نحن نحب تراثنا ونعتز به، ولا يكاد باحث يشرع في بحثه في أي علم، إلا وقف متسائلاً عن جذوره في تراثنا القديم الغني. فأحرى بنا إذا كان البحث في الشعر حتى وإن كان “شعر الأطفال”، أن نقف تلك الوقفة الواجبة، خاصة أن الشعر يمثل الجانب الأكبر من تراثنا العربي الأصيل؟ إن حبنا لتراثنا يكون محمودًا بقدر ما يدفعنا إلى المحافظة عليه، وحسن فهمه والإفادة منه دون تأويل، فاسد أو تفسير مغلوط. ولا يدفعنا ذلك الحب إلى تأويل مبالغ فيه، أو إلى أن نُحمّل تراثنا ما لا يحتمله. وعلى هذا الأساس نتساءل: هل كتب شعراؤنا القدماء منذ العصر الجاهلي وحتى أواخر القرن التاسع عشر، شعرًا للأطفال؟

الواضح أنه لم يفكر شعراء هذه العصور في تقديم شعر خاص بالأطفال، إذ لم يصل إلينا في تاريخ الأدب العربي القديم خبر عن ذلك، ولم نجد فيما بين أيدينا قصيدة للأطفال كُتبت لهم لغةً وموضوعًا.

ومعلوم أن المفَضَّل الضبِّي عندما أسند إليه أبو جعفر المنصور مهمة تأديب ابنه المهدي، تخير لـه ما عُرف بعد ذلك باسم المفضليات؛ وهي مختارات من عيون الشعر العربي، ولا خصوصية لها بإبداع شعرٍ للأطفال.

شعر عن الأطفال وليس لهم

نستطيع أن نقرر أن القدماء كتبوا عن الطفل، كما كتبوا عن أشياء كثيرة، كالمرأة والناقة والفرس وغير ذلك.. مما تربطهم به علاقة ويمثل مفردة مهمة في حياتهم. وقد حظي الأطفال -خاصة الذكور- بجانب كبير من ذلك؛ فقد كان القدماء يحتفلون بمولد الطفل ويغنون له، ويستبشرون بمستقبله شعرًا ونثرًا، فإنْ مات رثوه رثاء عميقًا مؤثرًا، وهم في هذا وذاك لا يعبرون عن مشاعر الطفل ولا يكتبون لـه وإنما يكتبون عنه، وعدم التفرقة بين هذين اللونين جعل الباحثين يوردون تحت عنوان “أدب الأطفال في الأدب العربي القديم” أبياتًا للمتنبي يرثي فيها ابن سيف الدولة يقول:

فإنْ تَكُ في قبرٍ فإنكَ في الحَشَا

وإنْ تَكُ طِفْلاً فالأسى ليس بالطفلِ

ومثلك لا يُبـكى علـى قـدر سِـنِّهِ

ولكــن علـى قـدر المَخِيلَةِ والأصـلِ

وهكذا يستمر المتنبي مجاملاً ممدوحه سيف الدولة فيرثي ابنه، كما جامله في رثاء أمه وأخته. ومثل هذا الشعر مهما بلغ من القوة والجمال، فإنه ليس للطفل وإنما عن الطفل، وإذا أوردناه فإنما يكون ذلك تحت عنوان “الأطفال في الأدب العربي” وليس “أدب الأطفال في الأدب العربي”. والنص الشعري الموجه للطفل والمكتوب من أجله، ينبغي أن تتوفر له مواصفات خاصة، وفي تراثنا كثيرٌ من مقطوعات الشعر التي كانت تُغني للأطفال وهم في المهد، لتنويمهم أو مداعبتهم. وقد وردت هذه المقطوعات في كثير من كتب التراث، مثل المستطرف والأمالي والأغاني. وقد عدَّ كثير من الباحثين هذه الأمهودات -كما اعتادوا أن يسمونها- من شعر الأطفال، وأوردوها في أبحاثهم تحت ذلك العنوان، بل إنها تعتبر المثال الأعظم والدليل الأقوى عندهم لوجود شعر الأطفال في التراث، ولستُ معهم في هذا؛ لأن الطفل ليس له دور فيها، ولا يمثل طرفًا من أطراف العملية الإبداعية، وإذا كان يتجاوب مع الأمهودات وينسجم لها، فإن ذلك ليس عن وعي وفهم للنص الملقى عليه، ولا تتعدى تلك الأمهودات كونها أدبًا يبدعه الكبير كأداة يسيطر بها على الطفل، فيكف عن البكاء، وينجذب إليه، وينصت لما يقول، ويستوي في ذلك أن يُغَنِّيَ له، أو يتلفظ بألفاظ غير مفهومة، أو يعزف موسيقى، أو غير ذلك.. وذلك النص الذي يستوي في مردوده مع كل ما سبق لا يُنْسَب إلى شعر الأطفال، وليس منه في شيء. وإذا تعرضنا إلى تلك الأمهودات بالتحليل الفني تأكد لنا ذلك؛ فإنها لا تشتمل على أي خطاب موجه إلى الطفل، ولا تتعدى كونها أداة إشغال وإثارة سمعية، نربأ بالنص الشعري أن تكون تلك الوظيفة منتهى غايته.

