يقول “جوستاف لوبون” في كتابه “حضارة العرب”: “إن أهم تقدُّم للمسلمين في عالم الطب، هو ما كان في أنواع الأدوية والصيدلة، وظهور عدة طرق يعود الطب الحديث إلى بعضها بعد إهمالها قرونًا كثيرة”.
وإذا بحثنا في معرفة العقاقير الطبية -النباتات بأجناسها، والأعشاب بأنواعها، وطريقة ما يختار منها وما يذاب وما يطبخ، ومدى قوة الدواء وتأثيره- نجد أن الصيدلي ما هو إلا عالم يبحث بين النباتات المختلفة في الشكل ومعرفة منابتها وأصل تربيتها.
لذا كان التداوي بالأدوية عند المسلمين، بزهور النباتات وبذورها وجذورها؛ فاستعملوا البصل الكمون لمعالجة أمراض الصدر، والثوم لمعالجة ديدان وأمراض المعدة، التين لمعالجة الإمساك، الحلبة لأمراض الربو والسعال، والحبة السوداء لأمراض الجهاز الهضمي، والكمأة لعلاج أمراض العين، السواك لعلاج الأسنان.
وقد وردت أسماء بعض النباتات الطبية في الأحاديث النبوية في مجال العلاج وفي مجال الأدوية والأشربة والخضاب، واكتشف العلماء المسلمون أدوية جديدة أضافوها إلى علم الأدوية من بينها:
• المسهلات: كالراوند، والسنامكي، والسنط.
• والمنشطات: كالجوز المقيئ، والأكونيت، وخانق الذئب.
• ومسكِّن للألم: القنب، والحشيش، والأرجوت، وصدأ القمح.
• ومنوم ولتسكين الألم وإيقاف السعال: الخشخاش، والأفيون.
• ولمنع الإسهال: الكافور، والصندل.
كما استعملوا القرنفل، والمر، وجوز الطيب، والتمر هندي، والقرفة، والينسون، والزنجبيل، والتوابل في التداوي.


وكان المسلمون يمارسون تخدير المريض أثناء العمليات الجراحية، فقد أكد “ريو” أن الأطباء المغاربة كانوا يستعملون “السكران” وهو عشب مخدر، وجوز الطيب في عملية الختان، أو تركيبة دواء من السكران والكبريت، ويكون البخار المتصاعد من طبخهما بمثابة مخدر يستمر تأثيره 24 ساعة.. كثيرًا ما كانوا يستعملون أعضاء بعض الحيوانات لمعالجة الأمراض، كداء الكلب (السعار) بتناول 9 مثقال (جرام) من كلية الكلب العقور بمجرد قتله، أو مرارته التي تحتوي على مادة مضادة لجراثيم داء الكلب.
ولقد كان الأصل في التداوي عند الأطباء المسلمين، اعتمادهم على الأدوية المفردة وهي كثيرة جدًّا.
وبمجيء أصحاب القياس، نشأ اتجاه جديد في الطب الإسلامي، يقول أصحابه إنه لا يمكن للأدوية المفردة شفاء جميع الأمراض. فنشأ ما يسمى بعلم الأدوية المركبة. والواقع أن معرفة الأدوية المركبة وصنعها، يتطلب علمًا جيدًا وخبرة وبراعة.
وقد استطاع المسلمون تأليف أدوية مركبة مختلفة لأمراض كثيرة.. ومن هذه الأدوية، الترياقات وأشهرها: الترياق الأكبر لمكافحة لسعة الأفاعي السامة، والأرياج، والجوارشنأي: الهواضم، والسفوفات، والأشربة، والمربات والأقراص، والأدهان، والمراهم، والشيافات، والحمولات.. وإلى هذا يعزى ظهور صناعة الصيدلة الإسلامية.
وكان من أسباب تقدم الصيدلة العربية الإسلامية، تقدم المسلمين في الكيمياء، وابتكار مختلف الطرائق: كالتقطير، والترشيح، والتكليس، والتحويل، والتبخير، والتصعيد، والتدويب، والتبلور.. والمسلمون هم الذين اكتشفوا الكحول، والبورق، وحامض الطرطير، وغيرها من المواد.
