لا يمكن الحديث بصيغة تعميم تتجه إلى مستويات خطاب الدين كلها دون استثناء، أو ما اصطلح على تسميته على نطاق واسع بـ”الخطاب الديني”، خاصة إذا تعلق الأمر بمطلب التجديد الذي أضحى مطلبا ملحّا -رغم اتخاذه طابع الإلزام الصادر من خارج منظومة الدين نفسه ومتطلباته الذاتية-، ذلك أن الدين -أيّ دين- باعتبار إطلاقية مصدره لدى معتنقيه أوّلا، كما باعتبار خصائص التسليم التي تطبع علاقاتهم به، لا يمكن أن يكون مجالا مفتوحا للتجديد في كافة مستوياته.
من هنا تنبع أهمية التأكيد أن خطاب التجديد المتجه إلى الدين ليس مطروحا عليه بوصفه هوية شخصية، بل باعتبار وظيفته المرجعية، فالتجدّد كفعل ذاتي متجاوبٍ مع حاجات حقيقية إنما يقع من الدين في مساحات المرجعية. ولا شك أن أي مرجعية إلا وتتسم -بالضرورة- ببعض سمات المعتقد الديني، إذ لا يمكنها أن تحقق وظائف المرجعية التي يعتنقها الإنسان بوصفها منظومة اعتقادية بشكل من الأشكال دون أن تتسم بسمات المعتقد الديني، وبذلك فإن المرجعية خاضعة لحتمية التجدد الذاتي انطلاقا من تلك السمات.

الدين بوصفه مرجعية متجددة

والدين بتقديمه رؤية معرفية للإنسان، يزوّده بمنظومة من القيم والأحكام ذات مَقْدرة تفسيرية هائلة للظواهر والقضايا التي تشغله، إذ الإسلام -ومنطلقه القرآن- مثّل ذروة مرحلة الوحي ونقطة فاصلة اكتملت فيها رسالة السماء للأرض، لذا فإن الأهمية الاستثنائية لهذه النقطة تفرض التوقف عندها باعتبارها حدثا فاصلا في تاريخ الإنسان يؤرَّخ به لما بعده، وبالتالي فإن تجليات الوحي وتنـزّله في واقع الإنسان والعالم، -وعلى رغم التجربة الحضارية البالغة الغِنى لتفاعل العقل والواقع المسلم معه تاريخيا- تتجه بفعاليتها وانفتاحها عبر خط المستقبل، وبالتالي فإن مركز الثقل في هذا الوعي ليس في المرحلة التي تفصلنا عن اكتمال نزول الوحي (الماضي)، بل تلك التي تفصلنا عن اكتمال وجود الإنسان (المستقبل).
إن التجربة الحضارية للإنسان في استلهامه من الدين (الإسلام) وتفاعله معه، والتي تتجلى على امتداد المساحة الزمنية التي تفصلنا عن بداية تنـزل الوحي، ورغم انطباعها بالغنى والثراء، ليست في الواقع إلا جزءا يسيرا من تجليات مقدرة الوحي التفسيرية لظواهر الحياة والإنسان، بل لقدرته على الفعل في مسار البشرية وأداء مقاصده الكبرى بحفظ الإنسان والدين والكون (المفصلة في كليات الدين ومقاصده الخمس).
ولعل التحديات الاستثنائية التي أصبحت تواجه تحقيق تلك المقاصد (الأهداف الكبرى) صارت تقتضي من الإنسان لزوما العملَ على تجديد قدرته على التعامل مع جوهر الدين، وزيادة فعالية أدواته في التفاعل والاستيعاب والاستنباط والمساءلة والتفسير. غير أن تجديد القدرة تلك لا ينبغي أن يفهم باعتباره متجها إلى جوهر الدين، أي مضمون رسالته؛ فالتجديد هنا لا علاقة له مطلقا بجوهر تلك الرسالة، إذ الإيمان بالدين من مقتضاه التسليم بإطلاقية عناصر الهداية والإقناع والتسديد فيه، كما يقول “غوته” عن الإسلام في “الديوان الشرقي الغربي” أنه: “إذا كان الإسلام يعني التسليم لله فإننا جميعا نعيش ونموت مسلمين”. أما التحدي الواقع اليوم فهو أن يكون الإنسان المسلم أهلا لتتنـزّل تلك العناصر في حياته، أو الحيلولة دون مسار في الفكر والخطاب يتحول الإنسان المسلم بمقتضاه إلى عنصر معيق لذلك الجوهر المعبر عن مقاصد الإسلام، في أن يتحول إلى خطاب واضح وفعال يؤدي رسالته إلى العالم.
لقد كانت قدرة الإنسان على استنطاق مكنونات الوحي عبر مسار العلاقة بينهما مرتبطة بصيغة بناء الأسئلة التي يطرحها في عملية مساءلته لمعاني الدين ومكامن المعرفة فيه. فالتجديد في خطاب الدين بهذا المعنى ربما ظل بعيدا عن بلوغ الأهداف المطروحة اليوم في مجمل الخطابات البديلة السائدة، ما لم يتم التركيز عبره على إعادة بناء سؤال الإنسان للوحي بأمثَل صيغة متاحة، لتكون مقدرته على الاستفادة من ذلك الوحي في أمثل مستوى متاح، وهو ما يؤكد أن مجال التجدّد المطلوب ربما كان خطابَ الدين للإنسان في العصر الذي يعيش فيه وكيفية تزويده بمقومات الهداية والسداد والسعادة، من خلال حسن استنطاق ذلك الخطاب بالسؤال الصائب.