ينبغي أن تجتمع للعملية الإبداعية ثلاثة أطراف؛ ليكون الإبداع مفيدًا ويؤتي ثماره، تلك الأطراف هي: المبدع، والنص، والمتلقي. وأغاني المهد ليس للمتلقي دور فيها. والنظرة السريعة العابرة -فالأمر لا يحتاج أكثر من ذلك- إلى تلك الأمهودات، سوف تُبَيِّن لنا بُعْدَها عن عالم الطفولة.

يروى الجاحظ في -البيان والتبيين- أن العجلان بن سحبان وائل كان يرقص ابنته ويقول مُعَرِّضًا بزوجته:

وُهــبــتُــها مِـــن قَـــلِــقٍ نِـــطَاقُهَا

مُشَمَّرٍ عُرْقُوبُهَا عــن سَـاقِهَا

يَــكْـــثُرُ فـــي جيرانها إحداقُهَا

فأخذت زوجته الطفلة، وقالت معرضة بزوجها وهى ترقصها:

وُهِبْتُهَا من شيخِ سُوءٍ أنْكَدِ

لا حَسَنَ الوَجْهِ ولا مُسَوَّدِ

يأتي الأمر بِالدَّوَاهِي الأُبـَّــدِ

وَلا يُــبَالــي جَـــارُهُ إنْ يَبْـعُدِ

فأخذ الأب الطفلة وقال يُرَقِّصُها:

وهبتها من ذات خلق سلفعِ

تــواجــهُ القَــوْمَ بِوَجْهٍ أخْدَعِ

من بعد بيضاء لسوأى أربع

يا لهفي من بدل لي موجع

ولسنا في حاجة لأن ننفي نسبة هذا الهجاء إلى شعر الأطفال، فلا يليق أبدًا بعالمهم النقي البريء، ولا يجوز حسابه عليهم لمجرد أن قائله كان يُرَقِّصُ طفلة صغيرة.ومثل هذا الشعر لا يجوز أن يكون للطفل ولا حتى عن الطفل. ومثل ذلك أيضًا ما رواه الجاحظ في “البيان والتبيين” من أن امرأة كانت ترقِّصُ ابنتها وهي تُلَوِّح بالكلمات إلى زوجها أبي حمزة الذي هجرها بسبب إنجابها البنات، فتقول:

مَا لأَبِـي حَمْزَةَ لا يَأْتِينَا         يَـظَـلُّ بِـالْبَـيْتِ الَّذِي يَـلِيـنَا

غَضْــبَانَ ألا نَـلِدَ البَـنِـينَا         تـاللهِ مــا ذَلِــكَ فــي أيْـدِينَا

وإنـما نَـأْخُـذُ مَـا أُعْطِينَا        ونَحْنُ كالأرضِ لِزَارِعِينَا

نُنْبِتُ مَا قَدْ زَرَعُوهُ فِينَا

فما علاقة تلك الطفلة المسكينة بهذه الأبيات المفعمة بالأسى والعتاب الرقيق من زوجة مهجورة مغلوبة على أمرها لزوجها الغاضب، والذي -فيما تقول الرواية- اسْتَمَعَ إلى الأشعار وصالح زوجته؟!

