عندما تطرح مسألة تدريس اللغة العربية واكتسابها في المدرسة، يتبادر تساؤل منطقي ومشروع: كيف نعلم الطفل الفصحى في بيئة لغوية تتسم بالإزدواجية؟

فحين يأتي الطفل إلى المدرسة، يكون مكتسبًا نسقًا لغويًّا يجمع بين الفصحى وغير الفصحى، وعندما يوكل للمدرسة مهمة تعليم النسق الفصيح وإنباته في السلوك اللغوي للمتعلم تجد أمامها اللغة العامية مزاحمة لها، ذلك أن التلاميذ يتداولون قضاياهم وانشغالاتهم باللغة العامية في جميع مرافق المؤسسة التربوية بما فيها الفصول الدراسية.

وإذا اعتبرنا انتشار العامية وتعلم الفصحى يشكل ازدواجًا لغويًّا، فهل يمكن اعتبار هذا الإزدواج عائقًا أمام تعلم الطفل النسق اللغوي الفصيح؟

وإذا كان الطفل يتعلم النسق اللغوي العامي بسهولة ويسر فكيف يمكن الاستفادة من ذلك لتعليمه النسق اللغوي الفصيح؟

وفي سياق مماثل، عندما تطرح مسألة ترسيخ القيم في سلوك الناشئة، يطفو سؤال ملح إلى ساحة النقاش، كيف نكسب الطفل قيمًا إسلامية في بيئة اجتماعية تتسم بالإزدواجية القيمية؟

كيف نكسب الطفل قيمة العدل وهو يشاهد مواقف -بشكل يومي- يتبدى فيها الجور بشكل عادي؟

كيف نعلم الطفل قيمة الصبر وهو يسمع بشكل يومي بأن في الصبر ألما ومشقة لن يستطيع تحملهما؟

كيف نقنع الطفل بقيمتي الأمانة و الصدق وهو يرى تجسيدا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَات، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ”[1]؟

حسب المتخصصين في تدريس اللغات فإن تعلم النسق اللغوي الفصيح رهين بتوفر شرطين أساسيين، الانغماس اللغوي واعتماد المنهجية المناسبة.

فما معنى الانغماس اللغوي؟ وهل يمكن نقله من المجال اللغوي إلى مجالات تعليمية أخرى؟

  • الانغماس اللغوي

يرتبط هذا المفهوم بتدريس اللغات، ويقصد به الممارسة التربوية التي تقتضي استعمال اللغة العربية الفصحى في التواصل اليومي، وفي جميع الأنشطة التعليمية التعلمية، سواء أكانت صفية أو مندمجة، حتى تتاح للمتعلم فرصة استبطان النسق الفصيح، واكتساب ملكة التعبير بسلاسة ويسر، والتواصل الوظيفي بلغة عربية سليمة ودالة، ذلك أن اللغة العربية يتم تعلمها وتوظيفها باعتبارها هدفًا في حد ذاتها، وأداة بالنسبة لمواد دراسية أخرى.

وكما هو معروف عند جمهور اللسانيين فإن للغة بيئة ووسط خاص تنمو فيه وتتطور بشكل سلس ومطرد، فكلما زادت معطيات هذا الوسط توفرا من حول المتعلم زادت احتمالات ظهور الملكة اللغوية عنده وزادت معها احتمالات انتعاشها وتطورها، فيكون المتعلم كالمغمور أو المغموس في حمام من اللغة وهو ما يعرف بالانغماس اللغوي أو الحمام اللغوي.

وقد كان لابن خلدون السبق لهذا المفهوم في معـرض حديثه عن أهمية الطبع في تعلم لغة العرب، حيث يقول: “فالمتكلم من العرب حين كانت ملكة اللغة العربية موجـودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطبـاتهم وكيفيـة تعبيرهم عن مقـاصدهم كمـا يسمع الصبي استعمـال المفـردات في معانيها..، ثم لا يزال سمـاعهم لذلك يتجـدد في كـل لحـظة ومـن كل متكلم، واستعمـاله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكـة وصفة راسخـة ويكـون كأحدهم”[2] .

