الله ربًّا هو بدء تدفق الجمال على عقيدة الإسلام، إذ إن جمال الرب عز وجل يفيض من بهاء ذاته تعالى وصفاته. وإنما صفاته تعالى هي صفات الجمال والجلال، إنه النور الخارق الذي لا يطاق. فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قام فينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال: “إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القِسْطَ ويرفعه. يُرْفَعُ إليه عملُ الليل قبل عمل النهار، وعملُ النهار قبل عَمَلِ الليل، حِجَابُهُ النور، لو كشفه لأحرقتْ سُبُحَاتُ وجْهِهِ ما انتهى إليه بصرُه من خلقه.”(رواه ابن ماجه) والسُّبُحَات جمع سُبْحَة: وهي ما يفيض عن الذات الجميلة من لآلئ النور، ونوابض الحسن، وأشعّة الجمال. ومن هنا وصف سبحانه أسماءه -وهي أسماء صفات- بكونها “حسنى”. إنها أنوار متدفقة من مشكاة الله ذات البهاء الدرّي، قال تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾(الأعراف:180). وقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾(الإسراء:110). ومن هنا كانت البداية في قصة المحبة.

النعمة الأولى.. الخلق

الله.. هو الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء. سبحانه وتعالى علوا كبيرا. إنما عرفه الإنسان أول ما عرفه “ربا”، فلما عرف منه تعالى ما عرف، ألِهَه قلبه فعبَده. إن أول نعمة إلهية ظاهرة فاضت أنوارها على الإنسان من مشكاة أسماء الله الحسنى “الخالق” و”البارئ” و”المصور”، وما إليها من الأسماء والصفات كانت هي خلق آدم عليه السلام. ثم توالت عليه بعد ذلك النعم تترى مما لا يحصى ثناء وشكرا، رزقا ورعاية وهداية…إلخ. ولذلك وجب أن يكون أول ما ينطق به الإنسان -أي إنسان- في حق ربه سبحانه وتعالى هو الحمد والشكر أولا وقبل أي شيء. ومن عجيب أمر الله الكوني سبحانه، أن أول كلمة نطق بها آدم عليه السلام بُعَيْدَ ما انبعث فيه الروح هي ﴿اَلْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(الفاتحة:2) (انظر: ابن حبان والحاكم). ولذلك فإن القرآن الكريم -وهو كتاب الله- افتتح بالحمد لرب العالمين، وتمجيد أسمائه الحسنى، ثم بعد ذلك ثنى بالعبادة التي هي نتيجة للربوبية. فكانت سورة الفاتحة وهي فاتحة القرآن.

الربوبية والعبودية

إن توحيد الربوبية هو اعتراف بسيادة الله على الكون والخلق أجمعين، اعترافا يتضمن الرضى به ربا وسيدا، والإيمان بما له تعالى من صفات الجمال والجلال. فربوبيته سبحانه إنما تعرف من خلال صفاته تعالى؛ ولذلك فقد سمى عز وجل نفسه بأسمائه الحسنى، وطلب منا إحصاءها والدعاء بها؛ أي أن نوحده في إلهيته تعالى بها، وذلك باب العبادة. ومن هنا كان توحيد الإلهية موصولا بتوحيد الربوبية، وهو منطوق القرآن ومفهومه. قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾(الرعد:30). فأثبت الربوبية أولا من خلال اسمه الرحمن، ثم ثنى بكلمة الإخلاص باب التعبد. والجميل حقا أن ربوبيته تعالى تتجلى في أسمائه الحسنى، ومن هنا كان البدء بها في القرآن، وفي كل أمر ذي بال. إن جمال الربوبية المتجلي في جمال الصنعة، وكمال الخلق، وتدفق الإنعام، والفيض على العالمين بالحياة…إلخ. هو الذي بهر القلوب المحبة للجمال، فخضعت له عابدة متبتلة في محاريب الإيمان، مقرة أنه “لا إله إلا الله”. إن المحب الذي فني في المحبوب إنما حصل له ما حصل لما رآه في محبوبه من خصال الجمال والجلال.
“الله”.. هذا الاسم العظيم، الدال على الذات الإلهية، يثقل وقعه في القلب العارف به تعالى حتى التصدع، قال صلى الله عليه وسلم: “ولا يَثْقُلُ مع اسم الله تعالى شيء”(رواه الإمام أحمد). إنه ثقل الربوبية الذي ينـزل بجلاله وجماله الذي لا يطاق على الصخر فيجعله دكا، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾(الأعراف:143)، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾(الحشر:21).

