من المستغرب له أن تُصبح تُتداول في مواقع التواصل الاجتماعي أفكار تنسف حقيقة كروية الأرض وتروِّج لفكرة “الأرض المسطحة”، وهي أفكار تقوم على منطق النقد لواقع علمي ثابت بفكر تصوري معارض غالبًا ما تجده يفتقر إلى السند العلمي المبني على المنطق الاستدلالي. من أجل ذلك ارتأيتُ أن أقدم هذا المقال الذي أحاول من خلاله رفع اللبس عن هذه الحقيقة ببيان أوجه التوافق بين ما جاء به القرآن الكريم من إشارات إلى كروية الأرض، وما تجليه لنا الكشوفات العلمية الحديثة من تفاصيل حول مغزى دلالاتها العلمية.

السموات والأرض تشكل وحدة  بنائية متكاملة، وهما تعبير لكلمة “أقطار”.

فالقرآن الكريم هو كتاب هداية، جاء يستنهض في الإنسان همة العقل من أجل العلم بخبايا هذا الكون، لكنه ليس دليلاً علميًّا يشمل الإجابة المفصلة عن كل الأسئلة المطروحة حول ظواهر الكون؛ فهو بحمله الإشارة إلى مثل هذه الحقيقة الكونية (حقيقة كروية الأرض) يكون دفع بنا إلى البحث في خبايا ما تكتنزه الظاهرة من أسرار، حتى يطلع الباحث على المعنى الذي يريده الله عز وجل من هذا الكون لا المعنى الذي يريده الإنسان. فكون أنه سلك بنا مسالك العلم، فذلك يعني أنه فتح لنا من أجل ذلك باب الفهم، ولو أنه بيّن لنا تفاصيل هذه الحقيقة مسطرة في آي الكتاب وجاهزة للفهم والاستيعاب، لكان سد لنا باب العقل وفتح لنا باب النقل، وهو ما لا يتفق مع دعواته المتكررة إلى البحث والاستكشاف التي كثيرًا ما عرضها علينا في صيغ (قُلِ انْظُرُوا)، (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا)(أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)، (أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ).. تلك الصيغ التي جاءت تستنهض في الإنسان همة البحث العلمي الذي هو المدخل لفهم مثل هذه الحقائق، والأساس في فهم حقيقة الوجود.
ومن هنا، فالقرآن الكريم حمل الإشارة إلى كروية الأرض منذ زمن التنزيل، ولكن في تلميحات مرصّعة على رؤوس بعض الآيات، ولعل في قول الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ)(الرعد:3) لخير دليل على هذا المعنى. وقد قال الفخر الرازي في تفسيره لهذه الآية: “إن أبا بكر الأصم قال: المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه، وأضاف رحمه الله أن هذا المد المذكور في الآية، يُشعر بأن الله تعالى جعل حجم الأرض عظيمًا لا يقع البصر على منتهاه، وانتقد من قال بتسطّح الأرض معللاً ذلك بأن لو كانت مسطحة لا كروية فيها، فكيف يمكن تصور مدها إلى ما لا نهاية له!”
وقال أبو حيان في تفسيره “البحر المحيط”: قال أبو عبد الله الدراني: ثبت بالدليل أن الأرض كرة، ولا ينافي ذلك قوله تعالى (مَدَّ الأَرْضَ)، وذلك أن الأرض جسم عظيم والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان قطعة منها تشاهد كالسطح.


