روعة الانتساب التعبدي

العبادة، هي عنوان الجمال في الإسلام، وشعار المحبة. وإذا أحب الله الإنسان خاطبه بلفظ “عبدي” أو “عبادي”.. فنسبه إليه تعالى نسبة خصوص وإضافة.
والعبودية دالة على خضوع وانقياد، في غير سخط ولا إكراه، ولكنه خضوع المحب الرَّضِيِّ. ومن هنا لم تكن الأعمال لترتقي إلى مستوى العبادة حقيقة إلا إذا أدّاها العبد برضاه.. ولو كانت هذه الأعمال من أركان الإسلام، من صلاة وصيام وزكاة وحج. وقد ذكر العلماء أن الغني إذا امتنع عن أداء الزكاة، فقَوَّمَ السلطان عليه ماله وانتزع منه مقاديرها وصرفها في وجوهها، فإن ذلك يسقط عنه حقوق المستحقين، ولا يكلف بإعادة إخراجها بعد، ولكنه لا يسقط عنه حق الله؛ لأن حق الله في العمل إنما هو الشعور بالتعبد. وهو معنى الرضى والمحبة الذي يُخالط قلب العامل عند الدخول في عمله. ومن هنا كانت حقيقة العبادة شعورا وجدانيا قبل أن تكون أعمالا مادية، وكانت إحساسا بحب من يوجه إليه العمل وهو الله تعالى، لا “ضريبة” يؤديها المرء وهو كاره.

رغبة لا رهبة

إن العبادة “رغبة” قبل أن تكون “رهبة”، ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾(البقرة:256)؛ أما “الخوف” المذكور مع “الرجاء” في سياق التعبد فله مدلول آخر. ومن هنا كان وصف الإنسان بأنه “عبد” من أحب الأسماء والصفات الإيمانية إلى الله، ومن أحسنها في تسمية الإنسان، كما ورد في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن أحب أسمائكم عند الله: عبد الله، وعبد الرحمن”(رواه مسلم)؛ وذلك لأن هذين الاسمين فيهما نسبة العبد إلى اسم الجلالة “الله”، وإلى أعظم صفة لله عز وجل “الرحمن”: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾(الإسراء:110). وفي ذلك ما فيه من شرف الانتساب التعبدي لله الواحد القهار.
وبهذا المعنى استُعْمِلَ مصطلح “الانتساب الإيماني” أو “التعبدي” في الفكر الإسلامي؛ للدلالة على خصوص استناد العبد إلى الله في كل أمره، وما يجده في ذلك من أذواق وجمال.
ولعل الأستاذ بديع الزمان النورسي -رحمه الله- هو أول من استعمله بهذا الوضوح الاصطلاحي، في سياق تجديد الفكر التربوي الإسلامي؛ إذْ كَشَفَ النقاب بقوة عن مشاهده الجميلة، فرسم بذلك لوحة وجدانية خالدة، كلما طالعتَ أنوارَها تَدَفَّقَتْ بالأسرار. ذلك أن المسلم عند النورسي لم يعد -باعتباره عبدا لله- مجردَ اسْمٍ عَلَمٍ ينادَى، أي: “عبد الله” أو “عبد الرحمن”، وإنما هو صاحب وظيفة مستنبطة من التفكر الخفي، والتدبر الْمَلِيِّ؛ لطبيعة العلاقة بين المضاف والمضاف إليه، في اسم “عبد الله” الذي هو اسم وظيفي -لا عَلَمِي- لكل مسلم حق. إن الإضافة النحوية لها دلالة عظيمة، على مستوى المعاني بالقصد البلاغي والإيماني معا؛ أعني من حيث إنها تفيد اختصاص المضاف إليه بالمضاف، وتفرده به، على سبيل “الامتلاك”. وكذا اختصاص المضاف بالمضاف إليه، على سبيل “الاستناد” و”الانتماء”.

