الكلمة(1) سلطة وقوة… الكلمة فعل ومفعول، أثر وتأثير… الكلمة مفرد على الحقيقية، لكنها جمع على المجاز لدلالتها على متعدد، إذ من الكلمة يتكون الكلام المفيد الدال على معنى، الكلمة فعل واسم وحرف… فهي حدث وشيء وسمة هذا الشيء، وهي رابط وواصل، وبالكلمة نصل ونتواصل، نفهم الماضي ونعي الحاضر ونبني المستقبل.

عالم الكلام عالم عجيب، متى أُعطي الإنسان زمامه وتحصل ناصيته وانكشفت له أسراره ومسالك تصريفه وصياغته، فتح القلوب وشد العقول واكتسح الأرواح.

الكلمة مفتاح أسرار الوجود

الكلمة قوة خارقة، بمفعولها خلق الله الوجود كله، بل هو يعيد -جل وعلا- الخلق في كل وقت وحين… فـ”كن” التي خلق بها الله تبارك وتعالى كل شيء كانت مرة واحدة، لكنها ما تزال سارية المفعول إلى ما شاء الله… وبالكلمة والكلام قدر الله تعالى على الإنسان التفاعل مع الوجود، ومعانقة حقيقة الخالق ومخلوقاته. وكلمة “اقرأ” هي أول ما لقنه جبريل عليه السلام بأمر الله تبارك وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ففِعْل القراءة “كلمة”، لكنها كلمة ذات امتداد واسع في الزمان والمكان وفي الدلالة والمدلول. فقد قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هذا الأمر كل شيء، واستوعب بُعدَ القراءة ومفهومَها؛ لقد قرأ الوجود وأدرك حقيقته واستوعب دلالته كما استوعب كل الأنبياء والرسل ذلك قبله، لكنه حصَّل صلى الله عليه وسلم كل ما استوعبوه ووعته أرواحهم الصافية النقية. لكن صفاء روح الرسول صلى الله عليه وسلم تتقدم بمسافات عليهم جميعًا، لأنها المحضن الذي اختاره الله تبارك وتعلى لاستقبال بيانه الختامي. وسيرته صلى الله عليه وسلم أكبر دليل على أنه اختير اختيارًا من أجل تلقي هذا البيان، الذي يمثله خطابه في القرآن الكريم، وتشهد عليه تفاصيل الوجود كله.

قال الله تبارك وتعالى “كن” فكان الوجود كله، واكتسبت كل المخلوقات بفعل “كن” بيانًا عظيمًا يجلي عظمة من خلق وعظمة من قال: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. ولذلك فهذا الوجود الجميل الرائع الصنعة الدقيق الإبداع، يعبر ببيانه عن كثير من أسماء الله الحسنى التي تجلى من خلالها على الوجود. فبيان الموجودات ومنطقها، تعبير عن قوة وعظمة المتجلي بقدرته على الوجود، بل هو بيان يعكس جزءًا يسيرًا من البيان المطلق الذي هو انعكاس أسمائه الحسنى.

“البيان” كما يعرفه الأستاذ فتح الله كولن، هو روح كتاب الكون ومضمونه ولونه وأسلوبه، وهو قانون المخلوقات المتفاعلة في الكون، وهو كذلك ختم الحقيقة الإسلامية وسلطتها. فـ”البيان” بهذا المعنى، منهج يدرك به الإنسان -باعتباره أرقى مخلوقات الله تبارك وتعالى- عظمة مصدر القدرة المطلقة، ووسيلة لمعرفة الخالق والسير إليه تعالى. فإدراك البيان في أصله وحقيقته، هو إدراك الوجود في كل تفاصيله الكلية والدقيقة، وهو الوعي بمكان الإنسان في النظام المتوازن الذي صب الله فيه الوجود.

والبيان كذلك قوة كبيرة وسلطة تؤجج القلوب وترفع مستوى قابليتها وقدرتها على الفعل؛ فقد تكون الهمم حاضرة موجودة، لكنها إذا لم تجد الفاعلية التي تحرك كيانها من الجذور، فستظل في حالة من الكمون والانتظار الطويل، ولذلك اعتبر البيان محركًا فعالاً يبعث الأموات وينفخ الحياة وينشر الدفء.

