إنسانيتنا المشتركة في الدعوة إلى الله تعالى
الدعوة إلى الله تعالى ليست خطابًا منعزلاً عن الواقع، ولا منغلقًا على الذات، بل هي حركة قلب وعقل تتجه إلى الناس جميعًا، لأنها رسالة رحمة، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾(الأنبياء: 107). ومن هنا يتضح أن تقبّل الآخر والشعور بإنسانيتنا المشتركة ليسا مجرّد خُلق حسن أو ترف اجتماعي، بل هما ركيزة أساسية في نجاح الدعوة، لأن النفوس لا تنفتح على الحق إلا حين تشعر بالاحترام والتقدير.
إن الداعية الذي يغلق باب التواصل مع المختلف فكريًّا أو دينيًّا، كمن يضع قفلاً على قلبه قبل أن يضعه على قلوب الآخرين. لذلك كان من أعظم أسرار نجاح الدعوة النبوية أن النبي ﷺ خاطب الناس جميعًا، مسلمهم وكافرهم، برحمة شاملة، وبلسانٍ إنسانيٍّ عميق الجذور، قائمٍ على تقبّلهم كبشر أولاً، قبل النظر إلى اختلافهم العقدي.
أولاً: الأساس القرآني لتقبّل الآخر
رسم القرآن الكريم إطارًا متكاملاً لكيفية النظر إلى الآخر المختلف، فقد أكّد أن الناس جميعًا من نفس واحدة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾(النساء: 1). وهذا يرسّخ أن الأصل بين البشر هو الوحدة الإنسانية، قبل أن تفرّقهم العقائد والاتجاهات.
كما جاء القرآن ليضع التنوع في موضعه الصحيح، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾(هود: 118). فالاختلاف سنة كونية لا ينبغي أن تكون سببًا للعداوة، بل مدخلاً للتعارف: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾(الحجرات: 13).
بل إن القرآن لم يكتفِ بالتنظير، وإنما أمر بالدعوة عبر الحوار بالحسنى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾(النحل: 125). وهنا يظهر جليًّا أن منهج البلاغ القرآني ليس القهر، وإنما الحوار والتعقل والرحمة.
ثانيًا: السيرة النبوية وتجسيد الإنسانية المشتركة
السيرة النبوية خير شاهد على أن الدعوة لا تنجح إلا بالرحمة وتقبّل الآخر، ومن أبرز المواقف:
– زيارة النبي ﷺ لجاره اليهودي حين مرض، ودعوته له بالخير حتى أسلم.
– وقوفه ﷺ لجنازة يهودي، فقال حين تعجّب الصحابة: “أليست نفسًا؟”.
– تعامله الكريم في صلح الحديبية، حيث قبل شروطًا ظنّها بعض الصحابة قاسية، لكنه كان يدرك أن المرونة الإنسانية تفتح أبواب الدعوة أكثر من العناد.
وقد لخّص ابن القيم هذا المعنى بقوله: “إن الدعوة لا تقوم إلا على الرفق، فمن فقد الرفق فقد فقد أصل الدعوة”.
توضح هذه النماذج أن الرسول ﷺ لم يكن يقيم العلاقة مع الآخر على أساس الخصومة الدينية فقط، بل على أساس المشترك الإنساني الذي يُذيب الحواجز ويمهّد الطريق لقبول الحق.
ثالثًا: البعد التربوي لتقبّل الآخر
التربية الإسلامية تربي المسلم على أن ينظر إلى الآخر من خلال ميزان الرحمة لا ميزان العداء، والداعية حين يتقبّل الآخر يحقق بذلك ثلاث فوائد تربوية عظيمة:
1- زرع الثقة: فالمخاطَب يشعر بأن الداعية يحترم كرامته الإنسانية.
2- إزالة الحواجز النفسية: فالمعاملة الطيبة تفتح القلوب وتبدّد الشكوك.
3- تقديم القدوة العملية: فالسلوك أبلغ من القول، وما يراه الناس من رحمة الداعية أعمق أثرًا من خطبه ومواعظه.