علاقة النسبي بالمطلق

وهنا تكمن خطورة المصطلح “الانتساب”؛ لأنه تصوير لعلاقة المطلق بالنسبي وما يكتسبه هذا من ذاك. فعلاوة على دقة العلاقة بين مفهومين لا يجمعهما في المنطق إلا معنى التضاد؛ بينما هما هنا يلتقيان في المعنى الإسلامي، في التناسب الجميل المستفاد من علاقة العبادة، وما تحمله من ظلال روحية هادئة. علاوة على ذلك كله فإن المصطلح المدروس يصور بأدقّ ما يكون التصوير الرقي الإنساني، في مدارج الإيمان، حتى يكون أهلا لمقام العطف الرباني والتضييف الرحماني.
وإني لأحسب أن تجديد التدين في المجتمع الإسلامي، لو أنه سعى هذا المسعى القائم على تحقيق معنى “العبودية”، حيث كانت الإضافة فيها إلى الرحمن نقطة استناد؛ لكان له اليوم شأن آخر؛ إذ يمنح العبد معنى القوة والمنعة والحياة، كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾(الإسراء:65). فـ”ياء” الضمير (المضاف إليه) الدال على الذات الإلهية، يخص المضاف (عباد) بخصوص “الانتساب” الذي يكتسب منه “العبد” شرف النسبة إلى الملك العظيم رب السموات والأرض. فذلك ما عبّر عنه الأستاذ النورسي بـ”الانتساب الإيماني”، كما في قوله يخاطب المؤمن: “إنك تنتسب بهوية الانتساب الإيماني إلى سلطان عظيم ذي قدرة مطلقة”.(1).

