يحافظ القرآن الكريم على جماليته اللغوية ودقّة كلماته المكتنزة، وقوّة معانيه، فيذيقك بلاغة اللغة وهي في أوج تكامل جماليتها، ويفتح مخيّلتك على كنوز المعاني من خلال انتقاء الكلمات الدقيقة الأكثر تعبيراً عن قوّة المعاني التي تسري في عروقها. ومع المداومة على قراءة القرآن، تتشكّل لديك ذائقة خاصة، فتنفر نفسك من جملة فجّة، أو عبارة هشّة، أو أسلوب ركيك. وعلى نقيض ذلك، فلو قرأت كتابًا جيدًا، فإنك تتفاعل معه، وتلتذّ بقراءته، وأنت تستشعر قيمة هذا الكتاب وتنتفع به.

ولايعني ذلك أن الكتاب الآخر كان سيّئًافي مضمونه، بل لعلّه يطرح موضوعًا هامًا للغاية، بَيدَ أن الركاكة، والهشاشة، والمُباشَريّة الفَجّة، قد وقفت حائلاً بينك وبين استئناف القراءة. وتلك هي الكتب التي تُنشَر ولا تُقرأ، فيكون نشرها كعدم نشرها، كونها تفتقد إلى عناصر ومقوّمات الكتب التي تلبث مقروءة في كل زمان ومكان، وتمتلك إشراقات التشويق إلى قراءتها، والعودة إلى قراءتها، وما ذلك إلاّ لأنك تستشعر مدى حاجتك إليها، ومدى ما تقدّمه لك هذه الكتب النفيسة. فالمواظبة على قراءة القرآن، ترفع سويّة ذائقة تلقّي جماليات وبلاغة اللغة لديك، فيميّز لك القرآن الكريم، الغث من السمين في سائر القراءات الأخرى، ويجعلك متمكّناً من استخلاص جواهر المعاني من رَحِم الكلمات.
اختيار آية كمثال يقول الله تعالى شأنه: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(سورة الأعراف، الآية 57).
تبدأ الآية بهذه الجملة البديعة المكتنزة: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ)، هنا تتخيّل كيف أن الرياح تحمل البشرى للناس والدواب والطبيعة بقدوم هطول المطر. وجاءت كلمة (يُرْسِلُ) تشريفاً للرياح التي جعلها الله رسولة تحمل هذه البشرى. وَالله (هُوَالَّذِي يُرْسِلُ).

وَليسَت هي التي تأتي من تلقاء نفسها بشكا آلي، وعندها كانت ستحل الكوارث، لأن لا أحد بمقدوره أن يمسكها، فالله (الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ) هو وحده قادر على إمساكها والتحكّم بها في الوقت الذي يشاء. فهذه الرياح أمينة على حمل البشرى برحمة الله من خلال قدوم المطر الذي ينتعش منه كل ما في الأرض (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً)، عندما يثقل الغيم بالمطر ويغدو(سَحَاباً ثِقَالاً)، كالمرأة التي تثقل بحملها، والشجرة التي تثقل بثمارها، عندئذ (سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ)، فالشتاء الذي هو فصل ذروة المطر، يكون عادة بعد الخريف الذي هو فصل الرياح التي تُسقط الأوراق اليابسة الميتة عن الأشجار، وتطرحها أرضا وتدفع بها على شكل ركام إلى حيث الأودية والأنهار، مبشرة الشجرة في ذات الحين بثوب عيدي مزركش جديد لم تر له مثيلا في أي عيد مضى، هامسة بأنها سوف تخلع عنها ثوب السنة الماضية الذي غدا بالياً واكتظ بالغبار.

ثم يهمس لها أن الشتاء ينتظر ليقدم بعد ذلك ويغسل سائر بدنها بعذوبة مطره الذهبي، والربيع منهمك الآن بحياكة ثوبها المزركش الأنيق الذي يليق بقوامها الممشوق، ويجعلها عروسا متجددة تستقطب بحلتها أنظار وحواس كل مارٍ بجوارها من أنس، وجن، وطير، ودابة، ونبات، وجماد.
يهتف الخريف لها بحنان إنه في عجلة من أمره لأن الشتاء والربيع ينتظران كي يكرماها، وعليها أن تتشجع وتتجاوب كي يحتفيان بها، فتخلع الشجرة بحياء شديد أوراقها، وتسلّم نفسها بخجل وتردد عذراء، أمانة لأنامله الأمينة، ينفخ على أعوادها اليابسة وهو يتأمل تخلص الشجرة من آخر ذرة غبار، ثم حينئذ مايلبث أن يسلّم الأمانة إلى انتظار الشتاء الذي يتسلّمها تحت جنح رذاذه ويشرع في غسل بدنها عضواً عضواً بِفَيض مطره الغزير حتى ينظّف عنها آخر ذرة غبار، فيرسل آنئذ الربيع زخات خفيفة من رذاذه حتى يتخلّص كل ما في الشجرة من آثار الغبار، ثم ما يلبث أن يرسل نفحات دافئة من خصلات شعر شمسه، فتنشّف أعضاءها عضواً عضواً بدفء، ثم ما يلبث الربيع آنئذ أن يبدأ في ارتدائها الثياب التي حاكها على فصال جسدها قطعة قطعة، بادئاً بالقطع الداخلية الصغيرة، ومنتهياً بآخر لمسات الزينة.
تأخذ الشجرة المباركة أوج حلّة زينتها، فلا ترى البلابل موضعاً أكثر جمالاً وقدراً منها كي تقضي فيه وقتها، فتتهافت إلى ربوعها الخلاّبة من كل صوب وحدب أزواجاً أزواجاً ..فرادة فرادة، فتبني لها أعشاشاً، وتتزاوج، ويطول بها المقام حتى تفرخ في شدو، وزغاريد. يمرّ المارّ، فلا يكون له إلاّ أن يقف ليمتّع بصره بالنظر، وهو يسبّح فالق الإصباح على سحر هيأتها، وكمال بهائها، ونضوج ثمرها، وطيب ريحها، وعذوبة سَكَنتها
قال (سُقْنَاهُ) سقنا ذاك الغيم المثقل بالماء (لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ) فهذا ردّ بليغ على قول المنكرين بالبعث، فتلك الطبيعة التي كانت ميتة، ها هي امتلأت بالمروج الخضراء.
فالسحاب يكون في حالة انتظار حتى يسوقه الله، فترى الغيم المثقل بالمطر يمضي في الأفق إلى ما يشاء الله، ولا ينزل منه المطر إلا في الموضع الذي يشاء الله، فهو قد يمضي فوق بقعة أرض دون أن تنزل منه قطرة مطر، وقد ينزل المطر بغزارة في موضع، ولا ينزل في موضع قريب منه، قد ينزل في الريف، ولا ينزل في المدينة، أو قد ينزل في هذا الحي من المدينة، ولا ينزل في حي مجاور له.
(فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء)أنزل الله تعالى بهذا الغيم (الْمَاء)(فَأَخْرَجْنَابِهِ)بهذا (الْمَاءمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ) فلا ثمرة تثمر، ولا ورقة تخضرّ دون ماء (كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) بعد أن بيَّن الله لك هذا التفصيل في كيفية إيجاد الحياة في النبات الميت، وبعثه من جديد، ضَرَبَ به مثلاً على بعث الإنسان بعد موته. فالله الذي يحيي هذا النبات اليابس بعد موته، فيجعله يزدهر بالحياة قادر أن يحيي الإنسان بعد موته، فالذي يقدر على الخلق أول مرة، يكون قادراً على البعث بعد الموت، والنبات مثال يريه الله لكم (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.