وهذه الملكة تحصل في رأي ابن خلدون: “بممارسـة كلام العرب وتركـه على السمع والتفطن لخواص تراكيبه وليست تحصـل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك”[3].

إلا أن هذا الشرط يتطلب وجود شركاء قارين في البيت والحي والمدرسة، وهو شرط صعب التحقق لأن الواقع اللغوي في بلادنا يقول إن اللغة العربية هي اللغة الثانية في البلاد بعد العامية، (دون الدخول في نقاش مدى اعتبار النسق العامي لغة أم لا، لكننا نتحدث عن الممارسة الكلامية اليومية في البيت والشارع، بل حتى في المؤسسات التعليمية)، ومع القليل من التحفظ يمكن أن نقول إن شيئًا من هذا الشرط يتحقق في برامج الأطفال عبر بعض القنوات الفضائية.

  • اعتماد المنهجية المناسبة:

إن تعلم النسق العامي يتم دون تقنين أو تقعيد ودون تجزيئ، فالطفل يستضمره في ذاكرته كأنساق أي كجمل وتراكيب دون تفتيت لمعجمه أو صرفه ليعيد تركيبه وإنتاجه في مواقف مشابهة.

والمدرسة مدعوة إلى الاقتداء بهذا النهج، أي تعلم اللغة العربية في كليتها غير مجزأة، من خلال توسيع الغلاف الزمني الخاص بالتعبير الشفهي والكتابي، ووظيفيا عبر الاستعمال ومواجهة وضعيات مشكلة.

ومن جهة أخرى فإن ترسيخ القيم في سلوك الناشئة يتطلب شرطين أساسيين:

  • الانغماس القيمي من خلال الاقتراض الدلالي لمفهوم الانغماس من المجال اللغوي إلى المجال القيمي، إن هذا الشرط يجب أن يتحقق في جميع أعضاء الطاقم التربوي للمؤسسة، لأنهم يجسدون صورة مصغرة للمجتمع، فالتلميذ يجب أن يلمس فيهم التعاون والتفاهم والإخاء والمبادرة، وأن يرى فيهم تجسيدا حقيقيا للقيم، باعتارهم القدوة والمثال الذي يحتدى به. كما أن المدرس في قسمه يجب أن يكون عادلا في أحكامه وفي توزيع الأدوار على متعلميه وفي حل بعض الإشكالات التي تطرح في الفصل، صبورا ، كريما حليما أمينا صادقا، هدفه إعطاء القدوة دون تكلف ودون اصطناع، بل يجب أن تتجسد عنده القيم بشكل يتماهى فيه السلوك مع المبادئ، وليس باعتبار السلوك القيمي جلبابا يلبسه المربي كلما حضر إلى المؤسسة، لينزعه بمجرد عبور حاجز بابها، وكأنه يحمل عبئا لا يلبث أن يرميه كلما شعر بعدم المراقبة الإنسية.

إن القيم ليست مجرد مواقف أو سلوكات منعزلة، بل هي مبادئ كلية لا يتصور وجود إحداها بمعزل عن الأخرى. فلا يتصور وجود العدل بمعزل عن الأمانة والصبر والحلم، ولا يتصور وجود الحرية بمعزل عن الكرم والصدق، وهكذا…

إن وجود شريك قار له أهمية مركزية في إنماء وترسيخ القيم في سلوك المتعلم، فمؤسسات التنشئة الاجتماعية التي تزاحم المدرسة في مسألة إنبات القيم هي الأسرة والإعلام والمجتمع (البيئة القريبة)، وحيث إن البيئة والإعلام عناصر غير متحكم فيها، فإن الاشتغال على دور الأسرة يبقى محوريا، باعتبارها شريك المؤسسة التعليمية الأول في إنبات القيم في سلوك المتعلم أو تعديله. وهذه الشراكة قد تكون مباشرة وقد تكون غير مباشرة.