الانتسابية

وبهذا المعنى فسَّرَ رحمه الله سِرَّ بدء الأعمال كلها في الإسلام بـ”بسم الله الرحمن الرحيم”. يقول: “إن الذي يتحرك ويسكن، ويصبح ويمشي بهذه الكلمة “بسم الله” كمن انخرط في الجندية، يتصرف باسم الدولة، ولا يخاف أحدا، حيث إنه يتكلم باسم القانون، وباسم الدولة، فينجز الأعمال ويثبت أمام كل شيء”(2).. فهذا التشبيه البليغ مقصود للدلالة على الطبيعة الوظيفية، للخدمة التعبدية التي بها فقط ينال المسلم شرف الانتساب الإيماني، ذلك أنه -كما يقول رحمه الله- “يرقى إلى مقام الضيف الكريم في هذا الكون، وإلى مقام الموظف المرموق فيه، رغم أنه ضئيل وصغير بل هو معدوم، وذلك بسموّه إلى مرتبة خطاب ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي: انتسابه لمالك يوم الدين، ولسلطان الأزل والأبد”.(3)
ومن هنا كان الإيمانُ الْمُبَلِّغُ إلى مقام الانتساب انخراطًا وظيفيًّا في حركة الجمال، حيث عمل النورسي على تحسيس طلاّبه بالذوق الانتمائي للإسلام، وتجديد مفهوم الصفة الإسلامية التي أبْلتْها العادات الاجتماعية، وطمستها الظلمات الإلحادية الزاحفة.(4)
ثم إن الناظر في النصوص الشرعية المتضمنة لمفهوم “الانتساب” في القرآن الكريم والسنة النبوية، يجد أن لله عز وجل في مناداة الإنسان وتسميته باعتبار “النسبة” ثلاثة أحوال: الأولى أن ينسبه إلى جِبِلَّتِه وطبيعته الخِلقية، فيسمّيه “الإنسان”. والثانية أن ينسبه إلى أبيه؛ فيسمّيه “ابن آدم” و”بني آدم”. والثالثة أن ينسبه إليه تعالى فيسمّيه “عبدا”، أو “عبدي” أو “عبادي”. ووحدها هذه النسبة الأخيرة تكون في سياق المحبة الإلهية العالية للعباد. فلا يذكر الإنسان بوصفة عبدا إلا للدلالة على حب الله له؛ إذ العبودية محبة متبادلة بين الرب الأعلى والمخلوق الأدنى.
لماذا “الإنسان”؟
ولبيان تفرد وصف الناس “بالعباد” بمعاني المحبة والتقريب، نذكر خلاصة مركزة عن كل من التسمية “بالإنسان”، والمناداة بـ”بني آدم”: ففي الأولى يسمي الله الإنسان “إنسانا” في سياق الابتلاء، وتحميله المسؤولية والأمانة. وهي عبارة ذات وقع حيادي على نفس المتلقي والقارئ للقرآن. ولذلك كانت أوضح الآيات في هذا المعنى قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾(الأحزاب:72). فبقيت عبارة “الإنسان” في القرآن محملة بهذه الدلالة، ومشحونة بهذا الإيحاء. إنه إذن صاحب أمانة؛ أمانة تكليف واستخلاف. ولا أمانة إلا وهي تلقي على صاحبها تبعات كبرى، أقلّ ما فيها المتابعة والمحاسبة.
ومن هنا كان بتحمله الأمانة ظلوما لنفسه، جهولا بخطورة ما تحمل وتقلد. فكان الحكم الابتدائي عليه بالخسران، لأنه راهن على شيء أكبر من حجمه؛ فلا ينجو من حيث هو “إنسان” إلا على سبيل الاستثناء ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾(العصر:1-3). وهو استثناء ثقيل يحمل -بعد الإيمان والعمل الصالح- شروطا ثقيلة: التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وتلك هي خلاصة الأمانة. فالإنسان إذن مخلوق مغلول إلى التزامه، مرتهن بقضيته ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾(الإسراء:13)، ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾(القيامة:36). بل هو ملزم بالسير الدائم إلى ربه، سير تتخله المشاق والصعاب؛ لأنه يشق طريقا تخالف ما تشتهيه نفسه البشرية، من دَعَةٍ وملذات دنيوية ورغبات حيوانية؛ ولذلك عبر الله عز وجل عن هذا المعنى بـ”الكدح”، وفي ذلك ما فيه من الإيحاء بمشقة السير، ووعورة الطريق؛ قال سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ﴾(الانشقاق:6).
ولم يكن ابتلاء الإنسان مهددا بالخسران؛ إلا لأنه ارتبط ابتلاؤه هذا بطبيعته الطينية، التي تشده إلى الأرض وإلى علائق التراب، بينما غاية “ابتلائه” أن يرتقي إلى السماء. فأعظم به من امتحان عسير، قال عز وجل: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾(الإنسان:2). فكانت الآيات بمساقاتها تشير إلى أنه كلما انْقَضَّتْ عليه طبيعته الطينية، استجاب لأهوائه وشهواته.
ولذلك كانت له في القرآن الكريم -بهذا الاعتبار- صفات وأحوال كلها تدور حول هذا المعنى، يقول عز وجل ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾(إبراهيم:34).(5) إنها إذن؛ صفات مرتبطة بالخلق والطبيعة الجبلية، ولذا كان التعبير عنها في كثير من الآيات بلفظ ﴿كَانَ﴾ للدلالة على الثبات والاستمرار كما في التعبير بها عن صفات الله عز وجل في القرآن، وذلك نحو: ﴿وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولًا﴾(الإسراء:11).(6)
هذا هو الإنسان! تعبير لا يوحي بالأنس والطمأنينة والسلام وإنما يوحي بالتكليف والحساب!