ولقد شعر المسلمون منذ القرن الثاني للهجرة بأهمية علم الصيدلة في التجارب الطبية، كما اقتنعوا بأن معرفة الكيمياء أساسية في البحوث الصيدلية. وقد أكد “برتيلو” في كتابه “الكيمياء قي القرون الوسطى”، أن كُتب جابر بن حيان في الكيمياء، هي غاية ما وصل إليه العقل الإنساني من الابتكار. وكان أول من أقام المستشفيات ونظم صناعة الأدوية والأعشاب، الأمويون، ففي هذا العصر فرض الخليفة المعتصم تأدية امتحان في الطب والصيدلة، وأجرى أول امتحان للصيادلة عام 221هـ.وكان المحتسب يُحلِّف الأطباء والصيادلة السر المهني؛ وهو أن لا يعطوا أحدًا دواء مرًّا، ولا يركبوا له سمًّا، ولا يصنعوا التمائم عند أحد من العامة، ولا يفشوا الأسرار.
هكذا صنعت مجموعة من الرجال المسلمين علمًا صار من أهم العلوم الحديثة التي بنت عليها أوربا والدول الغربية كافة دعائم تطورها وتقدمها العلمي والحضاري.
ولقد تبوأ داود الأنطاكي المكانة المرموقة في قائمة هؤلاء الرجال الأفذاذ، حيث كان قامة مسلمة في مجال علم النبات والصيدلة.

من هو داود الأنطاكي؟

داود بن عمر الأنطاكي (ت: 1008هـ/1599م) قامة إسلامية في مجال الصيدلة، يلقب بـ”الأنطاكي” نسبة لمسقط رأسه بمدينة “أنطاكية” جنوب تركيا. يعرف بـ”الرئيس الضرير”، وُلد كسيحًا ثم شفي من كساحه. طبيب اهتم بخصائص النباتات الطبية، حكيم، فلكي، أديب أتقن العربية إضافة إلى اللغة اليونانية. عاش بـ”أنطاكية” ونسب إليها، زار طلبًا للاستزادة بالعلم دمشق وبلادًا من الأناضول (تركيا) والقاهرة، استقر بها زمنًا طويلاً أيام الحكم العثماني، حيث عكف في البيمارستان المنصوري على دراسة وتأليف كتب الأعشاب والصيدلة، كما زار مكة واستقر بها إلى حين وفاته عام 1008هـ.
يقول عنه “الزركلي” في “الأعلام”: “كان عالمًا بالطب والأدب، ضريرًا، انتهت إليه رئاسة الأطباء في زمانه، ولد في أنطاكية، وحفظ القرآن وقرأ المنطق والرياضيات وشيئًا من الطبيعيات، ودرس اللغة اليونانية فأحكمها، كما كان قوي البديهة يُسأل عن الشيء من الفنون فيملي على السائل الكراسة والكراستين.. ولقد أُثِر عن داود الأنطاكي الجد والنشاط وعلو الهمة في طلب العلم.. من أبرز ما يلاحظ في شخصية الأنطاكي سعة أفقه العلمي، وغزارة المعلومات مع تمكنه فيما يكتب، ورسوخ قدم فيما يناقش من الموضوعات. كما كان شيخًا كريمًا ذا نزعة إنسانية، وحريصًا على مثاليات مهنة الطب”.
اهتم داود الأنطاكي بدراسة العوامل النفسية وأثرها على صحة الأبدان. حظي بمكانة رفيعة في معظم مجالس العلم في زمنه، وخاصة في المدن التي زارها، وأطلق عليه اسم “الطبيب الضرير”؛ اعترافًا بعلمه وذكائه رغم فقدانه البصر الذي عوضه ببصيرة نافذة قلَّ من ينافسه بها. كما عرف بـ”الرئيس الضرير” حين انتهت إليه رئاسة الطب.

