تعددت مراكز نقل العلم في الدولة الإسلامية لتشمل: المساجد والكتاتيب ومدارس الكبار ومجالس العلم، والمكتبات التي أُنشئت أول الأمر في المساجد ثم ألحقت بها. ومع العصر العباسي الأول ظهرت المكتبات المستقلة لتستمر قرونًا طويلة، ضمت خزائن ضخمة لحفظ الكتب وقاعات للاطلاع وحجرات للنسخ والترجمة.

ومن أشهر المكتبات الإسلامية مكتبة بغداد التي أسسها الخليفة هارون الرشيد وأتمها الخليفة المأمون، ومكتبة المدرسة النظامية، ومكتبة خزانة الحكمة بالقاهرة. وتعد الأندلس صاحبة أكبر عدد من المكتبات.

ومن أشهر المكتبات الإسلامية مكتبة بغداد التي أسسها الخليفة هارون الرشيد وأتمها الخليفة المأمون، ومكتبة المدرسة النظامية، ومكتبة خزانة الحكمة بالقاهرة. وتعد الأندلس صاحبة أكبر عدد من المكتبات -ما يقرب من سبعين مكتبة- ضمت أكثر من مليون مجلد.
وإلى جانب المكتبات العامة، ظهرت المكتبات الخاصة التي امتلكها الخلفاء والوزراء والعلماء وأعيان التجار ممن اهتموا باقتناء الكتب؛ للاستفادة الشخصية منها ومساعدة الآخرين في البحث العلمي،وكانت تلك المكتبات بيئة مثالية لإيجاد مناخ ثقافي جيد بين أفراد الأسرة، تغرس في نفوسهم حب القراءة لتصبح عادة يومية وضرورة حياتية.
وقد عُرِفَ المنزل الذي يضم مكتبة بأنه المنزل الأمثل، وبسبب اهتمام أصحابها بها كانت أقل تعرضًا للأخطار، وعند موت أصحابها تؤول إلى المجتمع بالشراء أو الإهداء أو الوقف.
والكتاب عماد المكتبة، لم يفقد مكانته عبر التاريخ، لذلك نجد اهتمامًا دوليًا به، وليس أدل على ذلك من أن منظمة اليونسكو خلال مؤتمرها السنوي عام 1995م اختارت يوم 23 أبريل سنويًا يومًا عالميًا للكتاب، ذلك اليوم الذي يصادف يوم وفاة كل من الكاتب الإنجليزي “وليام شكسبير” والإسباني “سرفانتس”، باعتبار أن الكتب ظلت عبر التاريخ العامل الأقوى لنشر المعارف والوسيلة المثلى لحفظها. ومنذ عام 2000 تم تخصيص عدة مدن لتكون عاصمة عالمية للكتاب، منها المدن العربية الإسكندرية 2002، بيروت 2009، وهذا الاحتفال يعد محاولة جادة في ظل التكنولوجيا الحديثةلاستعادة مكانة الكتابالذي كان في الماضي أساس قيام الحضارات، وهذا ليس تعبيرًا عن الحنين نحو الماضي بقدر ما هو تعبير عن إحساس الخوف من المستقبل، ذلك أن غياب المعرفة العميقة التي تولى الكتاب مهمة ترسيخها من شأنه أن يخلق أجيالاً من البشر تمتلك مهارات فائقة ووعي ونضج(1).

المكتبات الخاصــــة:

تمثل المكتبات الخاصة قيمة في ذاتها؛ إذ يُهدَى معظمها إلى جهات ثقافية ذات ثقل، لتصبح متاحة أمام أكبر عدد ممكن من القراء والباحثين والدارسين، بعد أن كانت في خدمة أصحابها وأسرهم فقط، وتكتسب أهمية تاريخية، لمرور عشرات بل ومئات السنوات على طباعتها، وربما لا توجد منها سوى نسخ قليلة، كما أنها تحمل توقيعات أسماء أصحابها في حالة إهدائها بصفة شخصية لآخرين، وكذلك لأنها تضم صورًا نادرة ولوحات زيتية أصلية، ومخطوطات تشمل شروحًا وتعليقات وإضافات. إنها بلا شك ثروة فكرية. ومع حالات الإهداء قد يطلق اسم صاحبها على إحدى القاعات أو توضع صورته في مدخلها، وفي هذا تعظيم لدوره في خدمة الثقافة.
وتاريخنا الإسلامي مليء عبر العصور بتلك المكتبات، فقد عرفت المساجد نظام وقف المصاحف والكتب الدينية، ومن أمثلة ذلك مكتبة الجامع الأزهر التي عرفت بخزانة الكتب بجوار المنبر، وضمت مكتبات خاصة أُهديَت من أسر سليمان باشا أباظة وكانت تضم نوادر قيمة، وأحمد باشا راشد ومختار باشا الغازي ومكتبات بعض علماء ومشايخ الأزهر، كما ضمت وقفًا عبارة عن مصاحف كُتبت بالخطين الكوفي والمغربي، وكان أحد هذه الأوقاف لسيدة تدعى “زهرا بنت فايق مولاة علي ابن المبارك”.

تمثل المكتبات الخاصة قيمة في ذاتها؛ إذ يُهدَى معظمها إلى جهات ثقافية ذات ثقل، لتصبح متاحة أمام أكبر عدد ممكن من القراء والباحثين والدارسين، بعد أن كانت في خدمة أصحابها وأسرهم فقط.