التوصيف بالآدمية

وأما الثانية فهي نداء الله عباده بتعبير “بني آدم”، وهو قريب في الدلالة من لفظ “الإنسان”. بل إن بينهما تداخلا واشتراكا؛ لأنه إذ ينسب إلى أبيه آدم عليه السلام يحيل على خصائص “الآدمية”. وآدم عليه السلام هو ذلك المخلوق من طين، المنفوخ فيه من روح رب العالمين. إلا أن الإيحاء هنا لا يركز على جانب الأمانة والمسؤولية والتكليف، بقدر ما يركز على جانب واحد من ذلك كله؛ ظاهر على كل الصفات المضمرة في “الآدمية”، المشاركة للفظ “الإنسان”. وهذا الوصف الظاهر البارز في النداء بـ”بني آدم” هو: ضعف العزيمة والنسيان، وهو مأخوذ من قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾(طه:115). ولذلك كان النداء بـ”بني آدم” دالا على معنى التذكير والتنبيه؛ إذ تعلق بمخلوق شأنه العام هو النسيان وضعف العزيمة. قال تعالى مذكرا ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾(يس:60). وهذا العهد هو المذكور في قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾(الأعراف:172).
وهو التنبيه الذي تكرر على سبيل التحذير في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾(الأعراف:27). إنه تذكير للإنسان بـ”آدميته” ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾.
وكل ما عبر فيه بوصف الـ”آدمية” والنسبة إلى الأب الأول، ملحق بهذا المعنى، ولو جاء في سياق التكليف الجزئي، فإنه يحمل في داخله التنبيه إلى خاصية النسيان، وضعف العزيمة، والتحذير منها، كما في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(الأعراف:35). إنه تعبير يحمل في دلالته ذلك الإيحاء الأول بالتذكير بالعهد؛ أن تخرمه العزائم الضعيفة، والتنبيه من الغفلة والنسيان أن تحاصره الآدمية.
وقد تحيل عبارة “ابن آدم” على معنى “الإنسان” من حيث هو مخلوق على جبلة طينية شرهة، وقد أسلفنا أنَّ بين العبارتين اشتراكا. وعلى هذا المجرى جرى كثير من الأحاديث النبوية التي تضمنت هذا التعبير “ابن آدم”. وذلك نحو قوله صلى الله عليه وسلم: “لو كان لابن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانيا! ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثا! ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب! ويتوب الله على من تاب”(متفق عليه). وقوله صلى الله عليه وسلم: “إن ابن آدم إن أصابه حَرٌّ قال: حَسِّ، وإن أصابه بَرْدٌ قال: حَسِّ”(رواه الإمام أحمد في المسند) وعبارة “حَسِّ” اسم فعل مضارع بمعنى: “أتضجّر”.
وهذان الحديثان إنما هما ترجمة لما ورد في القرآن عن “الإنسان” في مثل قوله تعالى عن المعنى الأول: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾(العاديات:6-8).(7).