آثاره ومؤلفاته

صنف الأنطاكي في علوم عدة بلغت ستة وعشرين مؤلفًا، منها ثلاثة كتب في الفلك، وأربعة كتب في المنطق والكلام، وواحد في الأدب، وباقي مصنفاته في الطب والصيدلة، وأشهرها على الإطلاق هي “تذكرة”.
1- مؤلفاته في الصيدلة والطب: كتاب “تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب” يُعرف اختصارًا بـ”تذكرة الأنطاكي”، أكبر وأهم مؤلفات داود الأنطاكي وهو كتاب ضخم يشغل قرابة سبعمائة صفحة من القطع الكبير. وقد ظفر هذا الكتاب بشهرة واسعة في زمنه (القرن الحادي عشر) لم يظفر بها كتاب آخر في مجاله، وكان أساس الطب لدى العامة. وهو بالطبع الكتاب الذي سهل على العطارين المداواة في الأمراض البسيطة التي لا تتطلب خبرة طبية كبيرة.
والكتاب مرتب في مقدمة، وأربعة أبواب، وخاتمة، يشتمل على أبحاث هامة عن النباتات والأدوية المفردة والمركبة، ومنافعها ومقاديرها وطرق تحضيرها، وأبدى لها مراتب حسب حروف المعجم، بلغ عددها نحو 1792صنفًا.
ثم أتى على ذكر من سبقه من علماء اليونان والعلماء العرب، الذين صنفوا بهذا العلم، وما أغفلوه، وما زاد عليهم من معلومات وأقراباذينات.. وكان معتمدًا على كتاب “الحشائش” لـ”ديسقوريدس”، كما اعتمد على ابن البيطار وعلى كتابه “الجامع لمفردات الأدوية والأغذية”، واستفاد من مؤلفات “الرازي”، و”ابن سينا” وغيرهم.
وقد ذكر فيه الأمراض المختلفة وأسبابها وأعراضها وطرق معالجتها، مع دراسة عميقة للأمراض العصبية والنفسية، وبسط خلالها بإسهاب العقاقير المنشطة والمهدئة والمخدرة ومشاهداته، ثم تحديد المقادير التي يتناولها المريض وأشكالها، وبين درجة سميتها وإمكانية التعود أو الإدمان على تناولها، وما تسببه من آثار جانبية لها.. ثم أتى على ذكر الأدوية المضادة للتسمم.
اتبع الأنطاكي منهجًا محددًا لتأليف الكتاب، ورتبه على عشر فقرات: فكان يذكر أسماء النباتات والعقاقير بلغات متعددة.. ثم يذكر الجيد منها والرديء ودرجة أثرها الدوائي، بالاعتماد على ماهيتها من حيث الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة.. ثم يذكر منافع كل عقار لكل عضو من أعضاء الجسم.. ثم يذكر مضاره وما يصلح منه ومقداره الدوائي، وإذا كان مفقودًا فيشير إلى دواء غيره يقوم بدلاً عنه. هذا إضافة إلى التنبيه إلى أمرين مهمين هما: الزمان الذي يكون فيه الدواء صالحًا (أي مدة صلاحية الدواء)، إلى جانب موطن النبات الطبي.
ومما هو جدير بالذكر، والذي يتحدث عنه الأنطاكي لأول مرة، هو “داء الأفرنجي” أو الحب الفرنجي”، ويصف كيفية معالجته بـ”الزئبق”.. ويقول في الجزء الأول من مؤلَّفه “تذكرة” في الأبحاث التي تتعلق بطب الجلد ص 184:
“والزئبق بارد في الثانية، رطب في الثالثة، يُذهب الحكة والجرب والقروح التي في خارج البدن، وقد صح الآن منه أنه إذا مزج بالكندر والراتينج والشمع والزيت ودهن به النار الفارسية والحب المعروف بالفرنجي والقروح والأوكل، ودثر صاحبه أسبوعًا لم يأكل طعامًا رديئًا ولا مملوحًا بريء بعد فساد في الفم وريق يجري وورم في الحلق، وإن برد أحدث وجع المفاصل، وتجد الدهنة ثلاث مرات في الأسبوع، وهي مشهورة بمارستان مصر، وقد يقتصر فيها على دهن الأطراف والعنق ولا تستعمل إلا بعد التنقية”.
