتوا راغبين في حكمنا”.
4- العدالة أمام القضاء
بلغت العدالة أن يحكم الخليفة عمر بن عبد العزيز لذمّي ضد الأمير العباس بن الوليد، وردّ إليه أرضه بعد أن ظُلم فيها.
5- شهادات المنصفين من المؤرخين
أكّد عدد من مؤرخي الغرب عدالة المسلمين، فقال ول ديورانت: “كان أهل الذمة يتمتعون بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيرًا في البلاد المسيحية في تلك الأيام”.
وقالت زيغريد هونكه: “ترك المسلمون للمسيحيين واليهود شعائرهم وكنائسهم دون أدنى أذى… أليس هذا قمة التسامح؟”.
وبقاء الكنائس والمعابد في الأندلس ومصر وبلاد الشام طوال القرون الإسلامية شاهد عملي على هذه السماحة.
التوصيات والمقترحات
1- تعزيز البحث العلمي في حقوق الإنسان في الإسلام
ضرورة توجيه الجهود العلمية لدراسة حقوق الإنسان في الإسلام للمسلمين وغيرهم، بالاعتماد على المصادر الأصيلة للشريعة؛ كالقرآن والسنة وكتب التفسير والفقه والتاريخ، لإبراز البعد الإنساني العظيم في الحضارة الإسلامية.
2- تعميق التعاون العلمي والحضاري
التأكيد على أهمية التعاون بين المؤسسات الأكاديمية الإسلامية والجهات الدولية لتعزيز الحوار الحضاري، وإقامة المؤتمرات والندوات، واستخدام الإعلام والمنصات الرقمية لنشر محتوى علمي موثوق يبرز عدالة الإسلام وتسامحه.
3- تعزيز ثقافة التعايش السلمي
دعم الحوارات الثقافية والحضارية الهادفة إلى بناء أسس راسخة للتعايش السلمي بين الشعوب، بما يحقق الأمن والاستقرار للجميع.
4- مواجهة التطرف وترسيخ الوسطية
ضرورة توحيد الجهود الإنسانية لمحاربة الغلو والتطرف، والتصدي للأفكار المنحرفة، مع التمسك بقيم الإسلام في السلم والاعتدال.
5- نبذ الحروب والاعتداء
العمل على إنهاء التوترات المسلحة وكل أشكال التدخل العسكري، ومحاربة الظلم والعدوان والاحتلال.
6- توجيه الأقليات المسلمة
دعوة الأقليات المسلمة إلى تنظيم شؤونها باختيار شخصيات دينية ذات بصيرة للفتوى والإرشاد، وفق مستجدات العصر وقضاياه.
7- توحد مواقف الدول الإسلامية
أهمية تنسيق جهود الدول الإسلامية في البحوث والمواقف السياسية المتعلقة بالمسلمين خارج ديار الإسلام، وتقديم الدعم المادي والمعنوي لهم.
الخاتمة
لقد سبقت الشريعة الإسلامية التشريعات الوضعية في إقرار مبادئ العدل والمساواة، وحفظ الحقوق دون تمييز بين مسلم وغير مسلم. فقد ضمنت حرية المعتقد وصانت النفس والمال والعرض، وحرّمت الظلم وأرست نظامًا قضائيًّا عادلاً، وكفلت حقوق غير المسلمين بمعاهدات واضحة تحفظ أمنهم وكرامتهم.
وتُعد صحيفة المدينة التي وضعها النبي ﷺ سنة 622م أول وثيقة دستورية حقيقية تُحقِّق المواطنة، حيث وحدت سكان المدينة – بجميع قبائلهم وأديانهم – في أمة واحدة، وقضت على العصبيات القبلية والعنصرية.
ويرتكز مفهوم المواطنة في الإسلام على الوحدة الإنسانية التي تتجاوز حدود الإقليم والجنس واللون، وتستوعب جميع المواطنين في ديار الإسلام. وقد ظلّ تعامل المسلمين عبر التاريخ مع غير المسلمين قائمًا على الرحمة والعدل والتسامح، وهو ما يشهد به التاريخ وشهادات كبار المؤرخين.
الهوامش
- لسان العرب – ابن منظور
- وثيقة المدينة – دراسات أحمد الشعيبي
- تربية المواطنة – محمود أبو دف
- مفهوم المواطنة في الإسلام – وهبة الزحيلي
- الجامع لأحكام القرآن – القرطبي
- الطبقات الكبرى – ابن سعد
- الكامل في التاريخ – ابن الأثير
- فتوح البلدان – البلاذري
- البداية والنهاية – ابن كثير
- قصة الحضارة – ول ديورانت
- شمس العرب تسطع على الغرب – زيغريد هونكه