التوصيف بالعبدية

ويتفرد النداء الإلهي والتعبير القرآني بوصف الناس بـ”العباد”؛ للدلالة على الرضى والحب والإشفاق وكل المعاني الراجعة إلى صفات الله الرحمن الرحيم الودود الغفور؛ وذلك لما للإنسان بوصفه “عبدا” عند الله من مقام وقرب. وإنما العبد: من انقاد قلبه لربه رغبا ورهبا، وخضعت جوارحه لمولاه طاعة وحبا. وتلك هي الصفة التي جاء الدين لإسباغها على الإنسان؛ فيرقيه إلى أعلى منازل العبودية. وذلك أساس مقتضى شهادة “لا إله إلا الله”. فكأن الدين كل الدين إنما هو إعطاء صفة “عبد” لهذا المخلوق (الإنسان)، أو كما قال الشاطبي رحمه الله عن وظيفة الدين المقاصدية، إنما هي “إخراج المكلف عن داعية هواه؛ حتى يكون عبدا لله اختيارا، كما هو عبد لله اضطرارا”.(8)
ثم إن وصف “عبد” أو “عباد”، ولو ورد مجردا عن الإضافة، لا معنى له إلا بتقدير الإضافة. وهي النسبة إلى الله سبحانه؛ أي “عبد الله” و “عباد الله”. وقد تأتي العبارة صريحة النسبة والإضافة إلى الله، وهذا فرق جوهري هام جدا، في إطلاق ألفاظ: “الإنسان”، و”ابن آدم”، و”عبد الله”؛ إذ ينسب في الأول إلى أصله الخِلقي الجبلي، وينسب في الثاني إلى أبيه، وما تحمله هذه النسبة من دلالة على طبيعة “آدم”، بينما يتفرد التعبير الأخير بنسبته إلى “الله”، وكفى بذلك شرفا ورفعة وجمالا.
ولذلك كان وصف “العبودية” في القرآن لا يرد إلا في سياق البشارة والمحبة والرضى الإلهي الكريم. وما لم يكن ظاهره من الآيات كذلك فهو ملحق بهذا الأصل في المعنى؛ لأن الكلية الاستقرائية إذا استقرت “كلية” رجع إليها كل جزئي، ولو بدا أنه شاذ عنها، كما هو مقرر في الأصول.(9) وأوضح مثال لذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾(البقرة:186).
إن هذه الآية الكريمة هي عنوان محبة الرب لعباده في القرآن الكريم.. إنها شلال الواردات الخفي، الهامي بالرحمة والمغفرة على قلوب عباده التائبين، الطارقين باب الله، فقراء محتاجين! ولقد التقط الأستاذ سيد قطب رحمه الله منها لطائف من رَوْح الله فقال: “إضافة العباد إليه، والرد المباشر عليهم منه.. لم يقل: “فقل لهم إني قريب”.. إنما تولى بذاته العلية الجواب على عباده بمجرد السؤال: قريب!(…) إنها آية عجيبة.. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة والود المؤنس، والرضى المطمئن، والثقة واليقين.. ويعيش منها المؤمن في جناب رضي، وقربى ندية، وملاذ أمين وقرار مكين”.(10)
ذلك أن الطريقة الغالبة في السؤال والجواب في القرآن -كما قرره علماء القرآن- أن يجيب الله عز وجل على أسئلة الناس بقوله تعالى لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ﴾؛ إمعانا في ترسيخ نبوته، ورسالته إلى الناس، معلّما ومربّيا ورسولا. وتلك خلاصة “عقيدة الاتباع” في شهادة “أن محمدا رسول الله”، وهو أغلب أسلوب القرآن في هذا الشأن. وذلك نحو قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾(البقرة:189)، وقوله عز وجل:﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (البقرة:222) ونحو ذلك كثير جدا.(11)
وإنما المهم عندنا هنا أن خلو هذه الآية ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ من لفظ “قُلْ”، يدل على خصوص السؤال الآتي من “العباد”؛ ذلك أنهم هنا يسألون عن “معبودهم” لا عن كيف يعملون في أمور الدين! إذ إن قضايا الشريعة والأحكام هي شأنُ الرسول الْمُعَلِّم، الذي بُعِثَ ليعلّم الناس كيف يعبدون الله. أما هؤلاء فإنهم الآن يسألون عن الله ذاته سبحانه، لا عن كيف يعبدونه! يسألون عن باب معرفته ورضاه! إنه سؤال محبة وشوق ووجدان؛ فهو مثل ذلك الذي قال الله تعالى فيه، في الحديث القدسي: “ذلك بيني وبين عبدي.. ولعبدي ما سأل!”(رواه مسلم)
إذن فالقضية “عبادة”، والعبادة وجدان، لا تصح إلا إذا خلَتْ من كل شريك، ولو كان نبيّا! والدين إنما هو إخلاص القلب لله وحده. وهؤلاء إنما سألوا عن مثل هذا، فلا موضع لـ “قُلْ” هذه؛ في هذا السياق! فاعبد ربك تجده أمامك بلا واسطة، ولا حجاب يحجبه عن قلبك المحب المشوق! ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.. إنه يجيبك أيها العبدُ الداعي ربَّكَ تضرعا وخفية، وإنما “الدعاء هو العبادة”(12) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.. هكذا على سبيل الاستغراق والشمول. ولا عبادة حقة إلا خالصة لله..