المحبة ثمرة المعرفة

من هنا إذن كانت معرفة الربوبية مورثة لمحبة الله، أي لعبادته. ولذلك فقد وردت التوجيهات التربوية النبوية للأمة العابدة المحبة لربها أن تذكره تعبدا بجلال ربوبيته سبحانه. قال صلى الله عليه وسلم: “من قال رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة” (رواه أبو داود). وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا السياق قصة طريفة مفادها أن عبدا من عباد الله قال: “يا ربي، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك” فَعَضَلَتْ بالملَكَين فلم يدريا كيف يكتبانها. (…) فقال الله عز وجل: اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها”(رواه الإمام أحمد).
إن الإعضال الذي حصل للملائكة الكتبة، إنما هو بسبب أن هذا العبد قد حمد الله حمدا موصوفا بصفة الله المطلقة “كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك”، وهو ما لا يمكن أن يحيط به عبد من عباد الله علما، لأنه متعلق بما هو عليه الله “ربا” في ذاته تعالى وصفاته، من جمال وجلال، وبما يفيض عن سلطانه العظيم من تقدير وتدبير على الإطلاق. وعلم ذلك هو عين المستحيل، فكان أن فزع المَلَكان إلى الله من هذا التعبير الذي أربكهما إرباكا. إنها عظمة الربوبية التي توجب الخضوع لله الواحد القهار.
إن هيبة الجمال والجلال في ذات الرب العظيم، تورث العبودية في القلب المؤمن بالله. ومن هنا كان ذلك الفضل الكبير الذي بشّر به النبي صلى الله عليه وسلم لمن أحصى أسماء الله الحسنى أو حفظها لما لهذه الأسماء من أنوار لا تفتأ تفيض عن ذات الرب سبحانه وتعالى بمعاني الكمال والجلال. قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: “إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة،”(متفق عليه). والحفظ المذكور في الحديث لا يدل على المعنى الشكلي للفعل، من عدّ أو استظهار فحسب، وإنما يدل على الحفظ بمعنى الاستيعاب القلبي والاستحضار الشعوري كما في قوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾(يوسف:55)، مشيرا بالحفظ إلى الأمانة وهي معنى قلبي محض.
إن تَمَثُّلَ مقتضيات أسماء الله الحسنى تمثل المحب المتعلق ببابه الكريم يرجو وصاله والنهل من أنواره، هو الذي يفتح الطريق للعبد السائر إلى الله للحصول على الإذن الملكي العالي إكراما لمحبته والتعلق بأسمائه.

جمال وجلال.. بجانب الطور الأيمن

ومن أطرف المواقف الإلهية، وأكثرها جمالا وجلالا، خطابه تعالى لنبيه موسى عليه السلام، بجانب الطور الأيمن.. إنه حدث وجداني عظيم يهز القلب هزا… موسى تائه في غسق الليل بين الجبال، يسير بأهله، يبحث عن دفء، حتى إذا تفرّد بين الشعاب باحثا سمع الله يتكلم.. أتدرون ما تقرؤون؟ إنه سمع الله يتكلم… وتلك حقيقة كونية رهيبة لا تسعها العقول تصورا، ولا القلوب استشعارا. ولكن الأجلَّ في الموقف أنه يتكلم معه “هو” بالذات… الله الملك العظيم رب الأرضين والسماوات، رب الفضاءات والمدارات… يكلم هذا العبد الضئيل، بل هذه الذرّة الدقيقة التائهة في الفلَوات… هل تستطيع أن تتصور نفسك هناك؟ إذن أنصت لكلام الله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾(طه:14).
موسى التائه الباحث يسمع متكلما، فيجده أنه يخاطبه ويعرّفه بنفسه، فكانت هذه الكلمات الجليلة العظيمة: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا﴾… عبارات شارحة لمعنى الإسلام وعقيدة الإسلام، عقيدة المحبة العليا.. فقد سمّى الله نفسه سبحانه باسمه العَلَم معرفا بذاته “الله”. وهو الاسم الجامع لكل الأسماء الحسنى والصفات العُلَى.. ثم قرّر ما ينبغي أن يعرفه العبد عن ربه: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا﴾، فلا ينبغي أن يسكن قلبَك يا موسى حُبُّ سواي، ولا أن تجرد وجدانك لغيري، فمقام الإلهية يقتضي من الخلق الانتظام في سلك الخدمة والطاعة لسيد الكون، الربّ الأعلى. وذلك تفريغ القلب من كل المقاصد سوى قصد الله، وتجريده غصنا فقيرا بين يديه تعالى، إلا من أنداء الشوق وخضرة الرضى، تنساب مستجيبة لأنسام المحبة الإلهية أنىَّ هبّتْ، انسيابا لا يجد معه العبد كلفة ولا شقّا، بل هو انسياب الواجد راحته ولذّته في عبوديته لرب العالمين، واهب الألطاف الخفية، والأسرار البهية، الملك الحليم ذي الجمال والجلال.