يدرك أهل الإبداع والبيان على الحقيقة لزومًا، بأنهم مهما وصلوا ومهما ارتقوا في دائرة البيان، فهم مجرد دالين يدلون بوسائلهم المحدودة على البيان المطلق ويعبرون بوسائله وأدواته عليه، فهم يعرفونه لغيرهم ممن لم يفتح الله عليهم بإدراك بعض جوانبه. ولهذا كان أهل الفن والأدب وأرباب الكلمة، ملزمين بالاسترشاد ببيان صاحب البيان، وملزمين بالدلالة عليه والإرشاد إليه، أما غيرهم فهم الغاوون ولا يتبعهم سوى الغاوين.

عجز أرباب البيان

كان العرب قبل نزول الوحي، أرباب البيان واللغة والشعر وفنون القول من خطابة وسجع وغيرها… وكانت لهم قدرة كبيرة على إدراك جمال البيان، وتبيين مكامن دقة التعبير وسمو اللفظ ورشاقة العبارة… ولذلك فإن أول ما بهرهم في القرآن الكريم هو مطلق بيانه، بالإضافة إلى وضوح الحجة وعقلانية الفكرة ومنطقها… وفي لحظة وجيزة ألفُوا أنفسهم -وهم أرباب البيان وأهله وأصحاب القول الفصل فيه- عاجزين عن منافسته والإتيان بمثله. لقد بهرهم القرآن الكريم ببيانه وتفوق بمسافات لا تحسب على بيانهم، تجاوزهم القرآن الكريم وتركهم خلفه يلهثون، وتجاوز الصورة المثالية التي ظلت دهرًا طويلاً منقوشة في ذهنهم على أنها النموذج المثالي للقول وقوة العبارة، فاقتنعت العقول بأن مصدر البيان القرآني ليس من بشر يساويهم في القدرة الذهنية والبيانية، بل هو من مصدر آخر، وأدرك أهل النفوس الطيبة بأن صاحب البيان الذي وجدوه في خطاب القرآن الكريم، ذو قدرة خارقة على البيان، وأنه هو الله تبارك وتعالى. كان الناس على عمومهم يعرفون الله لكنهم أشركوا معه آلهة توهموها، وأبطلوا مع مرور الزمن ربوبيته، لكن خطاب القرآن المبين، فتح قلوب العديد منهم فآمنوا وأعلنوا عبوديتهم لله تبارك وتعالى وسلموا بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم. وأما إصرار البعض على إنكار حقيقة البيان الظاهر، فلم يكن ليغطي على من آمن بمجرد سماع بضع آيات منه أو سور منه كما وقع مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقصة إسلامه مشهورة تذكرها كتب السير والمناقب وكتب النقد.

إن رد فعل القلوب والعقول الطيبة المتوازنة العادلة الصادقة، هو الاعتراف بأن مصدر البيان القرآني، لا يمكن أن يصدر عن بشر وإن كان هذا البشر يستطيع فهم معانيه وإدراك مراميه، لقد أدرك هؤلاء أنه ليس من محمد صلى الله عليه وسلم.

كان العرب قبل نزول القرآن الكريم يفسرون الإبداع والأدبية(2) تفسيرًا خاصًّا، فربطوا السجع بالكهانة -والكهنة فئة اجتماعية ادعت قدرة خارقة كمعرفة المستقبل والاتصال بعوالم غائبة- وقالوا إن لكل شاعر شيطان يوحي إليه الشعر ويعينه على الإبداع والتفوق الفني والأدبي، وسموا بعض شياطين الشعر هؤلاء، بل ارتبط أغلب فحول الشعراء بأسماء شياطين بعينهم ذكر “أبو زيد القرشي” بضعًا منهم في “جمهرة أشعار العرب”. فالتفوق في القول والإبداع قد ارتبط في ذهن أهل الجزيرة العربية بقوى خارقة، لكنها مع نزول القرآن الكريم ستأخذ بُعدًا جديدًا وهو الاقتناع بأن البيان الحقيقي هو من الله تبارك وتعالى، وكل البشر عاجزون عن محاكاة البيان الإلهي والإتيان بمثله.

