في أوائل فصل الربيع يفقس بيض ديدان الحرير (القز) عن يرقات صغيرة نهمة. فتقوم بالتهام أوراق التوت لخمسة أيام حتى يمتلئ جسمها، ثم تمسك عن الطعام ليوم أو يومين ريثما تتهيأ لتغيير إهابها. وتتكرر العملية خلال هذا الطور اليرقي خمس مرات في نحو ثلاثين يومًا. وفي النهاية تبلغ تمام نموها، فتدخل في صيام آخر لنحو ستة أيام. ثم تُعِدّ خِدْرًا (الشرنقة) تأوي إليه؛ حيث تنسجه بخيط حريري وحيد يصل طوله من 400 إلى 1200 مترًا. ثم تدخل طور العذراء في سكون تام. وفي نهايته تتحول إلى مارد عملاق، إذ تفرز سائلاً يذيب جزءًا من الشرنقة، ويُزاح الستار عن فراشة ديدان القز التي تضع بيضها، ثم تقضي بقية عمرها (نحو خمسة أيام) صائمة. لتودع الدنيا، ويبقي بيضها المُخصَّب حتى الربيع ليعاود الكَرَّة من جديد.

وعادة ما تصوم العناكب أثناء فترة وضع البيض وحضانته. كما أن هناك أنواعًا تصنع لنفسها خيمة من الخيوط الحريرية، وتبقى فيها صائمة قائمة لا تغادرها حتى يفقس بيضها. ثم تجهز السوائل اللازمة لتغذية صغارها. لكن بعض أنواع الخنافس تميل إلى قضاء وقت الشتاء على قمم الجبال الثلجية. فهي -بما لديها من مخزون- تستطيع الاعتماد عليها خلال فترة إمساك تستغرق مدّة الشتاء، لكن اللافت للنظر، احتواء جسمها على “ماء مرتبط”؛ تذوب فيه بعض المكونات الغذائية، فيكسب الحشرات القدرةَ على تحمّل درجات حرارة التجمد. لكن عند انخفاضها إلى نحو 30 درجة تحت الصفر المئوية؛ تُحرر الطاقة “الكامنة” في الماء، فترتفع درجة حرارة أجسامها إلى الصفر المئوية. وتتكرر العملية مرة واحدة، فتكفي لإتمام صومها في منتجعاتها الشتوية.

ويعتبر القراد واحدًا من طفيليات الماشية -كالإبل والغنم والبقر والجاموس- تتغذى على دمائها، وتنقل لها بعض الأمراض. يفقس بيض القراد عن يرقات تتعلق بعائلها المفضل، فتغرس خرطومها في جلده لتسحب وجبة دم شهية. فتنسلخ إلى “الحوريات” التي تظفر أيضًا، بوجبة شهية ليكتمل نموها للطور اليافع. وعندما تعبُّ الأنثى من دم عائلها، تتركه إلى حين لتنزل إلى التربة مُمسكة عن الغذاء فتضع بيضها. وقد تطول فترة صيامها حتى قدوم عائل جديد، فإذا ما أقبلت العوائل تنهي أمساكها، وتعيد تناول وجباتها الساخنة من دمائها.