الله.. الاسم الجامع لكل الأسماء

﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ﴾.. هذا الاسم العظيم الجامع لكل معاني الربوبية والإلهية، يقتضي تمثله على مستوى القلب شعورا بالرغبة والرهبة، وهما صفتان تفيضان عن القلب الذي وجد لمسة الحب، وهو مخ العبودية. وإنما العباد سالكون بين ضفّتي الرغبة والرهبة، والخوف والرجاء. فأنْعِمْ به مِنْ جمال في السير، وأكْرِمْ به مِنْ بهاءٍ في السُّرَى. ولذلك قال له بَعْدُ ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا﴾؛ لأن المتمثل لحقيقة “الله”، ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ﴾ ربوبيةً وألوهيةً، لا يملك إلا أن يخضع لله شاكرا وعابدا. فليكن إذن خضوعا لا يشرك معه فيه أحدًا.
﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا﴾.. تقرير اعتقاد، نعم، لكنه من العبد شعور.. يحتاج إلى مصداق من الأعمال والفعال. وهل يملك من يجد في قلبه شيئا أن يكتمه؟ خاصة إذا كان هذا الذوق الموجود من الجمال والجلال ما لا يستطيع قلب بشري أن يحتمله سرًّا إلى الأبد. فلا بد إذن من التعبير، وذلك هو أركان الإسلام الخمسة: النطق بالشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا. أعمال وأفعال كلُّها تسلك بالعبد مسلك الخدمة والطاعة لله رب العالمين، وتشعر صاحبها بمقدار ما يجده في قلبه من الحب، وما يعترف به من إقرار على نفسه، إذ شهد أنه “لا إله إلا الله”. فإلى أي حد هو صادق فيما عبر به عن نفسه؟ إنها شهادة على القلب. أفَتراه كان صادقا كل الصدق أم بعضه؟ ولذلك قال عز وجل لموسى: ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾. العبادة إذن هي “التعبير”.. التعبير الظاهر عما وجده المسلم في الباطن، إذ شهد ألا إله إلا الله. إنها تعبير المحب عما وجد من حب، وأيّ محبٍّ يستطيع الكتمان؟

الصلاة.. أمّ العبادات

وبقيت الصلاة في الإسلام كما كانت في الأديان السابقة أم العبادات. ولذلك خصها الله بالذكر هنا رمزا لكل خضوع وخشوع ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾.. وما كل أركان الإسلام في الجوهر -مهما تعددت أشكالها- وهيآتها إلا “صلاة”! ولذلك قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة”(رواه أحمد). فكأنه عليه الصلاة والسلام يقول الإسلام هو الصلاة، لما في معنى الصلاة من جمع لكل مواجيد التعبد والخضوع لله رب العالمين، وذلك هو المقتضى العملي لكلمة الإخلاص “لا إله إلا الله”. والترجمة الفعلية للأمر الملكي: ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ الذي جاء تفسيره وبيانه بعدُ مباشرة ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾. فيا لجمال “الذِّكْرِ” في سياق الصلاة! ذلك التعبير المليء بالإيحاءات الوجدانية، التي تحدو الأحبة بالتراتيل الملتهبة شوقا لديار المحبوب.
وذكر الله هو مقام الأدب مع الله.. فالعبد الحقيقي هو الذي لا يفتأ يذكر سيده فلا ينساه.. وهل ينساه حقا؟ إذن ليس بعبد، وإنما العبد من كان دائم الحضور بباب الخدمة، لا يفتأ واقفا بأدب العبودية إلى جانب الأعتاب العليا.. فأنى ينسى مولاه؟ أن تصلي يعني أن تكون دائم الذكر لله.. ولذلك كانت الصلاة أرقى تعبير عن حضور القلب مع الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾.
تلك معان كلها تفيض عن شهادة أن “لا إله إلا الله”. كلمة الإخلاص وعنوان الإسلام لله رب العالمين. وهي الكلمة التي يفزع إليها المؤمن من الغم والكرب، تماما كما يفزع الصبي إلى أمه عندما يلم به مكروه. أتدرون لماذا؟ لأنها ببساطة أقرب الناس إلى وجدانه، ولو لم تكن كذلك لما نادى صبي في الدنيا إذا استغاث “أماه!”. إلا أن العبد الذي سكن قصد الرب الأعلى قلبه، وامتلك عليه وجدانه لا يفزع إلا إليه، بمقتضى “لا إله إلا الله”.
هل سمعت يونس عليه السلام إذ التقمه الحوت فغاص في ظلمات بطنه، وظلمات البحر والليل، ثم ظلمة الغم الشديد الضاربة على تلك الظلمات جميعا، ألم تسمع ماذا قال؟ يقول رب العزة حاكيا عنه: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾(الأنبياء:87). لقد كان أول التعبير استغاثة وجدانية ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ﴾.. لا يملك مواجيدَ القلب إلا أنت! لا محبوب، ولا مرغوب، ولا مرهوب إلا أنت! ثم كان التسبيح والتنـزيه فالاستغفار… يا سلام… أي جمال هذا وأي كمال؟! وأي أفق كريم فيما يتيحه هذا الدين السماوي للقلب من سياحة وسباحة في عرض الملكوت لاستدرار واردات الأنس والرحَموت؟ يونس هذا العبد العظيم الذي أدرك -وهو في بطن حوت ضخم جدا، يخوض به المجهول، في قاع المحيطات الرهيبة- أن القلب إذا امتلأ بنور الله كان الله معه؛ ومن كان الله معه أمن أمنا كليا، فلا يعدو هول البحرِ والحوتِ حينئذ مقدار حشرة في مستنقع.. الله أكبر!

