ليس الغريب أن تعرف أن جميع عناصر الطبيعة متزنة، بل الغريب أن تعرف أن هذه العناصر تسعى دومًا للاتزان. أيْ، إذا تدخّل الإنسان -كالمعتاد- لتغيير نسب هذه العناصر، فإن الطبيعة تستطيع أن تتغلب على هذا الاختلال.

لنتحدث في نطاق ضيق كي نتمكن من فهم الأمر بشكل أعمق: الجميع يعرف أننا إذا رششنا عطرًا في أحد جوانب الحجرة، فإن كثافة الرائحة تكون أعلى في هذا الجانب، ولكنها سرعان ما تنتشر في الغرفة لتصبح كثافتها متجانسة في كافة أرجاء الحجرة، وليتزن النظام. والجميع يعرف أيضًا أننا إذا وضعنا بعض الملح في الماء، فإن جزيئات الملح سرعان ما تنتشر فيه.

فلنعلب مع الملح إذن، لمنع حدوث هذا الاتزان: سنضع غشاءً شبه منفذ في وسط إناء به ماء (الغشاء يسمح بمرور الماء ولا يسمح بمرور الملح). ثم سنضع بعض الملح في أحد جوانب الإناء؛ فيحاول أن ينتشر في سائر أنحاء الماء، ولكنه لن يستطيع لأن الغشاء سيمنعه بالتأكيد.

لا بأس، فالطبيعة تستطيع أن تتغلب عليك، وتصل إلى الاستقرار مهما كان الوضع؛ فإذا كان الملح لا يستطيع الانتقال، فالماء يستطيع.. إذ نفاجأ بأن الماء ينتقل من الجانب الذي يكون تركيز الملح به أقل، إلى الجانب الذي يكون تركيز الملح به أكبر، وذلك ليصبح تركيز الملح متقاربًا بين الجانبين. وتسمى هذه الظاهرة “الظاهرة الأسموزية”، وهي التي تساعد النبات على امتصاص الماء من التربة. كما أنها أيضًا تساعد الشعيرات الدموية الوريدية على امتصاص الدم بعد أن يغذي الخلايا. ويستخدمها الإنسان أيضًا كطريقة لفصل الملح عن الماء (تحلية ماء البحر). ربما يعدّ هذا مثالاً بسيطًا لتوضيح الأمر، ولكننا إذا انتقلنا من الفيزياء إلى جانب الفسيولوجيا، فسنجد من أمثال هذا الكثير، ولكن بشكل أكثر تعقيدًا. فلنأخذ ضغط الدم مثالاً؛ عندما يكون الإنسان مستلقيًا، يكون ضغط الدم متساويًا في كافة الشرايين الطرفية، وذلك لأنها كلها في مستوى أفقي واحد، ويكون النظام متزنًا حسب قوانين الفيزياء.

أما إذا همّ الشخص بالنهوض، فبالتأكيد سيكون رأسه في مستوى أعلى من سائر جسده، وتقرر الفيزياء أن ضغط الدم في الرأس يكون أقل ما يمكن، وفي القدمين يكون أكبر ما يمكن؛ فلا يصل القدر الكافي من الدم إلى المخ، ويصاب الإنسان بالإغماء وربما يموت.

بالتأكيد لا يحدث هذا، فالفسيولوجيا تقول كلمتها، ولا تسمح باختلال الاتزان أبدًا، حيث ترسل الحساسات الموجودة في الشرايين، إشارات إلى المخ لتخبره بأن الضغط يقل، فيرسل المخ إشارات ليقوم بقبض الشرايين التي قل فيها الضغط، فبنقصان قطر الشريان؛ عندها تزداد سرعة الدم فيه -كما تنص معادلة الاستمرارية في حركة الموائع- ليصل الدم بسرعة إلى الأجزاء المرتفعة من الجسم، ويعود الوضع إلى الاتزان من جديد. وهذا يفسر لنا ما نشعر به أحيانًا من الدوار، وربما الإغماء بعد الاستيقاظ من النوم والقيام مباشرة وبسرعة من السرير.

فالحساسات لم تعمل بعدُ، ولكنها ما إن تعمل حتى يشعر الشخص بزوال الدوار مباشرة. يحدث هذا كثيرًا في جسد الإنسان وخارج جسده، وذلك لأن الميزان الذي يضبط الكون هو ميزان دقيق وضعه الله، وأمرنا أن نحافظ عليه: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ)(الرحمن:7-9).

(*) كاتب وباحث مصري.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.