في أنهار ومستنقعات وسط أفريقيا، وفي منطقة نهر الأمازون الجنوبية، تعيش بعض أنواع “الأسماك الرئوية”. وعند حلول موسم الحرارة والجفاف، تلجأ لصنع كهوف أو ملاجئ في وحْل القاع، وتظل صائمة خلال الموسم مُخفضة عملياتها الأيضية لأدنى مستوياتها. وفي مراحل صباها الباكرة، تعيش أسماك “السالمون الأحمر” في مياه الأنهار العذبة، لكنها في موسم معيّن تهجر الأنهارَ إلى مياه البحار والمحيطات. وفي عرض البحار تقضي جزءًا من حياتها (نحو 4-7 سنوات). وعند النضج الجنسي والتكاثر؛ تتجمع في شمال الأطلسي بعد سباحة شاقة، تقطع خلالها 4-5 آلاف كيلو متر، لتكمل رحلتها -عدة أشهر- إلى مصبات الأنهار، فيتجه كل نوع إلى موطنه الأصلي. وتبدأ هذه الأسماك صيامها الوحيد بمجرد ترك المياه المالحة. وفي أمكنة مناسبة في النهر تحفر لتضع بيضها، ثم يتم إخصابه خارجيًّا، فتطمره الإناث من طين القاع. وتظل قابعة إلى جواره حتى يفقس. ثم تلقي الأمهات والآباء نظرات الوداع على صغارها، وتودِّع الدنيا صائمة.

أما السلاحف، فتمارس -على اختلاف أنواعها- نمطًا من الصيام تمتنع فيه عن الغذاء لأشهرٍ كلَّ عام؛ حيث تسكن في أماكن مناسبة، وتعلن بدء الصوم و”موسم البيات”. لأنها مُزودة بخزانات مائية تعتمد عليها في سباتها الطويل.

ومتنوعة هي طيور البطريق، حيث تختلف في سلوك وضع البيض وتفريخه؛ فبطاريق أديلي -مثلاً- تقضي فصل الشتاء في المنطقة الجنوبية، ومع حلول الربيع تعود قافلة إلى وطنها في الشمال، حتى تصل إلى منطقة التكاثر، وتخرج إلى اليابسة لتبني أعشاشها من الحجارة. وبعد نحو ثلاثة أسابيع تكون قد أتمت التكاثر، فتضع الأنثى بيضتين يتولى الذكر حضانتهما صائمًا لأسبوعين. وعند فقس البيض وخروج الأفراخ، ينطلق إلى البحر ليفض صومه، في حين ترجع الأنثى فتغذِّي صغارها. أما بطاريق “الإمبراطور” (Aplenodytes Forsteri)، فتقضي فترة الشتاء في المناطق المتجمدة الشمالية، وتضع الإناث بيضها، لا على الثلج ولكن على قدميها، لتعزلها وتدفئها بجسمها. وتستمر على هذا الوضع صائمة، حتى تتم الحضانة بصورة كافية ويذوب الجليد. وعند نمو الصغار، فإنها تصوم أيضًا عن الطعام حتى يسقط عنها الزغب ويكتسي جسمها بالريش؛ وبعد ذلك تنزل الماء وتعلن نهاية صومها. أما الطيور الكبيرة فتصوم مرة ثانية عند استبدال ريشها القديم بآخر جديد؛ فتعود إلى البحر بحلتها الجديدة.

وتقوم طيور “القطقاط الذهبي” بالهجرة من موطنها في كندا إلى أمريكا، في رحلة متصلة تبلغ نحو ثلاثة آلاف ميل فوق المحيط الهادي. ولمواصلة هذه الرحلة الشاقة، تدخل في “صيام إجباري” ليل نهار ولمدة تصل لثلاثة عشر يومًا. وما إن تصل لبغيتها حتى تستريح بعض الوقت وتستعيد أنفاسها، ثم تتناول طعامها بشهية زائدة، وتدّخر القوة لرحلة العودة من جديد.

ويصوم البط البري وهو مهاجر نحو الجنوب إلى حيث الدفء والغذاء. لكن بعض الطيور -وبخاصة طيور الكروان، والهدهد، والبلبل- تمتنع عن الطعام والشراب، عندما تُحبَس في أقفاص فاقدة حريتها. ونجد طيورًا أخرى، عندما تُنقَل من قفص لآخر، تبدأ مباشرة بالإمساك عن الطعام والشراب، وذلك لحزنها على قفصها وموئلها القديم، ومع الوقت يبدأ الطير بالتغريد ويوقف الصيام.