إن من المبالغة الواضحة بل المغالطة أن تُعَدّ تلك المقطوعة وما شابهها، من أدب الأطفال، وإنْ كان الأطفال في تلك السن الصغيرة يسكتون عندما يستمعون إليها؛ فإنهم تجاوبوا مع أصوات منغمة لم يفهموا لها معنى، ولا يعنيهم في تلك السن أن يكون لها معنى. ومثل ذلك كثير شائع على ألسنة العامة.

وذلك ما يؤيده الدكتور علي الحديدي في كتابه “أدب الطفولة”، يقول: “وتوسع العرب في أغنيات ترقيص الأطفال، فبثوا فيها أغراضًا أخرى غير تسلية الصغار والترفيه عنهم والنغم والترقيص، واستهدفوا بها مآرب أخرى يخفونها ويكنون عنها؛ كالمدح والذم واللوم والعتاب والتبكيت والتقريع والاعتذار والتعريض.. وحين تتخذ أغنيات الترقيص ستارًا لهذه الأغراض تخرج بها عن عالم أدب الأطفال، لأنها لم تعد خالصة لهم بل تؤدي أغراضًا خاصة للكبار”.

ومن الأمهودات ما هو شعر عن الطفل، يُمْدَح فيه ويُسْتَبْشَر بمستقبله، وهي في مجملها تعبر عن وجدان الآباء ومشاعرهم نحو أبنائهم، ومن ذلك قول الحسن البصري وهو يرقص ابنه:

يا حَبَّذا أرْوَاحُه ونَفَسُهْ        وحَــبَّــذا نَسِيــمُه وَمَلْمَسهْ

والله يُـبْقِيه لنا وَيَحْرُسُهْ          حــتى يَــجُــرَّ ثَوْبَه وَيَلْبَسهْ

ومما يحكيه صاحب المستطرف، أنه كان لأعرابي امرأتان، فولدت إحداهما جارية، وولدت الأخرى غلامًا، فرقصته أمه يومًا وقالت معايرة لضرتها:

الحمــد لله الحمــيد العـالـــي

أنقــذنــي العام مـن الجوالـي

من كل شــوهاء كشــن بالي

لا تـدفـع الضيم عن العيـالِ

فسمعتها ضرتها فأقبلت ترقص ابنتها وتقول:

ومـا علــيَّ أن تكـون جاريـةْ

تغسل رأسي وتكون الفاليـة

وترفع الساقط من خماريـة

حتــــى إذا بــلــغـــت ثــمانــيــة

أذرتـــها بـــنـــقــــبـة يــــمانـــيــــة

أنكحتها مروان أو معاويـة

أصهار صدق ومهور غالية

ومنها أيضًا قول أعرابية تُرَقِّص ولدها:

يا حبذا ريح الولد ريـــح الخـــزامــي فــي البلد

أهــــكــذا كـــل ولــد أم لــــــم يــلـــد مـثــلــي أحـــد

وقد يتوفر للأمهودات الوزن المناسب للأطفال والمعنى السهل، ولكنها لا تمثل موضوعًا مهمًّا لهم، والأطفال في المهد لا يفهمون ما يقال، ولا تتحقق المتعة من الشعر إلا بعد الفهم، فالفهم والمتعة وجها عملة واحدة. فلا ينبغي معاملة طفل المهد على أنه من جمهور الشعر، واعتباره يمثل دورًا كمتلق له، فهذا يأتيه بعد تجاوزه مرحلة المهد، وقدرته على النطق وفهم اللغة، وتكوينه لقاموسه اللغوي الأول.. وذلك يجعلنا نُخْرِجُ مطمئنين كل ما ترنم به الآباء والأمهات للأطفال في مهدهم من دائرة شعر الأطفال، وذلك ما يذهب إليه بعض الباحثين؛ يقول دكتور هادي نعمان الهيتي في كتابه “ثقافة الأطفال”: “ونجد في التراث الشعري العربي فيضًا من المقاطع التي كانت تغنى للأطفال عند تلعيبهم أو تنويمهم، ومن بين هذا التراث ما هو أغاني مهد ترنمها الأمهات لأطفالهن عند تنويمهم، وأغاني ملاعبة يرنمها الكبار للأطفال أثناء اللعب. وقد أُطلق مصطلح أغاني (ترقيص الأطفال) على هذا الموروث الشعري.. وهذه الموروثات ليست في عداد أدب الأطفال”.