مباشرة من خلال ميثاق تعاقد على تتبع الأسرة والمدرسة لمجموعة من القيم في سلوك المتعلم، يوازيه عقد دورات تكوينية للأسر داخل المؤسسات التعليمية بتأطير من الأساتذة أنفسهم، موضوعها وهدفها إنبات وتعزيز وترسيخ القيم في سلوك المتعلمين.

غير مباشرة ودون تعاقد، مع عقد دورات تكوينية للتعريف بالقيم ودور ترسيخها في السلوك في النجاح الدراسي.

– اعتماد المنهجية المناسبة

تعتبر الوسيلة الأمثل لتدريب المتعلمين على بناء العلاقات الإنسانية الناجحة المؤسسة على مبادى التماسك وروح العمل الجماعي الإيجابي والتنافس المشروع واحترام الضوابط الأخلاقية وتبني مجموعة من السلوكيات اللفظية وغير اللفظية التي تمكن من إقامة علاقات اجتماعية إيجابية بناءة ومتبادلة مع الآخرين.

إن الاشتغال على مواقف حقيقية من واقع المتعلم، من خلال بناء وضعيات تعليمية لها دلالة واضحة في ذهنه فيحدد دوره في البحث عن حل لها بعد صراع معرفي نسميه بالإيجابي لأنه يساهم في بناء تعلمات جديدة، أما الوضعيات البعيدة عن السياق الثقافي للتلميذ، فهي تشكل بالنسبة له عائقًا سلبيًّا لأن دلالة المفهوم في ذهنه ليست بالضرورة ما تدل عليه في الواقع، فيصبح عدم تمكنه من حل الوضعية ليس بسبب عدم تملكه ميكانزمات وآليات الوصول إلى الحقيقة، إنما لوجود عائق عدم الفهم الصحيح للوضعية المشكلة.

– عدم ربط القيم بمادة التربية الإسلامية: دائما ما يتم ربط ترسيخ القيم في سلوك الناشئة في المؤسسات التعليمية بمادة التربية الإسلامية، في حين أن المدرسة هي مؤسسة تربوية قبل كونها تعليمية، وحيث أن مدخل القيم يعتبر أحد المداخل الأساسية لبناء المناهج، فبالضرورة أن جميع المواد الدراسية حاملة للقيم، ومن ثم يمكن إدراج مرحلة أخرى من مراحل بناء الدروس: “أتخذ موقفا”، في نهاية حصص مواد العلوم الإنسانية، من لغة عربية واجتماعيات على سبيل المثال.

-تعاقد ديداكتيكي بين المدرس وجماعة القسم على احترام مجموعة من المبادئ (ميثاق القسم أو ميثاق المؤسسة)، يلتزم المخل بأحد تلك المبادئ بالاعتذار العلني أمام جماعة الفصل أو المؤسسة، وبالقيام بسلوك تصحيحي لما بدر منه، تأسيا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “اتَّقِ الله حيثما كنتَ، وأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحسَنَةَ تَمْحُهَا، وخالِقِ الناسَ بخلُق حسن[4]“.

فالمطلوب لتحقيق الانغماس القيمي إدماج القيم في المشاريع التربوية بهدف تحقيق التوازن والتكامل في شخصية المتعلم، بمعنى أن تصبح التربية على القيم جزء لا يتجزأ من كل نشاط تعليمي في مختلف المواد الدراسية في سياق مشروع مندمج ورؤية واضحة للمؤسسات التعليمية حتى تكتمل رسالتها.

الهامش

[1]  رواه أحمد وابن ماجة وصححه الألباني

[2]  المقدمة، ج 2، الدار التونسية للنشر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984 ص 723

[3]  المصدر نفسه، ص 594

[4]  رواه الترمذي وقال حديث حسن

About The Author

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.