مدارات البيان في القرآن الكريم

إن مدار البيان القرآني لا يميل في عمومه عن بسط مختلف مقومات العبودية لله تبارك وتعالى، والدلالة على مخلوقاته التي هي بوجه من الوجوه بعض عناصر “البيان”، وكأن البيان متفرع إلى مظهرين:

• مظهر شهودي تقوم فيه الموجودات وتناسقها ببيان الوجه الأخر للبيان الكلي، الذي يعتبر الرسل الكرام عليهم السلام مرشدين إليه ودالين عليه، والذي يعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم رائد الرسل جميعًا وإمامهم فيه.

• ومظهر لغوي تؤدي فيه الكلمة مهمة أساسية، ويقوم فيه إحكام النظم بدور حيوي، لتتجلى بذلك معالم البيان المتمثلة في حسن اختيار اللفظ ودقة التماس العبارة المناسبة للمقام المناسب وترتيب اللفظ وفق حاجة الدلالة. وإذا كان لكل مقام مقال كما يقال، فإن البيان القرآني هو النموذج المثال لهذه الحقيقة التواصلية.

ونظرًا لعظمة البيان القرآني وجلائه، التف الناس جميعًا تحت لواء التوحيد ودخلوا في الإسلام أفواجًا، وعرف الذهن تحولاً كبيرًا فانطلق متأملاً الخطاب القرآني وبيانه، فاستخلص علمًا من أجل العلوم وأقدمها في تاريخ حركة الإبداع الإسلامي، وهو علم الإعجاز الذي يهتم بالبيان باعتباره سبيلاً من سبل المعرفة، ومنهجًا يؤدي إلى معرفة أصل البيان جل وعلا.

سلطة “البيان” وقوته لا حدود لهما، لأن هذا “البيان” يمد الجماد بالحياة، ويحرك الأحياء ويأسر الجموع بقوة تأثيره، ويدفعهم إلى أقصى حدود طاقتهم كما يقول الأستاذ فتح الله كولن. ولنا في التاريخ نماذج خطابية حركت الجموع ودفعتهم إلى أقصى حدود طاقتهم… فهذا طارق بن زياد وقد عبر من إفريقيا في شمال المغرب إلى الضفة الأخرى حيث القارة الأوربية فاتحًا، فخطب في مَن معه -بعد أن أقدم على حرق السفن التي عبرت المضيق- خطبة سجلها التاريخ وكتبها النقد والأدب بمداد الفخر، باعتبارها خطبة حركت القلوب وشحنت الهمم.

لا شك أن الخطبة وكلماتها قد كانت سببًا من أسباب زرع التوحيد في هذه المناطق من أرض الله تبارك وتعالى، فقد سُخّر البيان ليكون قوة تصنع المستحيل، وتعرف بالبيان الذي بني الوجود كله على أساسه… فالذي مكّن طارق بن زياد وهداه إلى ما هداه إليه، هو الروح الصادقة المتفاعلة مع البيان الكلي، إذ عَبَرتْ من خلاله إلى كل القلوب… ولا ندري من كان يخطب، أهو طارق بن زياد أم هو صاحب البيان، أنطق طارق بن زياد فعبّر بالبيان عن البيان، وعبَر بالبيان إلى القلوب والأرواح؟!

إن الكلمة باعتبارها الوحدة القياسية الصغرى التي يقاس بها البيان، لا تحدث تأثيرها ولا تحقق مفعولها إلا عندما توحد قبلتها جهة البيان المطلق وتسخر نفسها في دائرته، ولابن عربي كلام جميل يشخص فيه البعد الروحي للكلمة حين يقول:

“قال الحق للكلمة:

أنت مربوبي وأنا ربك.

أعطيتك أسمائي وصفاتي:

فمن رآك رآني،

ومن أعطاك أعطاني،

ومن جهلك جهلني،

فغاية من هم دونك،

أن يتوصلوا إلى معرفة نفوسهم منك.