وحينما ينضب معين الغذاء لكثرة الأعداد، أو عند الارتحال، يصوم “قنفذ النمل الشوكي” صومًا إجباريًّا؛ حيث يلجأ لجحره ويتكور لأسابيع عدة.. فيتخلص مما لديه من مخزون ويستعيد رشاقته وحيويته. وتمتاز السناجب الأرضية بنهمها الزائد خلال الخريف، فتسمن بصورة ملحوظة، وعندما يحلّ فصل الشتاء تدخل في صيام؛ فتتخذ مخابئ داخل الكهوف أو الأشجار المجوفة وتتكور على نفسها لتنام نومًا عميقًا. وفي “بياتها الشتوي” هذا، تضعف عملياتها الحيوية، فتتنفس ببطء وترتاح عضلاتها، وتستريح معدتها وأمعاؤها وتغمض أعينها، وتستهلك مخزونها الدهني.. حتى إذا ما ولّى الشتاء، تبدأ الحرارة تدب في الأجسام، تستيقظ من رقادها نحيلة رشيقة، فتتحرك هنا وهناك سعيًا وراء الغذاء من جديد وكأنها في يوم عيد. إن أول موجات البرد تتسبب في شلّ حركة الضب، فيبقى في مكانه -تحت حجر أو في كوة جدار- عدة أشهر لا يتغذى على شيء، ولا ينبض قلبه إلا بنبضات قليلة ضعيفة غير محسوسة. ثم يستفيق مع قدوم الربيع وسريان الدفء في جسمه، لكنه يجد بطنه خاوية، فيسارع إلى سدّ جوعه.

أما “اللمنج” فهو حيوان ثديي في حجم الفأر، يكسو جسمه فراء بُنِّي ضارب إلى الصُّفْرة، وله أرجل قصيرة بالنسبة إلى حجمه، وله أذنان رفيعتان تختفيان خلال فرائه السميك. يكثر في بلاد النرويج، ويتكاثر بدرجة فائقة؛ فالإناث تلد من ثلاث إلى أربع مرات سنويًّا (تلد نحو 27 فرخًا سنويًّا). وعندما تتزايد الأعداد فإنها تغادر المنطقة في رحلة شاقة متجهة إلى الجنوب، مخترقة الغابات والحقول.. زحف رهيب بالملايين، على شكل أسراب يصل عرض السرب حوالي ثلاثة أميال أو يزيد. ولا شك أن هذه الرحلة، تؤدي إلى الضعف والوهن جراء فترة صيام طويل يصل لنحو عامين متواصلين. وأخيرًا تصل هذه الحيوانات الصائمة إلى شاطئ البحر، فتنتهي حياتها بشكل مأساوي؛ حيث تلقي بنفسها في لجة الماء، لتودع الحياة على هذا النحو الغريب، وليسدل الشتاء على نوع من التوازن البيولوجي الاختياري. فلو استمرت في هذا التكاثر المتواصل لأمكن أن تملأ وجه الأرض؛ فتهدِّد المحاصيل وغيرها.

أما الجرذان النوامة فثدييات قارضة. وعندما تنخفض درجة الحرارة بداية الشتاء، تدخل في بيات شتوي وتصوم. ويتم استهلاك الدهن المخزون في أجسامها خلال فترة الصيام، وبحلول الدفء تستيقظ من سباتها، ثم تتحرك بحذر، مُنهية صيامها بتناول ما يصادفها من طعام.

