إننا لو نظرنا إلى منهج الإسلام في بناء شخصية المسلم، نجد أنه قد أرسى قواعد البناء السليم للشخصية المسلمة، لتصبح لبنة قوية في صرح المجتمع. ولكي تكون كذلك، جعل من أهم أسس بنيانها أن ينظر المرء إلى ذاته نظرة ناقدة فاحصة لما يصدر عنه من أفعال وتصرفات اتجاه الآخرين. هذا النقد الذاتي الذي يجعل الإنسان ينعم بالطمأنينة والسعادة، فلا توجس نفسه شياطين الأنس والجن، ولا تقلقه أشباح الأفكار المنحرفة والخواطر المريضة التي لا تأتي على شيء إلا جعلته كالرميم.

فإن الإنسان لو تُرك وطبيعته، فإنه يندفع في تيارها الجارف دون أن يلزم نفسه بتوجيه معين، ويسير حتمًا إلى غير غاية متخبطًا في ظلمات أهوائه، سابحًا في بحور أنانيته التي لا حدود لها، والتي لم يجن من ورائها إلا بغض الناس وانفضاضهم من حوله. ولقد صدع القرآن الكريم -محذّرًا ومنبهًا ومعيبًا- على هؤلاء الذين يخدعون الناس بهذه الظواهر والمظاهر التي ما هي إلا ستار يخفون تحته تصرفات معيبة وأفعالاً شائنة، فما قيمة المظهر الحلو إذا ما أخفى صاحبه تحته مخبرًا مرًّا: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)(البقرة:44).

ومنهج ثقافة نقد الذات في الإسلام، وضعه الخالق عز وجل بهدف إيجاد قلوب سليمة ونفوس مستقيمة تهتدي إلى الطريق السوي. ومن أجل الوصول بالنفس إلى هذه الغاية السامية، وضع المولى عز وجل عددًا من الضوابط للنفس، إن سارت على نهجها وصلت إلى أعلى درجات الكمال، وهي أن تربي نفسها بنفسها.. وهذه الضوابط هي:

1- طلب الخالق عز وجل من عباده أن ينظفوا سرائرهم من كل غش وزيغ، وأن يحفظوا بواطنهم من كل كدر، وأن يتحصنوا من كيد الشيطان بمضاعفة اليقظة وإخلاص العمل وصدق التوجه إلى الله جل شأنه. وأنزل الخالق عز وجل سورة كاملة في هذا السبيل، تدعو إلى نقاء السريرة والوقاية من الهواجس الوضيعة والخواطر المظلمة، وتحفظ على المرء إشراق روحه ونقاء جوهره، حيث قال تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)(الناس:1-6). هذه الاستعاذة تصوّرٌ لجأ فيه المؤمن إلى الله يحتمي بقوته ويستجير بعزته؛ أن يبقي عليه جمال نفسه نقية طاهرة غير مشوبة بوسوسة شيطان، ولا معيبة بنية غدر أو شر لأحد من الناس.

2- أن يُقدِم الإنسان بنفسه على تعديل سلوكه ونفي ما ليس من طبيعته، حتى يقوّم ما اعوج داخل نفسه من أفعال لا يرضى عنها، ولا يملك الخلاص منها إلا بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى. فقد جعل الخالق عز وجل باب التوبة مفتوحًا أمام الظالمين لأنفسهم المقرّين بسوء أفعالهم، قال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا)(النساء:110).

3- بناء الشخصية النقية التي سمت فوق أمراض النفس من ضغائن وأحقاد وغيظ، وغير ذلك من أمراض النفس التي تشوه جمالها وتخرجها من معدنها الأصيل، فهي شخصية لا يوجد في  قلبها سوى الحب والمودة لجميع المسلمين. فمن دعاء المسلمين في القرآن الكريم (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)(الحشر:10).

4- تعوّد محاسبة النفس باستمرار بتهمها بالتقصير ولا يرخى لها العنان، قال تعالى: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي)(يوسف:53)، وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الكيّس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني” (رواه المنذري). وقد وعى المسلمون الأوائل ورجال التربية في الإسلام ذلك جيدًا، فكان لهم باع طويل في إرساء دعائم  ثقافة نقد الذات، ومجاهدة النفس حتى تتخلص من غرائز السوء التي تثقل كاهل صاحبها بالسوء، وتدفع به في النهاية إلى الحضيض. فمن أقوال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتهيئوا للعرض الأكبر.. وتلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾(الحاقة:18). ومن أقوال الحسن بن علي رضي الله عنهما: المؤمن قوام على نفسه يحاسبها.

كما نرى أن هناك من وضع ضوابط في نظر المسلم إلى ذاته، وما قدمت نفسه من خير أو شر، فيرى ابن المقفع أن يسجل الإنسان ما يصدر عنه من أفعال خلال يومه جاعلاً الصفحة اليمنى للحسنات واليسرى للسيئات. كما دعا العلامة ابن القيم أن ينظر المرء في نفسه نظرة عميقة مدققة عما صدر منه من أفعال قد لا يعيرها اهتمامًا وربما عصفت هذه الأفعال بصاحبها إلى طريق الهاوية، فيقول: على المرء أن يسير بفكره في عواقب الهوى، فيتأمل كم أفاتت عليه معصيته من فضيلة، وكم أوقعته في رذيلة، وكم أكلة منعت أكلات، وكم من لذة فوّتت لذات، وكم من شهوة كسرت جاهًا ونكست رأسًا، وقبحت ذكرًا وأورثت ذمًّا، وألزمت عارًا لا يغسله الماء، غير أن عين الهوى عمياء.

إذن، ثقافة نقد الذات في الإسلام، تهدف إلى ترويض النفس، والأخذ بيدها إلى طريق الكمال والخير الذي يصقل معدنها، ويذهب كدرها، ويرفع ويعلي من شأنها، ويعصمها من مزالق الشر، وينقذها من ظواهر السوء، لتُبعث للحياة من جديد وهي نقية من أسر الهوى، ومن براثن الشيطان عندما يغريها بمواقعة المعصية، حتى ينظر كل إنسان منّا قبل أن يوجهه سياط نقده وسلطان وعظه للغير، أن يتمهل ويترفق لينظر أولاً في معاملاته لذاته ولغيره ليقوّم أيّ اعوجاج فيها، فإذا أخذ كل فرد منّا بهذا المنهاج، استقامت حياة الأمة كلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.