ليس هناك أدنى شك في أن المكتبات الخاصة سدت فراغًا شديدًا في نسيج الخدمة المكتبية، ومن ثم فقد حظى هذا الموضوع باهتمام الباحثين الذين استخدموا المنهج الميداني والتاريخي للتعرف على الاتجاهات الفكرية آنذاك وظروف تكوينها، مرورًا بتحليل المضمون والمعاينة والفحص والمقابلة، فظهرت العديد من الدراسات مثل: دراسة لمحمد فتحي عبد الهادي عن الخزانات الخاصة في مصر -بحوث في المكتبات والمعلومات – عام 2003م، وأشارت إلى وجود مكتبتين من أهم المكتبات الخاصة في دار الكتب المصرية، وهما الخزانة التيمورية لأحمد تيمور باشا – العالم المتميز في اللغة والأدب – والخزانة الزكية لأحمد زكي باشا – أحد رواد إحياء التراث والآثار العربية.

مكتبة العلامة الكازاخستاني نصر الله الطرازي

تعد المكتبة الشخصية للعلامة الكازاخستاني د.نصر الله مبشر المطرازي، من أهم المكتبات التي أُهديت لمركز الدراسات الشرقية بجامعة القاهرة ودار الكتب المصرية ومكتبة الإسكندرية، وجامعات المنوفية وعين شمس والأزهر والجامعة الأمريكية، وتعود أهميتها إلى قيمتها الفكرية وتعدد مجالاتها.
وُلِد نصر الله الطرازي بمدينة طراز بجمهورية قازاقستان في مارس 1922م، في أسرة تنتسب إلى الحسين -رضي الله عنه- وهاجر مع والده إلى أفغانستان وعمره سبع سنوات، ثم هاجر مرة ثانية مع الأسرة إلى مصر عام 1950م. حفظ القرآن الكريم وعلوم الدين، وأجاد اللغات العربية والأفغانية والأوزبكسية والتركية الحديثة والعثمانية القديمة والأردية والروسية والفرنسية.
التحق بالعمل مفهرسًا بقسم الفهرسة بدار الكتب المصرية منذ 1951م حتى 1982م، وقام بتدريس اللغات الشرقية وآدابها من 1966م حتى وفاته 2002م بالقاهرة، ونظرًا لخدماته الجليلة لمصر وللفكر الإسلامي والثقافة العربية الإسلامية منحه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الجنسية المصرية عام 1964م، وهو أول من أدخل تدريس اللغة الأوزبكية في مصر عام 1999م (جامعة الأزهر) (2).

وتعميمًا للفائدة ونشر التراث العربي الإسلامي أهدى بعض كتبه إلى المكتبة المركزية بكل من تركيا وإنجلترا وألمانيا، وضمت مكتبته 1611 كتابًا في مختلف العلوم والفنون والآداب.

ليس هناك أدنى شك في أن المكتبات الخاصة سدت فراغًا شديدًا في نسيج الخدمة المكتبية.

وقد قام خلال عمله بدار الكتب المصرية بفهرسة وتصنيف وتحقيق أكثر من ثلاثة وعشرين ألف كتاب مطبوع ومخطوط وإعداد فهارس بطاقية ومعظمها باللغتين التركية والفارسية. وبعين الخبير المتمرس اكتشف توقيع مطموس بماء الذهب للفنان التركي “كمال الدين بهزاد” في مخطوطته النادرة “بستان سعدي”، مما رفع قيمة المخطوط إلى أضعاف ثمنها، كما كلفته مؤسسة الفرقان لإحياء التراث الإسلامي بلندن بتدريب الطلاب الحاصلين على ماجستير في المخطوطات في المكتبة المركزية بجامعة القاهرة وإسطنبول ضمت طلابًا من دول الكومنولث آسيا الصغرى والقوقاز(4).

وكان صاحب الفضل في إثبات أن تاريخ “قازان” عاصمة “تتارستان” يرجع إلى أكثر من ألف عام وأقرت منظمة اليونسكو ذلك عام 2000م (5). حددت الدراسة الاتجاهات الموضوعية لما تضمه مكتبة الطرازي في عشرة موضوعات :
أولاً: كتب التاريخ والجغرافيا والتراجم 572 كتابًا.
ثانيًا: الكتب الأدبية 427 كتابًا بنسبة.
ثالثًا: كتب الديانات 240 كتابًا بنسبة.
رابعًا: كتب اللغات 104 كتابًا بنسبة.
خامسًا: كتب العلوم الاجتماعية 103 كتابًا.
سادسًا: كتب المعارف العامة 76 كتابًا بنسبة.
سابعًا: كتب الفنون الجميلة 35 كتابًا بنسبة.
ثامنًا: كتب العلوم التطبيقية 20 كتابًا بنسبة.
تاسعًا: كتب الفلسفة 20 كتابًا بنسبة.
عاشرًا: كتب العلوم البحتة 14 كتابًا بنسبة.
إن ما تزخر به المكتبات الخاصة من كتب ذات قيمة على مستوى العالم الإسلامي في حاجة إلى إلقاء الأضواء عليها، ولنا لقاءات قادمة مع مكتبات أخرى.
المراجع
1-اليوم العالمي للكتاب: إسلام أبو شكير، مقال لمجلة الرافد الإمارتية، العدد 236، رجب 1438هـ-أبريل 2017، ص 11.
2- ومضات من مشوار حياة الطرازي: مبارك نصر الله الطرازي، سلسلة الرواد، الكتاب الثامن، مركز اللغات، جامعة القاهرة، 2016م.
3-د. نصر الله الطرازي: حياته ومكتبته الخاصة، د. نها محمد عثمان، مكتبة الآداب جامعة المنوفية، مصر، 2016م.
4- سيرة ذاتية: د. نصر الله الطرازي، 10/2/2001م، مخطوطة، القاهرة.
5- أضواء على عالم “نبذة مختصرة عن شخصية العلامة نصر الله الطرازي”، مريم نصر الله الطرازي، القاهرة، 2013م، ص 11.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.