وغاية معرفتهم بك،

العلم بوجودك، لا بكيفيتك.”(3)

إن الكلمة مخلوق من مخلوقاته تعالى، بها ترجم قدرته المطلقة، وبها وصف أسماءه التي تجلى بها على الوجود، ولذلك فإن إدراك حقيقة الكلمة، هو إدراك لهذه القدرة المطلقة، فلقد شاءت إرادته تعالى أن تكون الكلمة وسيلة إنطاق المخلوقات، بما في ذلك الذات الموظفة للكلمة. بعبارة أخرى، فقد خلق الله الوجود كله بكلمة، وبالكلمة تتمكن كل هذه الموجودات من أن تبين بما في ذلك الإنسان ذاته، ولذلك فإن البيان هو روح الكلمة، باعتبارها سبيلاً من سبل الاعتراف بالربوبية.

خلق الله الوجود بعلمه وخط هندسته بكلماته، واختص الإنسان دون سائر المخلوقات بنعمة الكلام ونعمة البيان والإفصاح عما في داخله وما يريده، إذ إن أول ما علمه الله تبارك وتعالى لهذا الإنسان بعد صنعه له ونفخه الروح فيه هو الأسماء، يقول تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾(البقرة:31)، فنفْخ الروح يمثل الاستعداد المعنوي لتلقي علم الأسماء ومعرفتها.

يبين الأستاذ فتح الله كولن، أن الإنسان خليط من تراب وماء، وأنه مستودع العلم والمؤتمن عليه، ولكونه يملك القدرة على البيان، فقد ربي في سلطنته على الأرض، أي على التراب الذي خلق منه، ولذلك فإن الكائن الإنساني يملك القدرة على الحديث ليس باسمه فحسب، بل باسم جميع الكائنات، إذ بفضل نعمة البيان صار هذا الإنسان مخلوقًا يتوجه إليه الخالق، كما يتوجه هو (أي الإنسان) إلى الله تبارك وتعالى، وبالبيان استطاع هذا الإنسان التعبير والإفصاح، وبتعبيره تمكنت الموجودات هي الأخرى أن تبين، وهي التي كانت قبل ذلك صامتة.

فقبل البيان الذي عُلّمه الإنسان كانت الكائنات صماء بكماء جامدة ولا أحد يستطيع معرفة كيفية كانت تبين، لكن المعروف هو أن الإنسان قد استطاع بنعمة البيان فهم وتأويل ونقل بيان كل الموجودات الأخرى، فكل كائن في هذا الوجود نموذج يتكلم، لكن لكل كائن أسلوب ميزه الله به، هو كلامه. والكلام وسيلة تتيح معرفة الحقيقة المطلقة التي هي حقيقة الخلق، إذ يصير كل شيء كآلة موسيقية تؤدي سيمفونية ترفع الستار عن حقيقة المخلوقات ومهمتها في نظام البيان الكلي، فالبيان هو مفتاح أقفال كل الأبواب التي تؤدي إلى كنوز الفكر والمعرفة.

وإذا كان البيان هو روح كتاب الكون ولونه ونموذجه المفتوح كما يقول الأستاذ فتح الله كولن، فإن تذوقه وإدراك دقته وعظمة انسجامه، يحتاج إلى قلوب واسعة تستطيع فك ترميزه بكل جوارحها، ولا يَفُكُّ رموزه سوى من تشربت روحه الشفرة الدلالية والنظام التداولي لمكونات هذا البيان. وهذه القلوب هي قلوب أهل الهم والهمة وفرسان القلب والحركية، الذين عشقوا البيان، والذين يحملون الإكسير إلى كل القلوب فتزداد المؤمنة منها قربًا من ربها، ويزداد يقينها بأن لكل مخلوق في الوجود وظيفة يتعين عليه القيام به، لا فرق في ذلك بين المخلوق في حد ذاته، وبين ما يوفق الله هذا المخلوق إلى إنتاجه أو إبداعه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

(1) استلهم هذا المقال من كتاب الأستاذ فتح الله كولن: “البيان”.

(2) لا نقول هنا “البيان”، لأن البيان مصطلح يدل على الخطاب الإلهي المتمثل في القرآن الكريم وفي جميع مظاهر الوجود الذي خلقته القدرة الإلهية.

(3) الفتوحات المكية، تح: د. عثمان يحيى ود، إبراهيم مدكور، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986: السفر الثاني، ج:10، ص:194.

About The Author

أستاذ الفكر والحضارة بجامعة أبي شعيب الدكالي. المملكة المغربية

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.