أما ما ورد من ألغاز، يستدل بها بعض الباحثين على وجود شعر الأطفال في التراث. ففي رأيي، أن أكثرها ليس شعرًا من الأصل، فضلاً عن أن يكون شعر أطفال، إنما هو نظم كالنظم التعليمي، لا يتوجه إلى الوجدان ولا سبيل له إليه، وإنما يخاطب العقل. وتنمية الوجدان هي الهدف الأهم لشعر الأطفال، وإذا كان ثمة تعليم في الشعر أو من خلال الشعر، فينبغي أن يكون طريقه الوجدان، وفي سياق نص لا يفتقد جماليات النص الشعري. ومن أمثلة تلك الألغاز التي أوردها صاحب المستطرف وأفرد لها بابًا في كتابه قولهم في الموز:

ما اسمُ شيءٍ حسنٍ شَكْلُه    تَلْقاه عند الناس مَوْزُونَا

تَـــراه مــعــدودًا فـــإنْ زِدْتَـــه    واوًا ونونًا صار مَوْزُونَا

ثم إن من تلك الألغاز ما ينأى عن الطفولة وتنأى الطفولة عنه؛ إما لوعورة لفظه، أو لصعوبة فهمه، أو لقبح معناه، مما يجزم بأن تلك الألغاز لم تكن سوى مادة للسمار من الكبار، يلهون بها في سمرهم، ولم تكن للأطفال أية علاقة بها.. كما أنهم في بعض الألغاز ذكروا الطفل مثالاً على الجهل والعبث بالشيء؛ مما ينفي توجههم بذلك للطفل؛ وذلك كقولهم في الخشخاش:

وما قبة مبنية فوق شاهـق

لها علم يحكى الملاحة بالظرف

وأولادها في بطنها في جماعـة

يكونون ألفا أو يزيدون عن ألف

ويأخذها الطفل الصغير بجهله

ويقلبها عسفًا على راحــة الكـف

وقولهم في فيل:

أيما اسم تركيبه من ثلاث

وهــو ذو أربع تـعالى الإله

حيوان والقلـب منه نــبات

لـم يكن عند جوعه يـــرعــاه

فيك تصحيفه ولكن إذا ما

رمت عكسًا يكون لي ثلثاه

وبتحليل المقطوعة السابقة، نجدها غير مناسبة للطفل لغةً ووزنًا وصياغةً ونحوًا؛ فالجملة الاعتراضية في آخر البيت الأول لا يفهمها الطفل، ولا يستسيغ صياغتها نحويًّا، حيث إنه في سِنِيه الأولى يفهم المعنى جملة واحدة، ولا يستطيع أن يفرق بين الجملة الأساسية والجملة الاعتراضية، وفي البيت الثاني لا يفهم الطفل “القلب” غير أنه قلب الحيوان، وليس القلب بالمعنى الصرفي، كما أن عودة الضمير في “يكن” على الحيوان وعودته في “يرعاه” على النبات، وفي “جوعه” على الحيوان.. كل هذا يشتت الطفل ويحجب أي معنًى عنه. وفي البيت الثالث تقديم الخبر على المبتدأ في الشطر الأول منه، وصعوبة المعنى المقصود في الشطر الثاني تجعله ينأى كثيرًا عن مواصفات شعر الأطفال، هذا بالإضافة إلى غموض كلمة “تصحيفه”.

والأبيات الثلاثة جاءت في وزن الخفيف، ذلك البحر المركب الذي تتبادل فيه التفعيلتان “فاعلاتن” و”مستفعِ لن”. والأوزان المناسبة للطفل عادة ما تكون من مجزوء البحور أحادية التفعيلة.

الغريب -رغم كل ما سبق- أن أحد الباحثين يرى أن تلك المقطوعة مناسبة للطفل، لمجرد أنها تتكلم عن الفيل، والفيل حيوان يحبـه الأطفال، متجاهلاً كل ما تشتمل عليه من سمات تبعد بها كل البعد عن عالم الطفولة البسيط.

(*) شاعر وأديب مصري.