العبدية تشريف وتحبيب

فغالب الخطاب إذن للعباد -بوصفهم عبادا- تبشير وتحبيب مشوق للقلوب إلى ديار الحبيب. قال عز وجل في سياق التبشير: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾(الزمر:17) وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ﴾(الشورى:23). وإنما يتوب الله عز وجل على “العباد”، إذ هم الأحبة الذين يتجاوز الرب الكريم عن سيئاتهم مهما كثرت؛ ما داموا هم “العباد” الذين ذلوا لله وخضعوا له. قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾(الشورى:25).
وتوبة “العبد” لحظة فرح عند الله سبحانه، فرح يليق بجمال وجهه، وجلال سلطانه تعالى. وقد بيَّنه الحديث القدسي بيانا جميلا، فيه من معاني الشوق والقرب والتقرب، والتقريب المتبادل بين العبد وربه؛ ما يملأ القلب ببهجة السرور والاحتفال. إنه جمال الرب الذي يبادل “عبده” -وإنما هو عبده- بحبه حُبًّا أكرم وأعظم، وبتقربه تقريبا أشرف وأحلم. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “قال الله عز وجل: أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني. واللهِ لَلهُ أفْرَحُ بتوبة عبده مِن أحدكم يجد ضالَّته في الفلاة!”(رواه مسلم).
ومن أروع التعابير القرآنية في هذا السياق، آية تتدفق كلماتها بل حروفها بكَوثر المحبة الإلهي الفياض جمالاً يغمر قلوب كل من سمّاهم الرحمن “عبادي”. ولو كانوا حديثي عهد بالضلال البعيد، والتّيه الرهيب، وشرّدوا بعيدا في ظلمات الآثام والذنوب! ثم جاؤوا فُقراء يطرقون الباب، وما بأيديهم من حسنات إلا هذه التوبة النصوح.. قال عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾(الزمر:53). فعلامَ ييأس “العبد” أو يقنط؟! وها الله تعالى يغفر الذنوب جميعا.. نعم جميعا! أأنت الذي جئت تطرق باب الله تائبا؟ إذن، أنت آمن إن شاء الله؛ لا تُخفك أهوال الذنوب التي تجرها وراءك، ما دمت قد جئت في الوقت المناسب.. ودخلت إلى حضرة الرحمة الإلهية من باب الانتساب إلى الله “عبدا”.
نعم، إن “العباد” -وهم عباد السلام- ينعمون عند الله بالأمن والطمأنينة والسلام، سكينة تملأ الوجدان شوقا إلى لقاء الله. قال عز وجل: ﴿يَا عِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾(الزخرف:68). إنهم الآمنون المحميّون بجواره الحصين في الدنيا والآخرة ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾(الزمر:36).. بلى! وإنّ من كفاه الله حماية وحفظا لهو الآمن حقا؛ فما له وللخوف أو القلق والضياع؟ ولذلك فقد توعد إبليس اللعين أن يُضِلَّ الناسَ، ويتّخذ منهم نصيبا مفروضا، فقال له الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾(الإسراء:65).
فلك الحمد إلهي!.. لك الحمد؛ إذ أكرمت “عبادك” بالحفظ الجليل، والستر الجميل…
وإن للستر جمال القرب، والتناجي الودود مع الرب الكريم. أخبر النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي، محدثا عن تجلي الرحمن لعبده يوم القيامة، تجليا يليق بكماله.. كان ذلك في حديث النجوى، وما أدراك ما النجوى! فعن صفوان بن مُحرز قال: “قال رجلٌ لابن عمر: كيف سمعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: يُدْنَى المؤمنُ يوم القيامة من ربه عز وجل؛ حتى يضع عليه كَنَفَهُ(13) فيقرره بذنوبه فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أَيْ رب أعرف. قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، فَيُعْطَى صحيفةَ حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادَى بهم على رؤوس الخلائق: “هؤلاء الذين كذبوا على ربهم!”(متفق عليه).