حقيقة الشرك وجذوره القلبية

إن شهادة ألا إله إلا الله لهي توقيع عقد، وإمضاء التزام، بضمان الهوى لله وحده كما في الحديث: “لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به”(فتح الباري، 13/289)، وكل ما جاء به صلى الله عليه وسلم هو “الإسلام”. وقد علمتَ ما في هذا العبارة من معاني الخضوع للرب الأعلى. خضوع يفرغ القلب مما سوى الله. وهو أمر في غاية العمق الوجداني، والتحقيق الشعوري، ولذلك صعبت كلمة “لا إله إلا الله” على كفار قريش أن يقولوها، وهو أمر طبيعي، فقد أدركوا بفطرتهم اللغوية السليمة أن هذه الكلمة تعبيد لمشاعرهم، قبل أن تكون تعبيدا لأفعالهم. وهو الأمر الذي لم يقبلوه، إذ كان “الشرك” قد ران على قلوبهم فلم يستطيعوا منه فكاكا. وما حقيقة “الشرك” إلا أهواء ومواجيد، سكنت قلوبهم فلم تصْفُ بذلك لربها الملك الأعلى. إن الشرك بهذا الإدراك معنى قلبي كالتوحيد تماما. أعني من حيث إنهما معا شعور يحدث في القلب، وإن كانا متناقضين، كتناقض الحب والبغض، أو السخط والرضى.
فلم يكن من منطق الأشياء أن تدور معركة، بل معارك مريرة، بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين العرب من أجل أحجار هي الأصنام، التي كانت تعبد من دون الله. بل إن حقيقة المعركة كانت حول ما ترمز إليه تلك الأحجار، من أهواء ساكنة في قلوب العباد. فما كان صمود العرب في وجه الدعوة الإسلامية كل تلك المدة، حتى عام الفتح، حبا في الأوثان لذاتها، وإنما حبا فيما كانت ترمز إليه، وما كان يقع باسمها في قلوبهم من حب لمجموعة من الأهواء، هي الآلهة الحقيقية التي كانت تعبد من دون الله؛ من حب للجاه، وحب للسيادة، وحب للمال، وحب للتسلط على الفقراء والعبيد باسم الآلهة، أو قل باسم الصخور الجامدة. تلك الأهواء إذن هي الآلهة الحقيقية، التي كانت تعبد من دون الله، وما كانت الأحجار إلا تجسيدا لها في عالم المادة، ورمزا لما في عالم الإحساس، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾(الجاثية:23).
ومن هنا حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الإطاحة بأوثان الشعور، قبل الإطاحة بأوثان الصخور! وقد ظل بمكة يعبد الله قبل الهجرة ويطوف بالبيت العتيق وقد أحاطته الأصنام من كل الجهات، لأن عمله حينئذ كان هو إزالة أصولها القلبية، وجذورها النفسية؛ حتى إذا أتم مهمته تلك، كانت إزالة الفروع نتيجة تلقائية، لما سلف من إزالة للجذور ليس إلاّ. ولذلك قلتُ: إن الشرك معنى قلبي وجداني، قبل أن يكون تصورا عقليا نظريّا.
إن “لا إله إلا الله” -وقد سُمّيت كلمة الإخلاص- ليست إلا تجريدا قلبيا للهوى حتى يكون خالصا لله وحده. وكل حبّ تفرقت به الأهواء لم يكن إلا كذبا. والشهادة في الإسلام إقرار من صاحبها على نفسه، وما يجد في قلبه بالتصديق. فانظر أي قرار يتخذه الإنسان، حينما “يُسلم” لله رب العالمين، ويشهد “أن لا إله إلا الله”!

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.