وقد أشار فريد الأنصاري إلى أن الخطاب الدعوي إذا فقد إنسانيته تحوّل إلى “خطاب صراع لا خطاب هداية”.
رابعًا: إنسانيتنا المشتركة بوابة للبلاغ
الإنسان في جوهره يبحث عن السكينة والرحمة والمعنى، وهذه قواسم مشتركة بين جميع البشر. والداعية الذكي يدرك أن الدخول إلى قلوب الناس لا يكون عبر إثبات التفوق العقدي فقط، وإنما عبر لمس إنسانيتهم.
ولهذا انتشر الإسلام في مناطق واسعة من العالم -كإندونيسيا وشرق إفريقيا- لا عبر الجيوش، بل عبر التجار والدعاة الذين حملوا قيم الصدق والأمانة. لقد كان المسلم الصادق الأمين في تجارته أعظم دعوة من آلاف الخطب.
قال عبد الرحمن حبنكة الميداني: “إن الدعوة التي تنفصل عن مخاطبة الفطرة الإنسانية تصبح صراعًا أيديولوجيًّا، أما إذا اتصلت بالفطرة فإنها تتحول إلى غذاء للروح”.
خامسًا: دروس للواقع المعاصر
في عالم اليوم يزداد خطاب الكراهية، وتتصاعد النزاعات الدينية والفكرية، وهنا تبرز أهمية العودة إلى المنهج القرآني النبوي في التعامل مع الآخر:
1- الاعتراف بالاختلاف كجزء من سنن الله.
2- تقديم الرحمة على الخصومة.
3- مخاطبة الآخر بالإنسانية أولاً، لأن الدعوة لا تُثمر في بيئة عداوة مطلقة.
وقد أشار عبد الكريم بكّار إلى أن: “أعظم ما ينقص خطابنا الدعوي اليوم هو اللمسة الإنسانية التي تجعل الآخر يرى فينا إنسانًا قبل أن يرى خصمًا”.
إن واقعنا يفرض علينا أن نُعيد صياغة خطابنا الدعوي بحيث يصبح رسالة تواصل ورحمة، لا ساحة صراع وتكفير.
سادسًا: برامج عملية للداعية
لكي يتحول مبدأ تقبّل الآخر إلى ممارسة واقعية، يمكن للدعاة أن يعتمدوا مجموعة من البرامج العملية:
1- التدريب على مهارات الحوار بالحسنى.
2- الاندماج الاجتماعي عبر خدمة المجتمعات دون تمييز ديني.
3- استخدام الإعلام الرقمي لبناء خطابٍ إنساني عالمي.
4- التربية الذاتية على الرحمة والرفق عبر التأمل في أسماء الله وصفاته.
هذه البرامج ليست كماليات، بل ضرورة، لأن الدعوة اليوم تواجه تحديات عابرة للحدود، ولم تعد الكلمات وحدها تكفي، بل يحتاج الأمر إلى خطاب عملي وتجسيدٍ حيٍّ للقيم.
خاتمة
إن تقبّل الآخر والشعور بإنسانيتنا المشتركة ليسا مجرد شعارات، بل هما جوهر الرسالة الإسلامية التي نزلت رحمةً للعالمين. ومن يتأمل القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي يدرك أن الدعوة الناجحة هي التي تُخاطب الإنسان كإنسان، قبل أن تحاكمه كخصم.
والداعية الذي يعي هذا المعنى ينجح في أن يكون رسول رحمة، لا مجرد مناظر أو محاجج، فبالرحمة تُفتح القلوب، وبالرفق تُبنى الجسور، وبالإنسانية المشتركة تتحقق رسالة الإسلام للعالمين.
المراجع
- ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد.
- الرازي، التفسير الكبير.
- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن.
- البخاري، صحيح البخاري.
- مسلم، صحيح مسلم.
- فريد الأنصاري، الفجور السياسي.
- عبد الله علوان، تربية الأولاد في الإسلام.
- عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، أجنحة المكر الثلاثة.
-
عبد الكريم بكّار، تجديد الخطاب الإسلامي.