وَيْ..! وما أفضل من أن يكون المرء مشمولا بوصف “عباد الله” و”عباد الرحمن”؟! ألا إنها أوصاف المحبين في الدنيا وفي الجنة معا؟! فهم هنا يسلكون إلى الله بمسالك عباد الرحمن، خُشَّعًا لله، حلماء، كرماء.. يَسْرُونَ بالليل ويسربون بالنهار، مع قافلة العبّاد، على طريق الخضرة والنور، على أثر الأنبياء الأصفياء، بعيدا عن مستنقعات الجهل بالله، والخوض في دخان الحرائق المشتعلة بأسواق الفساد: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾(الفرقان:63-64).. إلى آخر السورة. وللآيات بعدها انسياب الماء المشع برضاء الله، وعطائه الغيداق من كمالات الصفات. كمالات تغري القلب بمواجيد ذات أشواق، وكؤوس ذات أذواق. لا يغنيك بذوقها حق الذوق كأسا كأسا غير المصحف الكريم.
قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ناثرا من كلام الله العلي سنى قدسيا: “قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل.. فإذا قال العبد: ﴿اَلْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله تعالى: حمِدني عبدي!. وإذا قال: ﴿اَلرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي!. وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ قال الله تعالى: مجّدني عبدي. فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: ﴿اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل” (رواه مسلم).
فأيّ كرم هذا، وأي نعماء؟ وأي فيض هذا وأي عطاء؟ فمن يأنف أن يكون “عبدا” لله إذن؛ إلا عديم الذوق متخشب الإحساس؟! “هذا بيني وبين عبدي.. ولعبدي ما سأل” أتسمع؟ إنه يخاطبك: “عبدي!” فأنتما هناك يصل “بينكما” ودّ التناجي: “بيني وبين عبدي”! إنه وُدّ خفي، إنه بينكما.. تذوقه أنت وحدك، هناك في محراب التعبد السَّني، الموصول بواردات السماء؛ حيث التجلي الجليل يفيض عليك بالنجوى، جمالا وسلاما… فهنيئا لك يا عبد!
وما سمى الله أنبياءه الأصفياء -وهم خير العباد- إلا “عِبادا”.. فذلك كمال رضاه تعالى عليهم: شرف نسبتهم إليه سبحانه. وما كان منه ذلك إلا في سياق الرضى الواسع البديع. قال تعالى في شأن محمد صلى الله عليه وسلم سيد العابدين: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾(الإسراء:1)، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾(الكهف:1)، وكذا قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾(النجم:10).
وقد مدح الله الأنبياء السابقين فوصفهم بصفة العبودية له. قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾.(14)
بل إن العبودية كانت -قبل ذلك وبعده- من أرقى مقامات الملائكة؛ قال تعالى يُجَهِّلُ الكفارَ الْمُفْتَئِتِينَ على الله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾(الزخرف:19).