معيارية التجدد في خطاب الدين

هنالك سؤال ينتصب ملحا كلما طرق موضوع التجدد في خطاب الدين، ذلك هو سؤال المعيارية، فما هو المعيار الحاكم لعملية التجدد؟ هل يكون آراء ومواقف المتتبعين والنقاد؟! أي أولئك المعنيين أساسا وربما حصرا بـ”صورة الدين”، الذين يؤسسون معاييرهم في بناءِ أو مساءلة خطاب الدين على”صورته لدى الغير”.
ولعل موقف كثير من علماء الاجتماع الذين يتابعون تجليات الظاهرة الدينية في الغرب خاصة، يشير إلى عمق الأزمة التي تعاني منها أطروحة “متتبعي الخطاب الديني ونقاده” عندما يطرحون السؤال المتعلق بالإسلام خاصة، وهو كيف تكون أكبر حصة من النقد موجهة لخطاب الإسلام الذي يتفق علماء الاجتماع على أنه أكثر الأديان تأثيرا وفاعلية في استيعاب أي نموذج إنساني أو اجتماعي، واستيعابه في منظومة فكرية وأخلاقية مؤسَّسة على قيمه المتعالية؟
إن خطاب الإسلام الراهن رغم كل الملاحظات التي يمكن قولها عنه يظل في نظر هؤلاء أحد أكثر الخطابات إقناعا، بل إن مضمونه المعرفي لا يكاد يقارن من حيث حجم الأسئلة الوجودية التي يقدم أجوبة عنها بأي خطاب آخر.
والملاحظ أن أي خطاب للدين لم يكن بإمكانه التجدد في غياب التزام ذي طبيعة أخلاقية بمقصد محدد، إذ في غيابه تقع عملية التجديد في مسار عبثي تكون محصلته إفراغَ الخطاب من أي قدرة على الفعل، بأن يسقط في النسبية المطلقة والإبهام فيصير إلى العدمية، أو في التجزيء فيتحول الإسلام وخطابه إلى أي شيء آخر إلا أن يكون الإسلام نفسه، كما وقع حين طرح البعض خطاب “الإسلام الاشتراكي”، أو “الإسلام الرأسمالي”، الذي ازدهر كثيرا بعد حالة النجاح الجزئي الذي حققته التيارات الإسلامية على مستوى المؤسسات البرلمانية في الدول العربية.
إذن فثمة حاجة أساسية للاتفاق ولو في شكل نسبي على معيارية التجدد في الخطاب، بل ومقصديته كذلك.
إن غياب الالتزام بمقصد الدين/المرجعية يؤدي إلى أنه بدلا من أن يتجدد خطاب الدين نفسه فإنه يتحول إلى خطاب ذي طبيعة مغايرة. ومن هنا تتضح أهمية إدراك ثوابت هذه المرجعية، وهو المطلب الذي يبدو غير قابل للتحقّق بغير النظر في منظومة القيم التي على أساسها يتحدد مقصد الخطاب ومعايير تجدده، ليكون الالتزام الأخلاقي بمنظومة القيم الحاكمة معيارا ومحدِّدا لتجدد الخطاب الديني نفسه.
ففي ضوء منظومة القيم تتحدد القيمة المركزية أو العليا في المرجعية والقيم الثانوية لها. وإذا كانت القيمة المركزية -على سبيل المثال- في الاشتراكية هي “المساواة”، والقيمة المركزية في الليبرالية الرأسمالية هي “الحرية”، فإن التجربة الإسلامية قامت بجعل “العدالة” قاعدة التعامل المجتمعي، لتأخذ الحرية والمساواة بُعدهما الإنساني في إطار العدالة.
ولذلك اعتبر بعض مفكري الإسلام المعاصرين والقدماء على السواء، أن القيمة العليا فيه هي العدالة، إذ -كما قال ابن أبي الربيع في سلوك المالك-: “تحقيق الحرية بمطلقها قد لا يضمن تحقيق العدالة أو المساواة، وكذلك تحقيق المساواة وإطلاقها قد لا يعنيان ضمان الحرية والعدالة، أما جعل العدالة القيمةَ العليا فإنه يضمن تحقيق الحرية والمساواة بما لا يخل بالعدالة”.
والواقع أن عملية استيعاب القيمة العليا تعني أن هذه القيمة تؤثر على القيم الأخرى وتؤثر على الفهم الخاص ببقية المنظومة القيمية. ولعلنا بإدراك قيمة العدل أو بصيغة أشمل “العدالة” كقيمة عليا في الإسلام ندرك مبلغ ما يمكن لخطاب الإسلام أن يؤثره في واقع عالم يجمع بين تطلع أبنائه المشترك إلى العدل، وبين واقع ظالم يعيشه في أكثر من مجال وعلى شتى الصُعُد، واقع عرف أكثر صور الخلل في نظام العدالة مع اكتمال “مشروع العولمة” التأحيدي، الذي لا يغيّب خصوصيات المجتمعات وهويات الأمم فحسب، بل كذلك حقوقها في الاستفادة المنصفة من خيرات العالم، بل من إمكاناتها الذاتية، والأهم من ذلك كله تطلعاتها الروحية ومطالبها المعنوية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.