دائمًا ما ربط الإنسان العصر الذي يعيشه بمسميات عكست أبرز ما كان يدور في تلك الأيام، فعرفنا مسميات كالعصر الحجري أو العصر البرونزي، وأحيانا أخرى كان الإنسان يربط العصر الذي يعيش فيه بمكان وزمان معينين مثل (عصر الأيمان وعصر النهضة) في القارة الأوروبية على سبيل المثال، وإذا كان هناك أسم يستحق أن نطلقه على العصر الذي نعيش فيه الآن، فأن أجدر الأسماء بذلك هو (عصر الإنترنت)، الإنترنت الذي تخطي المكان ووفر الزمان.

الإنترنت اليوم قد يمكنك من فعل أي شيء ترغب فيه، بداية من تسوق أي نوع من البضائع، وحتى الحصول على خدمات كحجز غرفة في فندق أو مقعد على طائرة أو قطار، ولم تنتظر الحكومات والشركات طويلاً حتى استخدمته هي الأخرى في أداء وظائفها حتى وصل الأمر لتبادل الرسائل عالية السرية من خلال الإنترنت، وفي العقد الفائت -أول عقود القرن الحادي والعشرين- شهد العالم الميلاد والانطلاق الصاروخي لما صار يعرف باسم (شبكات التواصل الاجتماعي).

باختصار، أصبحنا فعليا أمام (مجتمع الكتروني)، ومن بين شوارع وأزقة هذا المجتمع خرجت لنا جرائم جديدة مثل “انتهاك الخصوصية، سرقة الحسابات البنكية، احتكار بعض الشركات للخدمات والمنتجات، التهرب الضريبي ….”، ومن ناحية أخرى نجحت جماعات إرهابية مثل تنظيم داعش في استغلال الإنترنت بشكل هائل عبر تجنيد المقاتلين ونشر الفيديوهات الدعائية له وكذلك في الحصول على جزء هام من تمويله عبر عمليات سرقة للحسابات البنكية أو حتى تبرع من بعض الأثرياء أو الحكومات المتماشين مع فكر التنظيم الإرهابي.

بحر الإنترنت

وفقا لتقديرات بلغ عدد مستخدمين الإنترنت في العالم العربي ما يناهز 110 مليون مستخدم من أصل 340 مليون هم عدد سكان الوطن العربي، وتحتل مصر المرتبة الأولي من حيث عدد المستخدمين، بينما الصومال هي الأقل عددا.

أما الصين فلقد تخطي فيها الرقم سبعمائة مليون مستخدم للإنترنت، أي أكثر من ستة أضعاف المستخدمين في كل الدول العربية، وهو ما يجعل مسألة إبقاء الإنترنت أكثر آمنا وإبعاد المجرمين والعابثين عنه مسألة في غاية الصعوبة، لكن الدولة صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم لا تملك في الوقت ذاته رفاهية ترك الباب مفتوحًا لعصابات الإنترنت، ليصبح قادة الصين من الجيل الجديد كما وصفهم المستشار الراحل وحكيم الدبلوماسية الألمانية (هلموت شميت) أمام تحدي من نوع فريد.

مكافحة انتهاك الخصوصية 

والمثال الأبرز على ذلك هو شركات التكنولوجيا العملاقة مثل (فيسبوك و جوجل) فعندما يقوم الشخص مثلا بنشر أي شيء على فيسبوك أو تويتر أو أي وسيلة أخرى من وسائل التواصل الاجتماعي، أو عندما يقوم بعملية بحث على شبكة الإنترنت عبر محرك البحث جوجل، وكذلك عندما نقوم بطلب منتجات أو شراء أفلام من مواقع مثل أمازون، فهذه البيانات والتي نعتقد أنها لا تهم أحد تمثل قيمة كبيرة بالنسبة لهذه الشركات حيث تقوم بجمعها وتستخدمها عبر مجموعة واسعة من الطرق من بينها الترويج للمنتجات أو الخدمات أو تقديم الإعلانات المناسبة لاهتمامات الأفراد، اعتمادًا على نشاطهم الذي جمعوا معلوماته كما سبق الذكر.

هكذا الأمر بكل بساطة، معلوماتك تباع وأنت لا تدري أي شيء عن ذلك، الأخطر من هذا أن بعض “اتفاقيات الاستخدام” والتي يفترض أن يوافق الشخص عليها قبل استخدام البرنامج أو الخدمة التي تقدمها تلك الشركات، تنص في غالبية الأحيان على إمكانية أن يتم استخدام المعلومات الخاصة بالمستخدمين فيما بعد، أي أنك توافق على هذا البيع لبياناتك، والمشكلة أن الناس توافق لأنه ليس لديهم حل آخر، بل إن الكثيرين يوافقون على هذه الاتفاقيات دون أن يكلفو أنفسهم عناء قراءتها، وحتى لو قرأتها أيها القارئ الكريم فربما لن يختلف الأمر كثيرًا، فجوجل تقول في الفقرة الثانية من البند الثالث لاتفاقية استخدام متصفحها (جوجل كروم) أنه لو كان هناك اختلاف بين هذه الترجمة والنص الانجليزي الأصلي فستكون الأولوية للإصدار الانجليزي.