أما ابن طفيل العالم الفلكي المغربي الذي عاش في القرن 12 الميلادي، فقد جاء في معرض تشخيصه لهذه الظاهرة من زاوية تحليله لكروية الأرض والشمس والفَلك حولها، أنه ثبت بالبراهين القطعية كروية الأرض، ودليله على ذلك أن “الذي يستضيء من الأرض بالشمس هو أعظم من نصفها، وأن هذا النصف المضيء من الأرض في كل وقت أشد ما يكون الضوء في وسطه، لأنه أبعد المواضع من الظلمة عند محيط الدائرة، ولأنه يقابل من الشمس أجزاء أكثر، وما قرب من المحيط كان أقل ضوءًا حتى ينتهي إلى الظلمة عند محيط الدائرة”. وعزز هذا التحليل بمواقع الشمس والقمر والنجوم من الأرض؛ حيث بيّن -رحمه الله- أن الفَلك حول الأرض هو في شكل كرة، لأن ما يُرى من رجوع الشمس والقمر وسائر الكواكب إلى المشرق بعد مغيبها بالمغرب، وما يُرى أيضًا أنه تظهر للبصر على قدر واحد من العظم في حال طلوعها وتوسطها وغروبها، كل ذلك دليل على كروية مسارها. بينما لو كانت حركة هذه الأجرام حول الأرض على شكل غير كروي، لكانت في بعض الأوقات أقرب للبصر منها في وقت آخر، بحيث تكبر مقاديره في بصر الرائي فيراها في حال القرب أعظم مما يراها في حال البعد، لاختلاف أبعادها عن مركز رؤياه.
هذه التفاصيل التي جاءت بها التفاسير لمد الأرض، وهذه التصورات التي جاءت بها المفاهيم الفلكية حول كرويتها، تتوافق تمام التوافق مع ما كشفت عنه العلوم الحديثة ومع ما ينبض به منطق العقل، لأن من المستحيل أن يحصل مد لا متناه لسطحٍ ما إلا إذا كان يستدير في شكل كروي، أما إذا كان مسطّحًا انتهى المد في حافة، وهو ما لا يمكن أن يحصل في كوكب الأرض.
ولنا في موقع الأرض من الكون المثَل الواضح لتبيان هذه الحقيقة. فالتجانس الحاصل بين المجرات والذي يشكل بناء السماء، إذا أخذناه من بعد نظرية “كوبرنيك” التي نجد لها أصولاً في التصورات الفلكية لابن طفيل، والتي تُبين فلكيًّا أن الأرض تتوسط الكون، بحيث من أية جهة من الأرض نظرت إلى الكون رأيته محيطًا بك، فسنجده يعبِّر عن تماسك رائع لنسيج الكون حول محيط الأرض، كشأن خيوط العنكبوت المحبوكة حول دائرة مركزية. وهذا التشبيه لنسيج الكون بنسيج العنكبوت الذي أصبح اليوم متداولاً في التقارير العلمية لعلماء الفضاء بما يشاهدونه من مراصدهم الفلكية (Cosmic Web)، ليس بغريب عنا إذا ما أخذناه من بعده الشكلي. فقد جاء في تفسير القرطبي لقول الله تعالى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ)(الذاريات:7) أن عكرمة قال في تفسير الحبُك: ألم تر إلى النساج إذا نسج الثوب فأجاد نسجه، يقال منه حبك الثوب يحبكه حبكًا، أي أجاد نسجه.

القرآن جاء يستنهض في الإنسان همة العقل من أجل العلم بخبايا الكون.