وتحتوي “التذكرة” على معلومات طبية مستمدة من روح عصره، وبعض مجريات هذا العصر المتأخر في القرن الحادي عشر الهجري (السادس عشر الميلادي)، بعضها لا تمت إلى العلم بصلة، ودائمًا هي مجريات خرافية، ذكرها وربما أنه لا يؤمن بها، ولكن ناس عصره يتجاوبون معها بفعل نفساني.
فقد كان الأنطاكي يهتم جدًّا بالعوامل النفسية التي تساعد الإنسان في الشفاء، ويرى أن الدواء النفسي يتلازم مع المعالجة الطبية ويتجاوب معها.
لم يتممه الرئيس الأنطاكي، فذيل عليه بعض تلاميذه بعنوان “ذيل على التذكرة”، طبع في جزأين بمصر عام 1254هـ، كما طبع على هامش “النزهة المبهجة” في ثلاثة أجزاء عام 1302هـ، كما طبع في بولاق بجزأين بعنوان “تذكرة داود للعلاج بالأعشاب والوسائل الطبيعية” بعناية سامي محمود، وصدر في بيروت سنة 1952م بجزأين، وصدر كذلك في بيروت سنة 1986م.
ولكتاب “تذكرة” 37 نسخة خطية منتشرة في مكتبات الوطن العربي، والبلاد الأوروبية، والهند، والولايات المتحدة.
2- مؤلفاته في الفلك: وهي ثلاثة: رسالة في الفلك، أنموذج من الفلك وذكره بروكلمان في كتابه “تاريخ الأدب العربي”، استدلالات بحركات النجوم وطوالعها أو الاختيارات.
3- مؤلفاته في المنطق الكلام: زينة الطروس في أحكام العقل والنفوس، الأنولوطيقا الصغرى ونسخها الخطية في مكتبة لاله لي باسطنبول برقم 3639، غاية المرام في تحرير المنطق والكلام، رسالة في الطير والعقاب ونسخها الخطية في مكتبة باريس الوطنية برقم 8/2625، وثانية برقم 2625/3 ذكرهما بروكلمان.
4- رسالته في الأدب: وهي كتاب تزيين الأسواق في أخبار العشاق، وهو مختصر “أشواق العشاق” للبقاعي.
بعض الكتّاب يَعدّ الأنطاكي خاتمة عقد الأطباء المسلمين المحققين العظام، الذين كانوا أساتذة في علومهم وسلوكهم المهني، بل هو أحد أولئك الذين تركوا إرثًا علميًّا متنوعًا، يبقى برهانًا وشاهدًا على شمولية معلوماتهم وعمق معارفهم وسلامة مسلكهم، بل إن كتابه “تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب” هو موسوعة في الطب والصيدلة بلا منازع.
هذا وقد التزم الأنطاكي في ميدان الاستطباب بمضمون القاعدتين التاليتين:
الأولى هي “الزمن جزء من العلاج”، وهذا يعني أن مرور فترة من الزمن لسراية العلاج وتمام تأثيره، أمر لا بد من ملاحظته في ميادين التطبيب. وأما القاعدة الثانية هي معالجة كل مريض بنباتات أرضه وبلده.
وفي الختام نقول إن ترجمتنا لهذا الطبيب الصيدلي تأتي إجابة لبعض الذين يظنون أن الحضارة الإسلامية كانت طفرة مؤقتة ثم انقضت، والحق خلاف ذلك، فـ”الأنطاكي” كان في القرن السادس عشر الميلادي أي القرن العاشر الهجري.

(*) باحث في التراث العربي والإسلامي / مصر.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.