وفي عصر الإنترنت قد تصاب بالصدمة حينما تعلم أن شركة عملاقة مثل جوجل على سبيل المثال نصت في اتفاقية الاستخدام الخاصة بها أنها ستجمع بيانات حول (الفيديوهات والإعلانات التي تشاهدها، وطراز حاسوبك الشخصي ونظام التشغيل الذي تستعمله وأي عطل قد يصيبه، بل ورقم هاتفك والمكالمات التي تجريها ومدة كل مكالمة، وكذلك ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” التي تحدد لهم كل المواقع التي تقوم بزيارتها بالتفصيل)، وسيكون متاح للمشرف على النطاق الجغرافي الذي تتبعه في شركة جوجل أن يطلع على الإحصاءات الخاصة بك، بل والاحتفاظ بمعلوماتك الشخصية، وقد يتم تقييد أمكانية قدرتك على حذف جزء من هذه المعلومات، ويقدمون أيضا للشركات التابعة لهم أو لأي شركة أخري معلوماتك الشخصية لمعالجتها، قد يصعب عليك تصديق كل ذلك ولكن كل ما عليك فقط أن تبحث في (الخصوصية والبنود) في متصفح كروم الشهير التابع لشركة جوجل.

الرئيس الصيني (شي جين بينغ) ألتفت إلي هذه القضية وأكد في أحد خطاباته: (أنه بدون أمن للإنترنت لا أمن للدولة، وبدون المعلوماتية لا تحديث لها)، ومن هنا نجد أن وجهة النظر الصينية الرسمية ترى أهمية استخدام الإنترنت، ولكنها تعي في الوقت ذاته أهمية تأمين ذلك الاستخدام، شركة جوجل مثلاً تم منعها من العمل في الصين منذ مارس 2010، وهناك مباحثات شاقة لوضع أسس خاصة للعمل في السوق الصينية إن أرادت الشركة الأمريكية العودة للعمل فيه.

لم يكن قرار الصين بإبعاد جوجل ليمر دون حملة إعلامية غربية شرسة عليها، تنوعت فيها الاتهامات الموجهة إلي بكين، ومن بينها ذلك الاتهام الكلاسيكي الخالد بمحاولة التضييق على الشركات الأمريكية، إلا أن الحكومة هناك ردت أن دافعها الأساسي هو حرصها على أمن الإنترنت لمواطنيها كجزء من أمنها القومي، وتم وضع شرط أساسي لعودة جوجل للعمل يتمثل في قبولها أن تطلع الحكومة الصينية على المعلومات التي تجمعها عن مواطنيها والرقابة التي تجريها عليهم ولا تنقل بيانات المواطنين الصينيين إلا بإشراف من الحكومة الصينية.

والصين في هذه القضية لم يكن هدفها التصيد لجوجل، فنفس هذا الدافع المحرك للصين هو الذي حدا بمحكمة (العدل الأوروبية) لإصدار حكمها في أكتوبر عام 2015 بوقف تدفق بيانات المستخدمين الأوروبيين إلى أمريكا لأن القوانين يجب أن تأخذ في اعتبارها عدم المساس بجوهر الحق الأساسي في احترام الحياة الخاصة للمواطنين، الفارق الوحيد أن الصين انتبهت لهذه القضية قبل أوروبا بخمسة أعوام فقط، وستلتزم الحكومات الأوروبية بحكم المحكمة الأعلى في أوروبا والتي لا يجوز نقض أحكامها.

في الوقت ذاته فإن تخلي الصين عن جوجل لا يعني أنها تعيش بدون إنترنت فلدى التنين محرك البحث الصيني العملاق (بايدو) أنه ذلك المحرك الذي تقول عنه الشركة الصينية التي طورته أنه يوفر العديد من المميزات لمستخدميه منها برنامج مجاني لمكافحة الفيروسات حاصل على تسعة جوائز عالمية في مجال مكافحة الفيروسات والتي قد يكون منها برامج للتجسس، كما يوفر المتصفح عند استعماله لمستخدميه حماية عالية لخصوصيتهم حيث يقدم لهم أمكانية الحماية ضد تسجيل ما يكتبونه على لوحة المفاتيح Anti-key logger protection ، وحماية كاميرا الويب خاصتهم Webcam protection  وكذا حماية الصور الملتقطة من الشاشةScreen Capture Protection .