الأمن والسلام لعباد الله

“العباد” إذن؛ هم الآمنون السالمون بإذن الله.. هم الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وما ذكر الخوف في شأنهم إلا لنكتة خاصة، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾(الزمر:16). فمثل هذا إنما هو تخويف محبة لا تخويف بغض وغضب.. والله عز وجل أرحم بعباده من الأم؛ إذ تحنو بثديها الثر على رضيعها. إن الله عز وجل قد قرر مبدأ ثابتا قبل ذلك، فقال سبحانه: ﴿وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾(البقرة:207).
ويا لروعة التعبير القرآني! إذ يفصل هذا المعنى الذي هو واقع منه تعالى بقصد “التخويف” التربوي، إذْ يكشف الله تعالى فيه عن جمال من سر الحب الإلهي عجيب.. جمالٍ يضرب بأنواره الباهرة في أعماق الوجدان؛ فيبهر القلوب، ويخطف العواطف! قال سبحانه ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾(يس:30). يا سلام! نعم، صحيح أن الله تعالى -كما تنقل تفاسير السلف- لا يتحسّر! وإنما يصور سبحانه بأسلوب جذّاب أخّاذ ما يقع بقلب العبد المؤمن من أسى وحسرة؛ إذ يشاهد مآل الكفار ومصيرهم البئيس التعيس، وما فرطوا فيه من النعيم المقيم والخير العميم، مما لا يملك معه الإنسان إلا الحسرة والأسى.(15) بَيْدَ أن العبارة دالّة أيضا على منتهى الرحمة في خطاب الله لعباده ولو كانوا كافرين. وأي قلب لا يتحسر إذ يدرك هذه الحقيقة الرهيبة؟! هؤلاء الناس الذين يتسابقون سراعا نحو هاوية الجحيم، يلقون بأنفسهم في غياباتها تباعا. ﴿يَا حَسْرَةً﴾ والتعبير بـ”الحسرة” لا يكون إلا في سياق الأسى على فوت محبوب، أو ضياع مرغوب. ولذلك فهو دال على المحبة. والله عز وجل -تنـزّه عن التحسر- إذ ذكر ذلك مصورا عاطفة إيمانية بشرية، سمّى أولئك الكفار “عبادا”؛ لأن السياق سياق محبة وإشفاق. والأصل في الأمر الكوني أن الله تعالى يحب الناس، كل الناس. وما كان يرضى لهم ما وقعوا فيه من كفر وضلال، فهو الذي قال: ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾(الزمر:7).. ولكن هم ظلَموا أنفسهم إذْ أغضبوا الله عز وجل ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾(آل عمران:182).. أفلا يستوجب الأمر إذن أن تصرخ: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾؟!.. كلمات في قمّة البلاغة ودقّة التعبير.. كلمات ذات إيحاء لطيف لا يُكشف عن سره إلا ذوقا..
______________
الهوامش
(1) اللمعات لسعيد النورْسي، ص 388؛ وانظر: الشعاعات لسعيد النورْسي، ص13.
(2) الكلمات لسعيد النورسي، ص6 – 7؛ وانظر: اللمعات لسعيد النورْسي،ص278.
(3) الكلمات لسعيد النورْسي، 1/45.
(4) نقلا عن كتابنا “مفاتح النور” بتصرف يسير. ص279-283.
(5) وانظر: النحل:4؛ المعارج:19-21.
(6) وانظر: الإسراء:67، 100.
(7) ونظر: الفجر:19-20؛ لمعارج:19-21.
(8) الموافقات للشاطبي، 2/168.
(9) الموافقات للشاطبي، 2/53.
(10) في ظلال القرآن للسيد قطب، 1/173.
(11) وانظر: البقرة:215، 217، 219، 220؛ الأنفال:1؛ الإسراء:85؛ الأحزاب:63.
(12) رواه الإمام أحمد في المسند، وابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد.
(13) قال ابن حجر: “كَنَفَهُ: بفتح الكاف والنون، بعدها فاء، أي جانبه، والكَنَفُ أيضا: السِّتْرُ، وهو المراد هنا. والأول مجاز في حق الله تعالى، كما يقال: فلان في كنف فلان؛ أي في حمايته وكلاءته.” فتح الباري لابن حجر، 10/488.
(14) وانظر: سورة ص:45، 30، 17، 41، 44؛ الإسراء:3.
(15) وقيل أيضا: هو بيان لما يقع بقلوب الناس من حسرة وندامة؛ مما فرطوا في جنب الله؛ فكفروا وكذبوا! رواه الطبري عن مجاهد وقتادة، ونحوه عن ابن عباس: جامع البيان: 23/2،3. وهذا المعنى وذاك كلاهما وارد عند الطبري والقرطبي وابن كثير في تفسير الآية من سورة يس