ويصوم الدب القطبي، والأرنب البري عندما يكسو الجليد الأرض ولا يجد شيئًا يأكله، فيدخل في صيام أو بيات شتوي حتى يذوب الجليد، فعندها يخرج من صومه. لكن مع نهاية شهر أغسطس سنويًّا، تعسكر الفقمة عدة أشهر على الشاطئ. وتقوم الذكور باختيار عدد كبير من الإناث. عندها تُمسك عن الطعام لأسابيع، ساهرة على حراسة إناثها الشابة، أما الإناث المسنة فتضع صغارها في غضون أيام. وعلى صغار الحيوانات، استبدال فرائها بسترة تناسب حياة الماء، فتنفصل عن أمهاتها، وتمتنع عن الطعام والشراب مُستلقية على الشاطئ.. وتستمر فترة صيامها نحو ستة أسابيع تنتهي بحلول يناير، ويحين موعد فطرها فتنزل إلى لجة الماء وتقبل على الطعام بنهم، فلا تلبث أجسامها أن تكتنز بالدهن، وتقضي الشتاء كله على هذا المنوال، حتى إذا ولّى الشتاء، ودّعت حياة البحر لتتمدّد تحت الشمس على الشاطئ وقد بلغت حد النضج الجنسي، فتتزاوج وتتكاثر، ثم تصوم وتفطر من جديد.

أما “الأسد” ملك الغابة، وهو من اللواحم، لديه وفرة من حامض “اليوريك” (Uric Acid) وهو أحد نواتج هضم واستقلاب البروتين، وعند عدم قدرة الكلي على التخلص منه، ترتفع نسبته في الدم، وترسب أملاح ذلك الحمض في المفاصل، مما يؤدي ذلك إلى صيام الأسد يومًا في الأسبوع (48 يومًا في العام).

وقد تصوم بعض الحيوانات تعبيرًا عن الشعور بالحزن والألم، كما عند الكلاب عندما تفقد صاحبها وفاء له، أو عندما تتألم بسبب كسر أو جرح ما. ويصبر الجمل على الجوع والعطش ويصوم أيامًا عديدة، وهو يعتاش عند شُح الغذاء والماء على حرق الشحوم المخزنة في سنامه (يختزن حوالي 120 كلغ). وقد يذوى هذا السنام حتى يميل على جنبه، وقد يمسي كيسًا خاويًا، لكنه يحتفظ بسيولة جيدة في دمه، وموزعًا للحرارة ومبددًا لها من سطح جسمه. ويسير قويًّا متماسكًا إلى أن يجد الماء العذب أو المالح فيعبّ منه عبًّا ويستعيد في دقائق معدودات ما فقد من وزنه في أيام الظمأ. ولديه استعداد خاص لإخراج تلك الأملاح في بول شديد التركيز بعد أن يستعيد معظم ما فيه من ماء ليرده على الدم.

وعلى جانب آخر، يتحمل نبات الصبار العطش ويعيش بدون ماء فترات طويلة، كشأن حيوانات المناطق الصحرواية، كفأر الكنفر الأمريكي الشمالي؛ حيث يستطيع هذا الحيوان القارض العيش دون ماء، معتمدًا على ماء الدهون التي يحويها طعامه.

هذا وقد تصوم بعض الأشجار والنباتات وترتاح في الشتاء، خاصة النباتات المعمرة متساقطة الأوراق. فمن الخريف إلى الربيع تتباطأ وظائف أجزائها المختلفة، وتمسي في حالة سكون وصوم، فتقل عملية البناء الضوئي، وربما تتوقف تمامًا مع عملية النتح. كما يقل عمل الجذور في امتصاص الغذاء والأملاح، وتتساقط أوراق شجرتي التوت والمشمش فلا يحدث تمثيل غذائي طيلة الشتاء. حتى إذا أتي فصل الربيع، ظهرت الأوراق من جديد، ولبست الأشجار حلتها الخضراء.

صفوة القول: “أمم ومخلوقات صائمة”.. عالم لا تنقضي غرائبه ولا تنتهي عجائبه. وينبغي ألا تمر هذه الغرائب وتلك العجائب على العاقل مرور الكرام، بل عليه أن يأخذ منها -وغيرها كثير- مِرْقَاةً للوصول، ومدعاة للقبول.

 

(*) كاتب وأكاديمي مصري.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.