إن من أركان الإسلام، ومحاضنه الإيمانية والتربوية شهر رمضان، فهو شهر يتوالى كل عام ليزيد الإيمان، ويُجمل الأبدان، ويشحذ النفوس، ويُعلي الهمم، ويرفع الدرجات، ويقوي المجتمعات، وتتحقق فيه الانتصارات، وتتوالي دروسه المستفادة المتجددة علي كر الأعوام. ولقد شرُف شهر رمضان بنزول القرآن كتاب الله الخاتم الخالد هداية للبشرية جمعاء، وتبيانًا وافيًّا شاملاً كاملاً لمراد الله تعالى من الخلق، وتعريفًا لهم بغاياتهم وشرعتهم ومنهجهم ومآلاتهم ومصيرهم.

وإذا كان الصوم في جوهره: إمساك وتوقف وركود وصمت، وشرعًا: الإمساك عن المفطرات من طعام وشراب وجماع واجتناب المحظورات والمحرمات، مع اقتران النية لله تعالى من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فهو عبادة وقد كتبت على أهل الملل السابقة، في ظاهرها منع وسلب وأخذ لكنها تثمر عطاءات إيجابية كثيرة، عطاءات لمن شهد من يسر وتيسير وتكبير لله.

ليس شأن هذه المدرسة الإيمانية التربوية السلب والمنع، بل البذل والعطاء، إنه وسيلة لغايات كبري، إنه التدريب علي السيادة والقيادة، قيادة النفس وضبط زمامها، وكفها عن أهوائها ونزواتها، والتسامي بهذه القيادة إلى أعلى مراتبها.

ويُستهل الشهر الكريم بالإقلاع عن كل ظلم، والتوبة والإنابة من كل إثم، فالتوبة واجبة في كل وقت وحين، خطوة بالتنزه والتطهر، تُتبع بخطوة التجمل والتكمل، والبناء والإنشاء، والتحلية لنكون أهلا للهدى والرحمات. ويُستقبل الشهر الكريم بنية خالصة لله تعالى، فالصوم عبادة قوامها الإخلاص والإعتياد على ذلك في كل قول وفعل: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه” (رواه البخاري ومسلم).

وفي مدرسة رمضان نتعلم الصبر وقوة الإرادة والتحمل، والبعد عن آسر العادات، والمجاهدة وعلو الهمم والعزائم والتضحية بالرغائب والمشتهيات، والتجافي عن متع الجسد والملذات رغبة في مثوبة الله.

وفي رمضان يتنافس المتنافسون ويتباري المتبارون علي طريق التقوي، فتكثر فيه الطاعات، والحرص على قيام الليل وقراءة القرآن وتدبره، والإكثار من ذكر الله واستغفاره، ففي الترمذي أن رجلاً قال يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي وأنا قد كبرت فأخبرني بشيء أتشبث به قال: “لايزال لسانك رطبا بذكر الله تعالى”. وفيه اجتهاد للتعرض لنفحات الله في هذا الشهر الكريم، مثل التماس ليلة القدر، واعتكاف العشرة الأواخر منه.

وفيه كفّ فيه عن المحرمات والمنهيات، فيه غض البصر، وكف السمع، وحفظ اللسان والنفوس والأبدان من منافذ الشهوات، وسد ذرائع الشبهات، ومن انتصر على نفسه انتصر علي عدوه. لذا فلا غرو أن تحدث معظم انتصارات المسلمين الحاسمة في رمضان بدء بـ “بدر” الكبري، ونهاية بحرب العاشر من رمضان 1973م.

إن في رمضان عبادة ذات شقين، أحدهما يؤدي للآخر. ففي شقه الأول: كف وإنتهاء وابتعاد وأجتناب وأخذ،  لكنه في شقه الثاني: إقبال واقتراب، وإنشاء وبناء وعطاء.

ولا شك أنه شهر الكرم والجود، والتواصل والتكافل، شهر تعم الرحمة فيه قلوب المؤمنين، فيحسن غنيهم إلى فقيرهم، ويدعو فقيرهم لغنيهم. فمن ذاق ألم الحرمان عرف حلاوة البذل والعطاء، والشكر العملي لنعم الله عليه. فالصيام يحث على إطعام الجائع، وإعطاء المسكين، وإتحاف الفقير، ففيه يكثر الإنفاق والتصدق والجود.. زرافات ووحدانا. وهو موسم للمتصدقين وفرصة سانحة للباذلين والمعطين.

فما أحوجنا إلى أن نتلمس هديه وأخلاقه في كل وقت وفي هذا الشهر على وجه الخصوص، فقد كان الجود أعظم أخلاقه، وكان متصفا بجميع أنواعه، من الجود بالعلم والجود بالمال والجود بالنفس في سبيل الله تعالى. واقتداء برسولنا الأكرم، صلى الله عليه وسلم حرص السلف – رحمهم الله – على زيادة البذل والإنفاق وخصوصاً تفطير الصائمين. وكان كثير منهم يواسون الفقراء بإفطارهم، وربما آثروهم به على أنفسهم. فكان “ابن عمر” رضي الله عنه يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين. فإذا منعه أهله عنهم لم يتعش تلك الليلة. وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام وقام فأعطاه السائل فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة فيصبح صائماً ولم يأكل شيئاً.

ولما تصفو النفوس وتصحّ الأبدان، وسط عطاءات مدرسة رمضان، تلهم الدعوات المخلصات التي هي أحري بالقبول من رب الأرض والسماوات، فالابتهال الابتهال إلى الله تعالى، وسؤاله الجنة، والتعوذ به من النار. ولقد بشر الرسول صلى الله عليه وسلم من صام نهار رمضان وقام ليله، إيمانًا ‏واحتسابًا، بغفران ما تقدم من ذنبه. ومغفرة الذنوب مدعاة وسبب للعتق من النار ودخول الجنة، وهذا هو العطاء والفوز العظيم.

فشهر رمضان مدرسة جامعة للعديد من العطاءات والفيوضات من رب الأرض والسماوات، وليس شأن هذه المدرسة الإيمانية التربوية السلب والمنع، بل البذل والعطاء، إنه وسيلة لغايات كبري. إنه التدريب علي السيادة والقيادة، قيادة النفس وضبط زمامها، وكفها عن أهوائها ونزواتها، والتسامي بهذه القيادة إلى أعلى مراتبها. إنه لصبر يجر إلي صبر، ونصر يقود إلي نصر.

إن في رمضان عبادة ذات شقين، أحدهما يؤدي للآخر. ففي شقه الأول: كف وإنتهاء وابتعاد وأجتناب وأخذ،  لكنه في شقه الثاني: إقبال واقتراب، وإنشاء وبناء وعطاء، وما أقدر السائرين في هذه القافلة المباركة علي ان يضاعفوا جهودهم، ويستحثوا مطاياهم وركائبهم ليزدادوا اقترابًا من فيوض العطاءات، وسيول الخيرات.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.