الميزة الأساسية في بايدو هي (اتفاقية الاستخدام) التي ومع احتوائها على فقرة تتيح للشركة جمع معلومات المستخدمين على غرار جوجل، إلا أن نفس هذه الفقرة تحمل تعهدًا من الشركة بعدم إفشاء هذه المعلومات أو تقديمها إلى أي طرف ثالث، كل ما في الأمر هو استخدامها لتحسين الخدمة المقدمة، وبالتالي يلتزم العملاق الصيني في مجال الإنترنت بأن لا يطرح معلوماتكم الشخصية لشركات الإعلان مقابل الأموال، وهكذا يبدو البايدو موفرًا لخصوصية أفضل من الجوجل.

والحرب على الجريمة المنظمة تشمل جرائم الإنترنت

تتميز الرؤية الصينية لمكافحة الجريمة المنظمة بشكل عام والجريمة الإرهابية بشكل خاص بالكثير من النقاط، فأولاً ترى الصين أن العالم بأسره مدعو للتكاتف لمواجهة تلك الظاهرة المميتة، وثانيًا: تتربص الأجهزة الرسمية الصينية وتقعد كل مقعد يخولها مواجهة أكثر فعالية ضد تلك الجماعات، فهي ترصد وتراقب التكتيكات التي تستخدمها تلك الجماعات وتعمل على مواجهتها.

ومن أبرز ساحات المواجهة تلك (ساحة الإنترنت) التي تستخدمها الجماعات المتطرفة للدعوة لأنشطتها، أو لتجنيد أفراد جدد، أو حتى للتواصل وتبادل المعلومات والبيانات التي تستخدم فيما بعد في تنفيذ أنشطتها الإجرامية.

كانت الصين قد رفعت درجة تعاونها مع دول مجموعة آسيان في مكافحة الجرائم الإرهابية، والجرائم العابرة للحدود، تعاونًا يشمل مراقبة أنشطة تلك الجماعات على شبكة الإنترنت، وأتمت الدول اتفاقها أيضًا بتتبع عصابات تهريب البشر وكذلك المخدرات.

الإنتربول كذلك يشيد بمساعدات الصين في مكافحة جرائم التصيد الإلكتروني و المكالمات الهاتفية الاحتيالية وأن ذلك أوقع بعشرين مجرمًا وتم تحديد الكثير من رؤساء عصابات الجريمة المنظمة في عام 2014 فقط، وفي الفترة من 2007 – 2010 شاركت الصين في ثلاث عمليات كبيرة لمكافحة المراهنات الغير مشروعة في لعبة كرة القدم أسفرت عن اعتقال أكثر من 7 آلاف شخص ومصادرة أكثر من 26 مليون دولار، لقد قدمت الصين هدية لعشاق اللعبة الشعبية الأولي حول العالم في مشاهدة منافسات عادلة.

من زاوية أخري، سبقت الصين العديد من الدول العربية في إصدار تشريع (قانون الأمن الوطني) والذي حمل بين مواده الكثير من النقاط الخاصة بتتبع الإرهابيين عبر الإنترنت. والقانون الصيني نص على “الوقاية من ومعاقبة الهجوم على الإنترنت، وسرقة الأسرار عبر الإنترنت، و نشر المعلومات الكاذبة لحماية سلامة وسيادة الوطن على الإنترنت ومصالحه للتنمية”، وكلها مصالح مشروعة لكل دول العالم، تقول الحكومة الصينية أنه قد سالت دماء الأبرياء في حوادث طعن وحادثة محطة القطارات في شينجيانغ. تحقيقات الشرطة الصينية في تلك الحوادث أشارت إلي أن التخطيط لها تم باستخدام شبكة الإنترنت.

وتعد باريس هي المثال الأبرز في أوروبا على تلك الظاهرة التي أطلق عليها (الذئاب المنفردة) ودفعت ثمنها أكثر من 120 قتيلاً في ليلة دامية لن تنساها، ولا حل آخر سوي مراقبة النشاطات المشبوهة على الإنترنت، وخصوصا المواقع والمنتديات التي يتواصل من خلالها هؤلاء المجرمين.

التهرب الضريبي

الضرائب كما هو معروف عالميًا هي أموال تقوم بتحصيلها الحكومة لتوجيهها فيما بعد للمشاريع والخدمات التي يحتاجها الشعب، وكما هو معروف أيضًا تحاول بعض الشركات التهرب من دفع تلك الضرائب، ومهمة أجهزة أنفاذ القانون التصدي لذلك واستعادة الأموال المستحقة للشعب.

لقد دأبت بعض شركات التكنولوجيا على وجه الخصوص على التهرب من تلك الضرائب، مستغلة نقطة صعوبة التدقيق المالي في إرباحها، وبالتالي تحديد المبالغ المستحقة فعلاً للضرائب، والحكومات في الجهة المقابلة تسعى خلفها حثيثًا، الصينيين والأوروبيين مثالين يحتذي بهم لكل حكومة واعية تريد أن تحصل على أموال شعبها من هذه الشركات.