فإذا تتبعت هذه الحبك في الكون إلى مركز النسيج، وصلت إلى مجال السماء الدنيا وهي المحيطة مباشرة بالأرض، فوجدتها زُينت بالمصابيح. فإذا أتممت المسار في اتجاه المركز، ولجت نطاق ما بين السماوات والأرض الموصوف عند الله بقوله تعالى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا)(مريم:65)، فتبيّن لك المغزى من الإشارة إلى البينية في التلميح إلى مركزية الأرض من السماوات السبع المحيطة بها. تلك البينية التي توحي بكروية الفلك حول الأرض التي تبقى بدورها كرة في مركزه.
ومما يزيد هذا المشهد وضوحًا ما جاء به كتاب الله من وصف لتوحد أقطار السماوات والأرض في الإشارة الواردة في قول الله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ)(الرحمن:33)؛ فكون كلمة أقطار توحّد ذكرها بين السماوات والأرض، فذلك يعني أن السماوات والأرض تشكل وحدة بنائية متكاملة، بحيث إذا تأملنا في هذه الكلمة، ونحن نعرف في الاصطلاح الهندسي أن القطر يعني الخط الواصل بين طرفي شكل معين مرورًا بمركزه، ثم إذا تصورنا الأقطار كخطوط تمر بمركز الأرض لتستقيم في جميع الاتجاهات السماوية المتعامدة مع سطحها، فسيبدو لنا عالم السماوات والأرض كشكل كروي تحيط فيه السماوات بالأرض حول مركز كائن في نواتها. وذلك ما يحمل الإشارة إلى مركزية الكرة الأرضية من الكون المستدير حولها.
من جهة أخرى، جاءت الإشارة إلى نقصان الأرض من أطرافها في سورتين من القرآن الكريم الأولى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)(الرعد:41)، والثانية: (أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)(الأنبياء:44)؛ وفي كلتي السورتين نجد النص القرآني يخاطب الإنسان حول مشهد نقصان الأرض بصيغة الاستفسار عن سبب عدم الرؤية له: (أَوَلَمْ يَرَوْا)(أَفَلاَ يَرَوْنَ)، للتأكيد على أن هذا المشهد غير المرئي بالرؤية المباشرة يستحق من حيث الدلالة العلمية جهدًا عقليًّا لإدراكه. فكيف يمكن إذن من خلال معطيات العلم الحديث، أن نجسد هذا المشهد ونصل إلى مغزى دلالاته حول كروية الأرض؟
جاء في الاصطلاح اللغوي أن الطرف هو منتهى الشيء، وقيل ما جاوز حد الاعتدال. وأطراف البدن هي اليدان والرجلان والرأس. ومصدر فعل “نقص” هو النقص أو النقصان، إلا أن النقصان له دلالة أدق؛ إذ يفيد القدر الذاهب من المنقوص فيقال نقصانه كذا وكذا. وذلك ما جعلني أستعمله في النص، لأن مثل هذه الظواهر المذكورة في كتاب الله، يخضع تدبيرها لدقة بالغة في التقدير يدل عليها قوله تعالى في نفس المقطع من سورة الرعد: (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ)(الرعد:8). فالأرض ككوكب كروي الشكل يسري عليها عامل النقصان على مستوى أطرافها السطحية الأكثر ابتعادًا عن جسمها، وهي الجبال التي كلما زاد ارتفاعها عن الحد إلا وأتت عليها عوامل التعرية بالنقصان.
هذا السطح الذي تستدير أطرافه حول الأرض استدارة كروية من كل الأقطار، يجعل دورة الأرض حول محورها تجري في إيقاع بديع وتوازن محكم. ولمعرفة درجة الاستدارة في كوكب الأرض، يمكن أن نشبه الأرض بقطعة حجرية، ونطبق عليها المعادلة الرياضية التي وضعها عالم الرواسب الفرنسي “Berthois”.

كروية الأرض هو الوصف الصحيح الذي أجمعت عليه الكشوف العلمية ولمحت إليه الآيات القرآنية.

هذه المعادلة تمكّن من حساب درجة اللاتماثل (Asymétrie) عن طريق قياس مسافة الخط الواصل بين قمة أعلى محدب في تلك القطعة (أ) وبين التقاطع المتعامد معه المسقوط على أقصى طرف من القطعة (ب)، ثم قسمة هذه المسافة (أب) على أكبر طول للقطعة (ط). فإذا كان الشكل كرويًّا، ستكون درجة اللاتماثل -كما هو مبين في الشكل- تساوي النصف (1/2) وهذا يعني أن الشكل متماثل:

لكن إذا افترضنا الأرض مسطّحة كما يروَّج لذلك، فلن يكون هناك تحدّب متميز يمكن اعتباره لقياس مساحة الخط (أب)، وعليه فسيتمدد هذا الخط بتمدد طول الأرض المنبسطة (ط)، ويميل إلى معادلته. وبذلك سترتفع درجة اللاتماثل لتساوي (1)، وهذا يعني أن الشكل لن يبدي أي أثر للتماثل، الشيء الذي لا ينطبق على ما وُصفت به الأرض في القرآن الكريم من صفات التماثل المرتبطة بخاصية التكوير المتجلية معالمها في تناظر الليل والنهار الوارد في قوله تعالى: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ)(الزمر:5)، وفي تزاوج المشارق والمغارب على سطح الأرض الوارد في قوله تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ)(الرحمن:17)، وما إلى ذلك من الظواهر التي تستدير على سطح الأرض بتعاقب الفصول على مر السنين والأعوام، لتضفي على ظهر الأرض تداولاً متكافئًا لها على مر الزمان وامتداد المكان، بل ولفوجئ الإنسان وهو يجول أطراف الأرض بحواف خطيرة تهوي به إلى فضاء سحيق.

أما إذا انطلقنا من مبدأ كروية الأرض وهو الوصف الصحيح الذي أجمعت عليه الكشوف العلمية ولمّحت إليه الآيات القرآنية، فإن خاصية التماثل الكروي ستتجلى لنا من جميع الاتجاهات، بحيث إن أي جهة رصدناها من الأرض، سنجدها تتماثل مع الجهة المعاكسة لها. فإذا تم هذا المشهد، تساوت مسافة (أب) مع نصف طول الأرض (ط\2)، فصارت درجة اللاتماثل في الأرض تساوي النصف (1\2) الذي يعني منتهى الكمال في التماثل الكروي كما يبين الشكل.
فلا يمكن إذن أن يصير التماثل كاملاً في الأرض ما لم تتساوى فيها الأطراف حول محور معين، ذلك هو محور الدوران الذي يضمن للأرض حركتها اللولبية المتوازنة. فإذا زاد أي طرف من الأرض عن حده من هذا المحور، أتت عليه العوامل الخارجية بالإنهاك أي البري، وهو النقصان الذي أشارت إليه الآيتان.
ولتأكيد هذا المعنى، سنقف على المشهد من خلال معالجته من زاوية حركية الأرض، فمدلول كلمة “أطراف” كما سبق ذكره، هو منتهى الشيء. وفي الاستعمال القرآني قد يراد به الجبال كما يظهر من خلال تفسير القرطبي لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اْلأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا)(الملك 15)، حيث قال رحمه الله: أي “في أطرافها”، وأضاف أن ابن عباس وقتادة وبشير بن كعب قالوا “في جبالها”. إذن المعنى هنا يُحمل على قمم الجبال باعتبارها الأطراف المتمادية في الابتعاد عن جسم الأرض.
ولتجسيد هذه الظاهرة يمكن أن نشبه المشهد بعملية احتكاك تحصل لأية قطعة حجرية تدور في حركة لولبية بمحاذاة جسم خارجي حاد، فهي لا بد أن تتآكل من أطرافها وتميل إلى الاستدارة. ولمعرفة درجة تآكل أطراف القطعة، يمكن استخراج درجة البري المطبق على أطرافها (Degré d’émoussé) عن طريق قسمة ضعف شعاع أصغر دائرة تشكلها محدبات أطراف القطعة في اتجاه الطول (ش)، على طول أكبر خط مستقيم يصل بين طرفي تلك القطعة (ط)، كما بيّن ذلك Berthois.
وهذا يعني أن شكل القطعة سيصير أكثر كروية كلما تساوت أطرافه حول مركزه، أي اقترب ضعف الشعاع وهو القطر من الطول. فإذا تساوى قطر الشكل مع طوله في جميع الاتجاهات، تمت كرويته كما هو مبين في الشكل. بينما يبتعد عن التكوير كلما تباعدت أطراف منه عن مركزه، وشكلت تحدبات منزوية تختلف أقطارها عن طول الشكل. وذلك ما لا يمكن أن يحصل في شكل الأرض، لأن نتوءاتها الجبلية ما أن تنزوي في أطراف معينة من الأرض وترفع قممها، حتى تأتي عليها مؤثرات السماء بالنقصان، فلا تخرج الأرض عن إطار شكلها الكروي.

(*) كلية العلوم، جامعة ابن طفيل / المغرب.

 

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.